<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الرّابع من الصّوم.
فسقُ الخطيئةِ وصليبُ القيامة.

   ثلاثةٌ تأتينا بعد رفعِ الصّليبِ والسّجودِ له...

   أين يلقى الإنسانُ الخطيئةَ؟!. في التّرابِ الّذي يسجدُ عليه تحت عودِ الصّليبِ؟. أم في الأزاهيرِ الّتي أحاطَتِ الخشبةَ الّتي سيُعلّقُ عليها ربُّ المجدِ أمامه؟. أم في الهربِ من وجهِ القوسِ المعلّقِ على رقبةِ كلِّ إنسانٍ عرفَ الخطيئةَ في عمقِ أعماقِ كيانِهِ؟!. أم في كلِّ الّذين أحاطوا بيسوعَ ليشفوا؟!. لا بل ليحكموا عليه فيحاكِموا ربَّ المجدِ هذا الّذي لم يَخَفْهُ إلاّ الّذين عاينوا نورَ وجهِ الله مختومًا "بالألمِ" على وجهِ السّيّدِ المكلَّلِ بالمجدِ الإلهيِّ على الصّليب...

   لماذا بعد عيدِ رفعِ الصّليبِ، المحاطِ بالأزاهيرِ النّاقلةِ لنا طيبَ أريجِ الحياةِ، تضعُ أمامَنا الكنيسةُ هذا الإنجيلَ المخوفَ؟!.

   من الآبُ ومن الابنُ في قلبِ يسوع؟! في هذا الإنجيل؟!.

   أترى وصلَ تعنُّتُ الإنسانِ وغيُّهُ إلى حدٍّ صارَ على الإلهِ أن يخيفَهُ ليلجمَهُ عن فعلِ الخطيئةِ وارتكابِ الفحشاءِ، كأنّهُ لا يعرفُ الإلهَ؟!!...

   لماذا وصلَ الإنسانُ إلى حدٍّ أقفلَ فيه عينَي قلبِهِ عن رؤيةِ وجهِ ربِّهِ في روحِ كيانِهِ، فصارَ يولِدُ الشّياطينَ من حشاهُ ورحمِ زوجِهِ؟...

   كيف عرفَ ذاك الإنسانُ الّذي دنا إلى يسوعَ متجرّئًا وسجدَ له قائلاً: "يا معلّمُ... أتيتُكَ بابني وبه روحٌ أبكمُ... وحيثما أخذَهُ يصرعُهُ"؟... كيف عرَّفتِ الأيّامُ ذاكَ الإنسانَ، الإلهَ؟!... أعلى الإنسانِ أن يصيرَ مسكنًا للشّياطينِ حتّى يعرفَ أنّ هناك إلهًا يمكنُهُ أن يقفَ بوجهِ الموتِ والشّياطينِ والحسد والكذبِ والعذابِ؟!.

   ألأنَّ الشّياطينَ تسكنُ الإنسانَ، صارَ يخافُ من الموتِ لأنّه ليس بإمكانِهِ الهربُ منه؟!.

   لماذا سقطَ الإنسانُ في بؤرةِ الموتِ حتّى يلتزمَ الانكسارَ طالبًا الشّفاء من "المعلّمِ"... لماذا؟! لماذا؟! لماذا؟!...

   هذا الأبُ أتى بالابنِ، ابنِهِ الحاملِ البُكْمَ... بل روحَ البُكْمِ... الأخرسِ...

   و"البكْمُ" قمّةُ صَرَعِ الإنسانِ... لأنّه عكسُ النُّطقِ... و"الكلمةِ"... في البُكْمِ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يصرخَ... "يا ربّي ارحمني أنا الخاطئ"... في البُكْمِ لا يقدرُ، بل لا يسمحُ الشّيطانُ للإنسانِ أن يناديَ اسمَ الله!!...

   في البُكمِ يقتلُ الشّيطانُ الإلهَ... فيصرعُ الإنسانَ حتّى لا يصرخَ لا هو ولا أباه: "يا إلهَنا ارحمْنا"... في البُكْمِ تموتُ حقيقةُ الحسِّ الإلهيِّ، يموتُ الإنسانُ بالصّليب، ليُميتَ الشّيطانَ بالبرءِ... برءِ الإنسانِ مخلوقِ الله، فيعودَ ويولدَ حملاً حوليًّا...

