<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
تأمّلات في الإنجيل
أحد مرفع اللّحم
الدّينونة؟!


     قال الرّب: متى جاء ابن البشر في مجده وجميع الملائكة القدّيسين معه، فحينئذٍ يجلس على عرش مجده... وتُجْمَع إليه كلّ الأمم... فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الرّاعي الخراف من الجداء!! ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره!! حينئذٍ يقول الملك!!!.

     ها نحن واقفون الآن قدّامك وترانا يا ربَّنا!!.

     أنتَ دعوتنا، إذ عرفتنا من البطن وغرزتنا في أرحام أُمّهاتنا!!. مددْتَ يدَكَ والتقطتنا يوم خرجنا من عتمة وظلمة التحام الجسد بالجسد، مكلَّلاً بالشهوة، وأخرجتنا!!.

     انتزعتنا من هشاشة وضعفِ ولادتنا وأدخلتنا فردوس حِسِّنا، لنصرخ قائمين من مواتيّتنا، إذ وعيناكَ ربًّا – ربّنا! سيّدًا – سيّدنا! وإلهًا – إلهنا!... نُسائلك الآن... ما نحن؟! ما مِنّا؟!...

     ها نحن خطئنا وأثمنا حين وعينا وكبرنا في مراعي حقولك، في عالمك! وما قذفتَ بنا إلى جوفِ عتوّ بحارك المالحة. من جوف حوتِكَ البحري انتشلتنا!!... من غياهب ظلمة الموت أعتقنا، لنبقى حولك في لعبة الكيان، في الوجود، في الطلب، في العطاء، في فهمنا حبَّك!!... هكذا إليك خطئنا، قبل أن نعرف الشرّ من خيريّتك!!!.

     والآن أنت تجلس لتديننا، كأنّك لم تعرفنا ولم تكن معنا؟! أفي المحاكمة تتركنا وحدنا الآن لتأتينا؟! ديّانًا يا ربّنا؟!.

     تأتينا اليوم في المجد الّذي أنتَ هو!! الّذي أعددتهُ لجميع الّذين يحبّونك!! للّذين خلقتهم أنت منكَ!! تأتينا والملائكة القدّيسون إلى عرش ملكك!!.

     والآن! نحن واقفون قدّامك وترانا!!.

     نسائلكَ!!.

     ما الدينونة؟؟ ما محكمة اليوم؟؟ يا ربّنا، يا إلهنا!!.

     نحن حاكمنا أنفسنا مع كلّ شهقة انبزاغ صبح النّور باكين خِزْينا!!. عتماتِ المسايا والليالي وخفنا!! خفنا أن يسمع عبّارُ الشوارع والطرقات أنين أرواحنا... لكنّنا ما صمتنا!! صرخناك إلهنا، ربّنا ومخلّصنا!!.

     فماذا تركنا لنا؟!.

     الحرقة، الشّهقة، التوبة، علّك تمرُّ بنا حينًا، تلقانا في الزوايا ننتظرك، مختبئين منكَ وعنكَ!! مادّين أصابع أكفّنا، نستجدي حبّك، رضى حنانكَ! تبنا إليك... أنت مسيحنا يا يسوعنا!!.

     والآن استمع صراخنا!!.

     نحن نحبّك في ضعفنا، في صَخَبنا، في تعنُّتِ أرواحنا!! في رفضنا التأديبَ الّذي وعدْتَ أنّه يبقى علامة حبّكَ لنا!!.

     فكيف نصل اليوم لتنطق بنا، ربّي، هذا الحكم؟! هذه الدينونة؟! ألستَ أنتَ ابن البشر الّذي علّقناه نحن على الصّليب، عن غير دراية منا، ليموت عنّا، لأجل خطايانا؟!.

     اليوم حضر رهطُ الملائكة القدّيسين وكلّ الأمم أمامك!!. ونحن أيضًا!! رفعنا رؤوسنا!! سرايا أعلامهم تتناطح كي تراها، فتلحظهم!!.

     أنت إلهنا! الآن تجلس على كرسي مجدك!! كرسي قضائك!!.

     السّيرافيم والشيروبيم يحيطون بك!!.

     يزعقون حناجرهم لتخافَ وحوش غاب البشر عظمة قدرتك!! يتطايرون حولك!! يحتفّون بك!! يلتحفون غمام الليل، شُهُبَ النّجوم، لتحترق بوادي كلّ أُمّةٍ رفضتك وبيادرها... وما عرفتك!!.

     سيّدي!! ها صوتي يعلو إليك!! سيّدي ما لنا ولك؟!.

     أتيت الآن لتحرمنا وَجْدَكَ!!.

