من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السّادس بعد العنصرة.
أحد آباء المجمع الرّابع.

أنتم نور العالم؟!

     موعظة الجبل أو العظة على الجبل هي العظة الّتي كَتَبَتْ فيها أقلام آباء الكنيسة والمعلّمين أحرفًا تخطّت كلّ ما كتب حول إنجيل الخلاص المسيحانيّ.

     في أحد الآباء المجتمعين في المجامع السّتّة الأولى، نقرأ المقطع الثّاني من الموعظة على الجبل الّذي يبدأ بـ:"أنتم ملح الأرض. ولكن إن فسد الملح فبماذا يملّح. لا يصلح بعد لشيء إلاّ لأن يُطرح خارجًا ويُداس من النّاس". ثمّ يتابع الرّبّ توًّا ويقول، في جلسته، لهم:"أنتم نور العالم"...

     في تتابع الآيات يظهر يسوع معلّمًا بشكل قاطع، قويًّا وصارمًا لا لتلاميذه المتحلّقين حوله فقط، بل لكلّ الجموع الّتي تبعته آتية من كلّ مكان. جموع لحقته لترى من هو وماذا سيقول وكيف سيعلّم، راصدة كلّ كلمة لتدينهُ إن تعرّض لسلطة الحكم الرّومانيّ الحاكم، أو الفرّيسيّين، أو لحفظة الهيكل، أو للنّاموس، أو للبدع والشّيع الّتي كانت تحيط وما زالت تنخر التّعليم الصّحيح الحقّ أو الوجود الإلهيّ الّذي وافى البشريّة ليخلّصها، لكنّها لم تعرفه، أو ترصد الإله المتجسّد الّذي كان هو الهيكل والكنيسة النّابعة من جنبه إذ طُعن على صليب "الهوان" الّذي اعتنقه وعُلّق عليه طوعًا. هكذا "بُذِلَ" الإله الرّب يسوع أمام البشريّة بأَكملها، لتعرف أنّه هو وحده الإله المتجسّد والقائم من الموت والهزء، إلى النّور الّذي لا يغرب ولا يُدنى منه!!. في مناخ الشّكّ هذا عاش الإله.

     دعونا نركّز بكلّيّتنا على "طوبى للمساكن بالرّوح، لأنّ لهم ملكوت السّماوات"... لننتقل إلى: "أنتم ملح الأرض ولكن إن فسد الملح فبماذا يملّح. لا يصلح بعد لشيء إلاّ لأن يطرح خارجًا ويُداس من النّاس"...

     والنّاس، اليوم، لا يأكلون الملح لأنّهم امتلأوا أمراضًا قلبيّة وانفلشت الأورام في شرايين أجسادهم، من نمط الحياة السّريعة والشّرب والفذلكة العصريّة!!!... لا يعملون بأجسادهم، بل ابتعدوا عن العمل اليدويّ ليقبعوا وراء مكاتبهم يفجّرون قدرات عقولهم الّتي تنحو إلى السّيطرة على أجسادهم الّتي هي "هياكل الرّوح القدس" كما سمّاها الرّبّ، فانعتقوا من رباطات الحياة البسيطة النّقيّة، إلى عيش الحياة المفروضة عليهم المملوءة بالأكل المسمّم بالحافظات والسّهرات والتّدخين والشّرب والكحول والتّهتّك والفذلكة الفكريّة الّتي تقضّ عيش البساطة الّذي هو "ملح" الحياة الّتي يوصينا الرّبّ بالعيش فيها.

     نعم لقد تطوّرت العصور والاختراعات العلميّة والطّبّيّة وتوسّعت معارف ومدارك البشريّة ولكن!!!.. مع كلّ هذا التطوّر نجد أنّ الإنسان فقد بساطته وجدّيّته وهدوء قلبه في طلب الإله، في طلب المخبوء فيه وله من الرّبّ يسوع، ليستعيض عن الإله بالإنسان الّذي يُنبت في عطائه الكثير من الشّوك والزّؤان مع القمح الّذي زرعه الخالق... فكيف ننقّي البيدر؟! أننتظر يوم الحصاد الأخير الّذي وعد به السّيّد في الدّينونة؟!... أم ننظر بهدأة ورعدة إلى كلمات الخلاص في الإنجيل وفي الوصايا الإلهيّة، لنهاب الآتي ونعمل كعَمَلَة جديّين في قلع أشواك سقوطنا حتّى لا ننفكّ نضرب تائهين في صحاري أنفسنا وقدراتنا، فلا نجد ولا حتّى نقطة ماء إذ ينتظر الرّبّ التّنقيّة اليوميّة لأنفسنا، للسّير في نوره وهديِ معرفته، ونحن لم نزل نتبع النّور وقبس نجمة الصّبح لنقبع في عتمات دواخل قبور قلوبنا؟!...

هذا ما يقوله الرّبّ لنا في جلستنا حوله حين يصعد إلى الجبل كلّ ساعة ليعلّم!!. وهذه صورة تُقَرِّبنا من طلب يسوع منّا، أن ننظر إلى الأعالي حيث السّموات وفي قلوبنا، حتّى نلقى حبّه فنصير منه وإليه ترنيمة ظفر على الفساد الّذي ما زالت البشريّة ترتع فيه منذ ساعة سقوطها عن حبّه وطاعته!!...

     مخيف هو حكم الرّبّ في تعليمه!!... "فمن له أذنان للسّمع فليسمع"!! لكنْ بكرُ الخليقة أتانا كلمة، نورًا، حبًّا، بساطة عيش، هدوء قلب، سلام نفسٍ، اتضاعًا، بذلاً ليُطعم العالم حياته، فينا؟!.

فأين نحن الآن من هذا ومن سيرة الآباء القدّيسين الّذين نعيّد لهم اليوم؟؟؟.

هل التّجسّد الإلهيّ والوصيّة الإنجيليّة لهما عمرٌ يبدآن به وآخرة زمان ينتهيان فيها؟؟؟.

إنمّا هو الإله الرّب يسوع، هو "الكلمة" الّتي لا بدء ولا انتهاء له!!! إنّه النّور الموضوع على جبل، "ليضئ نوركم هكذا قدّام النّاس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الّذي في السّموات"!!.

فتعالوا يا مباركي أبي إلى الحقّ الإنجيليّ لنستعيد روح الشّهادة البكر، لنكون حملة مشاعل الكلمة الحياة باتّضاع وهدأة قلب وسلام، فنصيرَ نورًا من الإله يضيء عتمات نفوس الّذين لم يأتوه بعد للخلاص.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

16 تموز 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share