   لماذا هذا العذابُ؟!. ليقهرَ الشّيطانُ حبَّ الإنسانِ وإيمانَهُ بإلهِهِ، فيبعدَهُ عنه، ساعيًا إلى تحطيمِ الإيمانِ بالشّكِّ!! وإصماتِ الأبِ بعذابِ الابنِ خانقًا الرّوحَ القدس في قلبِهِ وصرخةَ روحِهِ للإلهِ لتسليمِ حياتِه له...

   وصارَ الإيمانُ ركيزةَ الحبِّ... بالإيمانِ يستطيعُ التّلامذةُ – إذا أحبّوا الرّبَّ قبل وفوق أنفسِهم - أن يصيروا دعاةً وتلاميذَ ليسوعَ، تاليًا للإيمانِ، وللشّفاءِ والبشارةِ والحياةِ الأبديّةِ!!...

   "وقد سألتُ تلاميذَكَ أن يخرجوه فلم يقدروا!!!"...

   وصرخَ الإلهُ بالتّلاميذِ: "يا أيّها الجيلُ غيرُ المؤمن، إلى متى أكونُ عندكم، حتّى متى أحتملُكم؟!"... "هلمّ به إليّ... فأتوه به، فلمّا رآهُ للوقتِ صرعَهُ الرّوحُ فسقطَ على الأرضِ يتمرّغُ ويزبدُ"...

   هذه هي الأرضُ المملوءةُ زرعًا ونباتًا ومأكلاً للقطعان والإنسانِ... في تلك اللّحظةِ، أرادَ يسوعُ أن يُظهرَ طولَ أناتِهِ واقتدارَه على الشّفاءِ بدءًا... وعلى تحمّلِ الأبِ والابنِ بشاعةَ وحقارةَ نوايا عدوِّ الإلهِ في تمزيقِ خليقتِهِ حتّى يموتَ إيمانُ الإنسانِ به وبالحياةِ... إن بالشّفاءِ، أو بالعيشِ الحرِّ النّقيِّ كالصّبحِ الّذي به يشهدُ الإنسانُ بحقِّ الكلمةِ، للحياةِ الملءِ... ألم يكن يعرفُ يسوعُ منذ متى تسلّلَ الشّرّيرُ ساكنًا في كيانِ الابنِ؟!... بل هو أرادَ أن يكشفَ لتلامذتِهِ بدءًا، ولكلِّ الشّعبِ المحيطِ به، أنْ لا شفاءَ ولا اقتدارَ للشّيطانِ على الإنسانِ إن آمنوا بالرّبِّ يسوعَ المسيح...

   "إنِ استطعْتَ شيئًا فتحنّنْ علينا وأغثْنا. فقالَ له يسوعُ: إن استطعْتَ أن تؤمنَ فكلُّ شيءٍ مستطاعٌ للمؤمنِ". فصاح أبو الصّبيِّ من ساعتِهِ بدموعٍ وقال: "إنّي أؤمنُ يا سيّدُ، فأغثْ عدمَ إيماني"...

   هكذا تثبَّتتْ علاقةُ التّبنّي والقُربى بل الصّداقةِ بين الإلهِ والإنسانِ الموجوعِ بالموتِ والعذابِ من عدوِّ الإلهِ وابنِهِ الإنسانِ مخلوقِهِ صنوِهِ ووجهِهِ في الكونِ...

   الأبُ هو ابنُهُ!!... والابنُ هو الأبُ!!... أتى بذاتِه لأنّه لم يقدرْ أن ينتظرَ بعدُ الشّفاءَ... متى دخلَ الشّيطانُ ليعذِّبَ ويخبطَ الابنَ ويصرعَهُ، أليس كلُّ الألمِ والسّكنى هي في الأبِ تاليًا؟!. أليس هذا هو وجعَ يسوعَ معنا وفينا؟!. إذْ نصلبُهُ كلَّ يومٍ ونبكيه، وحين يشفينا نتركُهُ وحدَهُ معلّقًا على صليبِنا نحن الّذين صلبناه عليه؟؟.