     وتبقى أنتَ، أنت مؤطَّرًا بصمتِ روحِكَ!!.

     الغلبة للإله!! يصرخ متقدّموك!!.

     فيتفجّر نهرُ النّار أمامك!!.

     سيّدي! إلهي!! ربَّ الأكوان كلّها!! أتجرفنا أنهار النّار وأنتَ متاخِمُنا؟!.

* * * * *

     مَنْ أولئِكَ وهؤلاء الّذين اصطفيتهم ياربّ لك؟!. لهم عيونُ ولا تبصر! لهم آذان ولا تسمع! لهم حناجر ولا تصرخ اسمك: قدّوس! قدّوس! قدّوس اسمك! أتلقى سماعًا لديك؟! أتلقى الرّضى؟!.

     سيّدي! الصّقيع يجرف نيران أنهار النّار!!.

     تذوب وتضمحلّ زوايا الأرض كلّها!.

     وأنت أنت لا تغنى ولا تُغني أعمارَك!!.

     نسائلك!! لماذا فصّلْتَ مميّزًا الخراف عن الجداء؟؟؟ لا نفهمك!!.

     أفاضلْتَ، أنتَ الرّبّ، في لحظة، في ومضة التّماسٍ وخلقِكَ، بين الّذين يعرفون والّذين لا يعرفون؟!.

     أهل نفختَ الرّوح في أحشاء الّذين أردتهم أن يتقدّموا؟! وأمسكتَ النّعمة عن الّذين أنت تعرف أنّهم منذ البدء سيرفضون ملكك؟!.

     ربّي!! أنت إله عادل تجازي!! لكنّ حبّك يغلبُ مجازاتك!! أين عدل الملك؟! وعدلُ أبناء الملك؟؟!!.

* * * * *

     الآن تركتُكَ سيّدي!! ومشيتُ إليك!!.

     انتصَب صليبُكَ أعلى من السّموات!!.

     كتبوا على الخشبة فوق رأسك... علامتك!!.

     حفروا الأحرف من دماء جنبكَ، أحرف غلبتك!! يسوع النّاصريّ ملك اليهود!!.

     أنزلْتُ عينيّ خفرًا إلى وجهك المدمّى بالحبّ ودمك!!.

     اليوم صِرْتَ غافرًا ربّي، غافرًا للبشريّة كلّها جحود خطيئتها عليك وإليك!!.

     وفي قتلهم لكَ، أبادوا الموت الّذي صلبوك عليه!!!...

     لأنّك يا إلهي قمتَ من موتهم إليك!! إلى قيامتكَ!!!.

     ولم يبقَ بغفرانك مَنْ يُحاكَمُ أمامَك!!.

     ”اغفرْ لهم يا أبتاه!! لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون!!“.

     في يوم الدّينونة، سقط بكَ حكم الدينونة!!.

* * * * *

     إلهي! ربّي! مسيحي! ويا يسوع!!.

     كل الّذين أحبّوكَ مُكرّمين مُسحاءك خلصوا بحبّك!!.  والّذين صرفوا وجههم عنكَ وعن محتاجيك أبادوا الحُكْمَ بعدلك!!. بنهر حنان حبّك!!.

     لأنّك أنت نطقتَ بفم داود ملكك ونبيّك:

     ”إن كنتَ للآثام راصدًا يا رب، يا ربّي من يثبت؟! لأنّ من عندك هو الإغتفار“!!.

     لكنّك اليوم تجلس يا ربُّ ديّانًا بحقيقة حقِّكَ!.

     كيف تجازي؟! وأنتَ أنا في لقيا وَجْدك؟!.

     أمْ بتُّ لا أفهم؟! نعم، غبيٌّ أنا ولا معرفة عندي؟! لكنّي!! لكنّي أعرفُك... فقبل أن خلقتني... من البطن عرفتني!! أفهمني لأفهم!! عرّفني لأعرف سرّك!! كيف؟ كيف؟!.

     كيف يا ربّي يصير الفقير الدّيان؟! والجائع والعطشان؟! والغريب والعريان والمريض والمحبوس؟!.

     كيف يا إله الرّحمات والحبّ والغفران والحنان تحدُّ وَجْدَك للكون، كلّ الكون؟! للطبيب والمريض؟! للقاتل والمقتول؟! للظالم والمظلوم؟! للنّافخ الرّحمة للحياة والسّمّ للموت في جميع أجساد الشهداء، الّذين وقفت بهم مصلوبين معك؟! وبهم نطقتَ الغفران الأبدي للجميع في صليب جسدك؟!.

     بعضهم منّا، عرفناك فأحببناك... ملء ملء كياناتنا!!.

* * * * *

     إلهي! يا سيّدي!...

