<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّادس بعد الفصح
أحد الآباء القدّيسين
المجتمعين في نيقيّة


     ”أيّها الآب القدّوس إحفظهم باسمك الّذين أعطيتهم لي ليكونوا واحدًا كما نحن... حين كنتُ في العالم كنتُ أحفظهم باسمك“...

     هكذا أودع الرّبّ يسوع أبناءه الّذين عرفوه وأحبّوه، الإله الآب، ليحفظهم من الشرّير، بعد صعوده!.

     وأقرّ الإبن بحبّ الآب له وحبّه للآب الّذي به يعرف الأبناء أنّ الإله الحقيقي هو الآب والّذي أرسله يسوع المسيح.

     ”وهذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي والّذي أرسلته يسوع المسيح“.

     إعلان وحدانيّة الآب والإبن في هذا النّص الإنجيلي على لسان يسوع بريشة يوحنّا الحبيب، تدّلنا إلى سرّ الإتحاد الإلهي العظيم الّذي به يصير الإنسان إبنًا ليسوع المسيح ويتّحد به بالكليّة في حياة الصّلاة، الّتي بها يعرف الإنسانُ الإبنَ، سرّ الإله الآب، الإبن يسوع المسيح، إذ يتّحد المائت بالإله الّذي مات للإنسان، عنه، وقام في اليوم الثالث. وبعد صعوده يُرسل لأحبّائه الرّوح المعزّي.

     أما بعد ورود الرّوح القدس، يلبسه حُلة النّور ومعموديّة الحبّ بالطاعة ”للكلمة“، الإله وللوصيّة في حياة لا تموت، بل تلتهب نارًا ونورًا – ألسنة النّار الإلهيّة الصادرة من القلب المحبّ والمتواضع.

     لكنّ الموت صار عديل الحياة!!.

     وافتقدَ الرّبُّ الإنسانَ، بالإبن الإله، حتّى لا تبقى حياته مائتة في الموت الّذي لا حياة فيه ولا قيامة منه.

     مئات آلاف السّنوات، عاشها الإنسان منذ طرده أو منذ أن طَرَد نفسَه من الفردوس قبل تجسّد ابن الله، الرّب يسوع المسيح.

     عاش جانحًا عن حياة البِرِّ، إذ أوّل ما وعى ذاته، تبنّى الحسد الّذي بثّته فيه الحيّة الشيطان، مستشيطًا غضبًا على أخيه لقتله، لأنّ أخاه قدّم للإله فريضة حسنة من أبكار غنمه ومن سمانها، عربون حبٍّ للإله الّذي لم يعرفه أخوه في قلبه، بل قسا عليه بجعل ذاته إلهًا ديّانًا يطلب الأوزان والأحكام والأعراف. يجازي، ويحقد ضاربًا، يقتصّ من أعدائه ولا يعرف الرّحمة بل همّه أن يشفي غليله بالإنتقام.

     وأَنزلَ الإلهُ الآب ناموسًا جديدًا ليحيي المائت جاذبًا إيّاه من البلى، مُختارًا ”للنبيّ الجديد“ الّذي سيعطيه للعالم، هدية حبٍّ وذبيحة خلاص؛ نفسه، ليجبل المائت بعدم الموت، والأناني بالبذل والجاحد بالمعروف والقاسي بالحنان وبحسٍّ يقيني أنّ إلهًا ”جديدًا“ وعظيمًا أتى الأرض، ليقلب نواميس الطبيعة السّاقطة، فيجعلها إلهيّة الطّابع منصبّة بكليّتها على حبّ الإله والآخر مغمّسةً بالمعرفة البكر، أنّ الحقيقة الحق والكلمة المولود من الإله الآب الّذي لم يعرفه، هو هذا الإنسان واسمه ”يسوع المسيح، الإنسان الإله“، الّذي سيحكم الأرض بالحبّ والعدل ويجازي الكلّ على نوايا قلوبهم ونيّاتهم وتوبتهم.

     هكذا انقلبت الأحكام والنّواميس والموازين، ليصيرَ الضعيف قويًا بضعفه. وكان الرّب يسوع المسيح، الإبن، كلمة الآب المثال... أتى العالم ليعطيهم ناموسًا واحدًا، تتفرّع منه كلّ نواميس أهل الأرض، إن آمنوا به ربًّا مخلّصًا وإلهًا لا يعرف إلاّ ”الحبّ“ وعدًا وحياة وميثاقاً وناموسًا للخلاص وللحياة الأبديّة.

     كتب ”يوحنّا الحبيب“ التلميذ الّذي وضع رأسه على صدر المعلّم لأنّه عرفه بالحبّ: ”كلّ من يحبّ فقد وُلِد من الله ويعرف الله. ومن لا يحبّ لم يعرف الله، لأنّ الله محبّة“ (1 يو 7:4-8). بهذا نعرف أنّ الحياة الأبدية هي محبّة الله.

     ”والحياة هي الحبّ“... لكنّ الحبّ صار ثمنه بعد السّقوط متجسّدًا بالألم.

     الرّب الإله المصلوب تجسّد وصُلِب من قِبَل أبناءِ جلدته وتألّم على الصّليب كمائت، كإنسان مقاصَصٍ بسبب خطيئته ولم ينْبُث ببنت شفة، إلا بقولِهِ: ” إغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون“. وما أدانهم وما لعنهم وهو على الصّليب، بل أحبّهم وأدّبهم في حياته وهو معهم، لكنّهم لم يسمعوا ولم يفهموا أو يطيعوا بل صلبوه جزاءً له، لأنّه قال لهم الحقيقة.

     أَجزاء الحبِّ الصّلب، خوفًا؟!.

     أجزاء البشارة، رفض وجود الآخر في حياتنا، لنتخلّص منه؟!.

     أَثَمَنُ الإحتضان، إعراضٌ وتبديل حقيقة الوجود لنربح نحن، لا الحقيقة الإلهيّة؟!.

     هذا ما عاشه الإنسان مئات السّنوات قبل التجسّد الإلهي، وهذا ما زالت تعيشه البشريّة حتّى بعد ألفي سنة من ورود ابن الله بالجسد.

     لكنّ الرّب الإله، يسوع المسيح، بعد قيامته صيّر كلّ شيءٍ جديدًا!!.

     قَدَّمَ ذاته خُبْزًا نأكله فلا نجوع إلى الأبد، ودمه شرابًا حتّى لا نعطش، فنطلب ما ليس منه، من تجسّده وبشارته وصلبه وقيامته!.

     وقبل صعوده ثبّت تلاميذه وكلّ أحبّته بحبّه، ليعرف كلّ من يطيعه بالحبّ وعيش الوصيّة، أنّه ليس متروكًا وحده في غربة وصقيع هذا العالم، بل هو لله والله فيه يومًا بعد يوم وحتّى لقياه.

     هكذا ابتنى الإله المتجسد يسوع النّاصريّ للعالم فكرًا جديدًا وحسّ فرح قيامي، حتّى لا تخورَ نفسُ المتألمين والمصلوبين على خواء وفراغ هذا العالم، بل ليجدوا إذا عاشوا الإله بحب الرّوح القدس، المعطى لهم مجّانًا من لدن الآب والإبن، روحًا وحياة أبديّة.

     فتبقى ”جماعة“ الإبن بالرّوح المعزّي، حيّة من حياته ومن كلمته، تحيا آلامه لتُخْبِر، لأنّه اختيرت لتقول حياتها قولةَ حقٍ: الرّب معنا فمن علينا؟!.

فله نسجد قائمين في حبّه إلى الأبد. آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

27 أيار 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share