من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
دخول السّيّد إلى الهيكل

     وحُملَ الطفلُ ذو الثّمانيّة الأيّام على ساعدي أمّه داخلةً به مع يوسف خطيبها إلى الهيكل، لتسلمه ليدي سمعان الشيخ المنتظره منذ وَعْد طفوليّته، أنّه لن يرى الموت قبل حمله مسيح الرّب على ذراعيه!! ليعاين فيه خلاص إسرائيل!!...

      وكان سمعان الشيخ السّلّم الّذي عاش الشريعة لينطقها عند استلامه ربّه قائلاً: الآن تطلق عبدك أيّها السّيّد على حسب قولك بسلام، فإنّ عينيّ قد ابصرتا خلاصك [...] نورًا لاستعلان الأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل!!. هكذا أزال حضور الطفل يسوع الشريعة بالختانة الرّوحيّة وتحكّمها في الهيكل مزيلاً تاليًا أحكام الشريعة الّتي كبّلت الرّوح!!.

      هكذا تمَّ وعد التطهير!!. اقتطعت غرلة الطفل الإلهيّ كما لكلّ أطفال إسرائيل المنذورين لله!!. فصار كلّ الشعب بالرّوح القدس الّذي سينسكب على كلّ الكون بالمعموديّة الّتي رفع يوحنّا يده لتتنزّل من يده بالرّوح القدس وهو العبد، على هامة ملك المجد!!.

      كان على الوعد أن يُختم في اللّحم، في جريان الدّم المهراق منذ بدء الخليقة، ليصبح كلّ ذكر فاتح رحم، مستودعًا لله!!.

      الشريعة هي الأحكام والاستيداع يصيّر الإنسان بالرّوح والآلام إلهًا!!.

      وإذ ختنوا الصّبيّ، أُقفلت أبواب رحم مريم!! لأنّ يسوع وحده، هو الإله، ابن الآب والمساوي له في الجوهر، فتح رحمها بالرّوح القدس وكلمة الآب المتنزّلة عليها بصوت وإطلاقِ جبرائيل ملاك الرّب، ويوحنّا المرسل إلى العالم بدءًا، ليقول للعالم، توبوا واختتنوا!! واختُتِن الصّبيّ عن كلّ صِبية اليهوديّة والعالم!!.

      اختُتِنَ الصّبيّ ذو الثّمانيّة الأيام، خاتنًا نفسه عن حبّ العالم وكلّ ما في العالم من غوايات زرعها الشيطان فيه منذ بدء بدء الكون!!.

      لكنّ الرّب يسوع اختار له مطرحًا في العالم، لا مكانًا حجريًا يُلقي عليه رأسه بل القلب البشريّ الّذي صرخ لخاصته ولأبنائه بأن يُعطوه إيّاه ليصير، وهو المسيح، قلب الإنسان عرشًا للإله... يا بنيّ أعطني قلبك... في جلسته تلك على عرش قلب الإنسان، صارت خاصّة المسيح يسوع هي عرش ملكه الأبديّ، روح حياته الباثّها في كلمات كتابه المقدّس، ليعلّم، ويشفي ويُطعم ويؤدّب فيصبح هو وخاصّته غرباء في الكون الّذي خلقه، ليصرخ كلّ صوت عائش الحبّ الإلهيّ، إذ ختن الطفل الإلهيّ على الصّليب ربًّا إلهًا وسيّدًا ذا الثّلاثة والثّلاثين سنة، الختانة الأخيرة، قبل قيامته من بين الأموات وصعوده إلى السّموات، قائلاً: أعطني هذا الغريب!!.

      بالختانة الأولى مستتبعة بالختانة الأخيرة الّتي هي الموت على الصّليب، تحوّلت الأرض سماءً والعالم كلّه صار الفردوس الإلهيّ الجديد، الّذي لا يستطيع الإنسانُ إلاّ أن يحيا فيه ليلقى به ركيزة الحبّ الإلهيّ له ولكلّ النّاطقين اسمه، مدخلاً إلى الفردوس الّذي تركه آدم وحوّاء، لأنّهما بغبائهما اختارا صوت الحيّة بدل الصّوت والدّعوة الإلهيّة للحبّ والتألّه!!.

      هكذا بالمسيح يسوع المختتن عن العالم كلّه، ليصير بكر الخليقة في الحياة المكرّسة بالكليّة إلى الله، يدخل كلّ إنسان مختَتَنٍ عن نفسه وحبّه للعالم الدّهريّ الفاني، هذا الهيكل، ليصير بكرًا لله الآب بالرّب يسوع، المختتن له وبه عن كلّ تعلّقٍ أرضيّ لملاذِّ هذا العمر والمصلوب به تاليًا عن خطاياه فتوبته إلى ربّه!!.

      أين تسكن يا ربّ؟!... تعال وانظر!!...

      قبل أن يدخل الإنسان بالرّب يسوع إلى الهيكل، عليه أن يخرج من العالم الّذي أميره الشيطان، ليتمكّن من لبس فقر وفرح إنجيل المسيح بكلمته الإلهيّة، الّتي وحدها معطاة أن تختن القلب والجسد والحسّ معًا!! هكذا تصير الرّوح مركبة القلب وحدها للصّعود إلى قلب الله في أعالي سموات السّموات، في الفردوس الّذي لا يدخله إلاّ المختونون والمطهّرون بالآلام!! وتاليًا بالتوبة للموت عن الأنا والقيامة في الأنتَ، في الإله الواحد المثلّث الأقانيم!!...