   "أنا لا أعرفُ الرّجلَ"... وصرخَ بطرسُ جحودَهُ، لأنّه لم يُحبِبْ بدءًا يسوعَ إلاّ لنفسِهِ!!. لأنّه قرّبَهُ منه، وزكّى يسوعُ بطرسَ حتّى يكتملَ حبُّ بطرسَ له، فلا يشكَّ به، ولا يقعَ في المياهِ أو يجحدَهُ أمام التّلاميذِ وتبّاعِهِ!!. في الشّكِّ واللاّحبِّ... وفي التّسآلِ مدرجًا حياتَهُ إلى المعرفةِ البكرِ!!...

   لذلك كان يسوعُ يسألُ دائمًا المريضَ: "أتريدُ أن تشفى"... لأنّه وبعد الشّفاء، على الإنسانِ، بل لا بدَّ له أن ينجرفَ إلى حركةِ الألوهةِ بالحبِّ للتلمذةِ...

   "ولكن إن استطعْتَ شيئًا فتحنّنْ علينا وأغثْنا"...

   "إنِ استطعْتَ أن تؤمنَ فكلُّ شيءٍ مستطاعٌ للمؤمن"...

   وتنازلَ يسوعُ بألوهتِهِ إلى إنسانيّةِ وجعِ الأبِ بالابنِ في حشا قلبِهِ...

   "إنِ استطعْتَ" قالَ الابنُ الإنسانُ للإلهِ ابنِ الإنسانِ في تجسّدِهِ...

   "إنِ استطعْتَ" أن تؤمنَ فكلُّ شيءٍ مستطاعٌ للمؤمنِ... وصرختِ البشريّةُ متبنّيةً وجعَها في كيانِها... إذ صارَتْ هي الأبَ الممروضَ بالابنِ المصروعِ الآتيةَ بكليّتِها إلى ابنِ الانسانِ الحقِّ، الإلهِ، الكلمةِ، الآبِ والرّوحِ القدس ليشفيَها...

   اللاّحبُّ أوصلَ الإنسانيّةَ إلى اللّامعرفةِ!!. وإذ اختلطَتِ الرّؤيا على الإنسانِ بعد فقدِهِ عينَهِ الدّاخليّةَ واقتدارَها على معرفةِ يسوعَ من هو، سأله: "إنْ استطعْتَ"؟!. لأنّ الإنسانَ فقدَ معرفةَ حسِّ الألوهةِ في ذاتِهِ... في كيانِهِ... في قلبِهِ... فغامتِ الرّؤيا في قلبِ الإنسانيّة...

تبنّى الإنسانُ ذاتَهُ... صارَ الأبُ الابنَ في السّقوطِ، في سكنى الشّياطينِ فيه، ليأتيَ بابنِهِ فيذبحَ الإلهُ المتجسّدُ بكرُ الخليقةِ الابنَ والأبَ ليأخذَ منهما وعنهما الذّبحَ الكبيرَ... ذبحَ الخطيئةِ، ذبحَ الشّيطانِ الّذي يجرُّ الإنسانَ باللّذةِ إلى الموت والّذي بتبنّيه روحَ الضّلالةِ... يعلّقُه كلَّ حياتِهِ على فسقِ الخطيئةِ حتّى موتِهِ... ينسيه الإلهَ... وحنانَ الرّؤيا والسّماع...

   اليومُ هو يومُ تبنّي البشريّةِ بمطلقِ وجودِها للمسيحِ يسوعَ... إذ نزلَ هو إلى الإجابةِ عن التّسآلِ: "إنْ استطعْتَ" ليرفعَ يسوعُ الأبَ والابنَ... أي مخلوقيّةَ الكونِ قائلاً له... "إنْ استطعْتَ أنت" فكلُّ شيءٍ مستطاعٌ للمؤمنِ...

   في إفراغ يسوعَ نفسَهُ من هيئةِ ألوهتِهِ بالنّزولِ لتبنّي الإنسانِ، شُفيَ الابنُ، بذبحِ كبرياءِ الأبِ وتنازلِ الألوهةِ إلى مستوى الإنسانِ لترفعَهُ فيصيرَ مشفيًا بالإلهِ الشّافي!!.

   اليومَ بالصّليبِ يبقى الإنسانُ محمولاً بآلامِهِ إلى حسِّ مصلوبيّةِ الإلهِ للإنسانِ، ليرى فيه تناضحَه معه، فيرفعَهُ إلى صليبِ ألوهتِهِ من جحيميّةِ الشّيطانِ.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

22 أذار 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share