     أنتَ تموتُ فيّ... وأنا ما صَرَفتُ وجهك فيّ ولي عنك! لا!. ثم ترتدّ إليّ في صرختي حبّك!!.

     فكيف، كيف تُبعد عنكَ من أخطأ إليكَ؟؟!!.

     من ذاك الآتي من آدوم وثيابه حمرٌ من دوس عنب المعصرة؟!.

     وعمّال المعصرة حملوا الصّليب، صليبك دمًا وخبزًا مغمّسًا في أحشائنا!!.

     ها بكَ تأتينا اليوم في دينونتك!.

     دمك أطياف أجساد الّذين يُذبحون عنكَ لك!!.

     فكيف كيف تحكم على الّذين لا يعرفونك؟! والّذين لا يُدركون أنّهم خطئوا إليك وإلينا فيك؟! وأنّنا بكَ افتديناهم عنك، فمتنا لك؟!.

     لا موت ربّي وسيّدي لا دينونة، لا حكم، لا مجازات، بعدُ. غُرسنا على الصّليب معك وفيك!! نحن اليوم إلى القيامة العامّة الآتية، الّتي كانت منذ أوّل يوم سقط فيه قايين في دماء هابيل أخيه إذ ذبحه، ليحيا هو، فمات قَبْله؟!!.

     هكذا تتمّ الأيامُ يا إلهي فيك أنت مبدعها ولا تفنى!! فكيف كيف المحكمة؟؟!! كيف الدينونة؟؟!!.

     كيف كيف تفصل وتفاضل الإنسان والإنسان، وأنت ابن الإنسان؟!.

     أهَلّ خالطْتَ أحكامَ الإنسان، مُطلق فكر الإله في الحبّ، لحدِّه؟!... لا!!!...

     يا يسوع!! في حبّك إلتقتِ الأحكام والشريعة!! انْدَثر النّاموس!!.

     فـأي حكم يفصل فيه الغني الفقير؟! وأنت معطي الكلّ طعامهم في حينه!.

     وأنت، أنت هو الأزمنة والأوقات والأحيان!!.

     أنتَ، أنت مُبدءُ الحبّ في الأوصال المخلّعة!!.

     أنتَ، أنتَ، تقيم الّذين عرفوك عن يمينك!!.

     والّذين لم يعرفوك، ربّي، ينتظرون لتأتيهم!!.

     وأنت أنت آتيهم ومضة التماع شعاع رقّتك! توبتك! وحنان فدائك لهم ووجْدك إليهم!!.

     غفرانك سيّدي يُميل ليمحو كلّ دمعةِ عن عيونهم!!.

     كلّ حسرةٍ، كلّ قسوةٍ، كلّ عتمةٍ في مآقيهم!!.

     أتلحظهم يبسطون كفّك لتلقاهم، يبذرون التربة حنطةً لِعُبَّار الدّرب!؟ ثم يغرفون مياه الينابيع لسقي وعر نفوسهم!!.

     أرأيتَهم، ربّي، كيف يتوبون إليك؟!.

     لؤلؤةُ البحار المالحة من يختطفها لتزيّن تاج مليكة الحياة؟!.

     والملائكة يقدّسون الرّياح الأربعة ويُلقمون الهواء نسيمات حنين!!.

     سيأتون ربّي!! كلّهم يعبرون أمامك من يسار حُكمكَ عليهم إلى يمين حبّك لهم!!.

     تابوا!! وكلّ حكم دينونةٍ يقربونك تائبين!! إليك!!.

     هكذا يتطهرّون!! يتوبون راجين العودة إليك!.

     ستقبلهم إلهي يستريحون في حضنك، عند قدميك!.

     ترفع الحكم عنهم إلهي ويا مسيحي، إذ يأمَنون طلّتك معلّقًا على الصّليب!!.

     هناك يُلصقون جباههم عند قطرات دم قدميك!.

     ها أنت صرتَ لهم ربًّا، سيّدًا، وإلهًا!.

     فأين ومتى تلتغي الأحكام؟؟.

     لا دينونة إلاّ منك ربّي وأنتَ معلّقٌ على صليب مجدك!! ”اغفر لهم يا أبتاه!!“...

     في وجع الحبّ!! نحن منكَ فيكَ، إليك!!.

     اليوم! اليوم يصير الكلّ وجهك فيعرفوك!.

     أنّكَ! أنتَ الحياة الأبدية!!.

     ونحن كلّنا منكَ ولكَ! إليك!.

     فسامحنا يا ربّنا، يا سيّدنا، ويا مسيحنا!!. يا حبيبُ في برِّكَ!.

                       آمين.

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

10 أذار 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share