      اليوم يصير دخول السّيّد الطفل إلى الهيكل علامة للكون، أنّ التكريس لا يصير إلاّ بالموت!! والموت هو جرف لحبّ العالم من خلوصيّة كيانية الإنسان!!...

      دخول الهيكل كان علامة الجهوزيّة المطلقة للتكريس لله!!... الشعب العبري دخل الهيكل بدءًا، لكنّه لم يُكرَّس لله، لأنّه دخل الهيكل لا ليُختتن، ولكن ليجلس مُسيِّدًا نفسه على عرش الثّالوث الّذي لم يعرف كُنْه مولد كلمته في أنّه هو هو الطريق والحقّ الحياة في السّموات والكون المنتظره، ليفصل ما بين الغثّ والثّمين في كلّ نفسٍ بشريّة تدخل لتُكرَّس للهيكل، فيتمّ تكريسها لنفسها، لأنّها ارتضت لا أن تموت بموت جسدها، بل لتحيا بأناها المكرّس لطمعها!!.

     ها إنّ هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل، ولعلامة تُقاوم. وأنتِ أيضًا يجوز في نفسك سيف، لتعلن أفكارٌ من قلوبٍ كثيرة!!.

      خَتَم سمعان الشيخ غرلة الطفل يسوع مقدِّمه إلى الهيكل، فتكرّست تاليًا كلّ أرض اليهوديّة والسّامرة وأورشليم وصور وصيدا للإله!!...

      لم يعد بعد التكريس مطرحٌ لإنسان غريب عن القوم، نجسٍ بعد، أن يقيم مع الّذين تطهّروا!! سكب الرّب على شعبه خاصيّة التطهير ليصير هو بدخوله هيكل جسدِ يسوع وشرب مياه بطنه، جنبه والقلب، حياة طهارة طُهرٍ لا تُقاوم!!...

      بعد التكريس وخدمة الدّخول إلى الهيكل، لم يعد من مطرح لإنسان نجسٍ فيه لأن يدخل الهيكل غير مكرّس للإله!!...

      صار التكريس بقطع غرلة الجسد!. بقطع الأنا!. للدّخول في الجسد الجديد، في الحياة الجديدة، بالتوبة، إلى هيكل الرّب للعيش مع السّيّد والانتظار فيه. ليصير الإنسان هو الهيكل، أي جسد الرّب الّذي هو المكان المقدّس الّذي يدخل إليه الإنسان ليخرج منه ويعود ليدخل فيه مرّة وأخرى حتّى تعود الحياة فيه، ليأكل منه خبز فريضته اليوميّة ويخرج بما فضل على مائدة الرّب ليطعمه لفقراء شعبه!!.

      مَن الفقير، مَن الغني، مَن مباحث هذا الدّهر؟!...

     واحدة تُعوزك بعد أن تذهب وتبيع كلّ ما عندك، لتعود إليّ فاهِمَني بالرّوح ودافنًا أناك فيَّ لأعود أنا إليك وتلتقيني فيّ، لأنّك مني منذ البدء!!.

      اليوم تعود البشريّة لتدخل هيكل التكريس علامة العرس الأرضيّ السّماويّ بين الإله والإنسان!!...

     سمعان الشيخ نبيّ ورجل العهد القديم... وحنّة النّبيّة ابنة فانوئيل، المكرّسة في الهيكل لانتظار مسيح الرّب أيضًا بأصوام وطلبات ليلاً ونهارًا، صارا بدخول يسوع اليوم إلى هيكل قدس الله، مكرَّسَين، علامةً للحياة النبويّة للعهد القديم، لتمتدّ إلى عرس التكريس الحقيقيّ الجديد الوحيد، الّذي هو الموت على صليب يسوع المسيح لخلاص الكون!!.

      التكريس اليوم تمَّ بالدّخول إلى الهيكل وهو إشارة، بل قولة السّيّد الّتي خصّ بها شعبه، بل الكون كلّه، الّذي اخترق حدود ومحدوديّة الشعب المختار، ليصبح هو نذيرًا ومختارًا من الله للحياة الجديدة!! حياة الدّخول للموت من أحضان الإله الطفل يسوع!!!.

      التكريس اليوم والدّخول إلى الهيكل النّاموسيّ صارا علامة جمعت وفرقت النّاس عن بعضهم البعض، ليصير الذين اقتبلوا التكريس بالصّليب للموت للإله في أجسادهم المائتة، ليحيوا به بعد موتهم، حياة نقاوة في الحبّ والحنان والعطاء للقريب والفقير والرّحمة عن خطاياهم وجهالات الشعب!!.

      التكريس الجديد هو الموت عن الإنسان العتيق الّذي ورثه الإنسان من آدم، ليصير بالمسيح المختون عن الأنا، إنسانًا جديدًا مكرّسًا للأنا الإلهيّة المصلوبة على الحبّ الثّالوثيّ والمطعِمة الكون دمًا وماءً وجسدًا جديدًا للإنسان حتّى يتألّه.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

2 شباط 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share