فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّاني عشر بعد العنصرة.
أيبيعُ الإنسانُ نفسَهُ ويبقى حيًّا؟!...

   أيبيعُ الإنسانُ نفسَهُ ويبقى حيًّا؟!...

   وسألَ الشّابُ الفتى الرّبَّ: "ماذا أعملُ من الصّلاحِ لتكونَ لي الحياةُ الأبديّةُ"...

   هذا الشّابُ الّذي نعرفُ، إذا قرأنا الإنجيلَ بالرّوحِ والحقِّ، أنّه كان غنيًّا وغنيًّا جدًا... خَبِرَ هذا الشّابُ الّذي لا اسمَ له إلاّ "الشّابُ الغنيُّ"... مجدَ المالِ وكيف يستطيعُ أن يشتريَ ما يريدُهُ من أيّامِهِ وشهواتِهِ والنّاسِ في هذا العالم... هذا ما كان عليه... هذا ما فعلَ!!...

   أغنى نفسَهُ بمتطلّباتِ كيانِهِ، أهوائِهِ، لذائذِ جسدِهِ ونفسِهِ... ولم يشبعْ!!. كان الفراغُ والهولُ يغطيّانِ جسدَهُ وكيانَهُ بالكليّةِ، لذلك قامَ من جورةِ حبِّهِ ولعبِهِ وصرفِهِ للمالِ ووقعَ أمامَ الرّبِّ، وقعَ في يسوعَ!!...

   انتقلَ من هوّةِ الفراغِ والموتِ إلى طلبِ مجدِ صليبِ الحبِّ!!...

   كيف تجرّأَ "الشّابُ الغنيُّ" أن يدنوَ من المعلّمِ الصّالحِ؟!...

   سمّاه معلِّمًا صالحًا، يعني أنّه أرادَ في تلكَ اللّحظةِ أن يقربَ من المعلّمِ ليصيرَ صالحًا من صلاحِهِ... وهذا ما كان يفتقدُهُ!!...

   أتاهُ... دنا منهُ... جاورَهُ... طلبَ منه أن يصيرَ جزءًا لا يتجزّأُ منه... أن يصيرَ صالحًا من صلاحِ المعلّمِ!!. أن يصيرَ صنوَ المعلّمِ!!.

   أبمالِهِ تجرّأَ أن يدنوَ من الّذي لا يُدنى إليهِ... الرّبِّ الإلهِ؟!.

   هو عرفَ بحسِّ قلبِهِ أنّ هذا الإنسانَ المعلّمَ يفوقُ كلَّ معلّمي النّاموسِ والكهنةِ والكُتّابِ... عرفَ، بتوقِ شبابِهِ إلى المعرفةِ وحبِّ الحياةِ، أن يمتدَّ بزخمٍ إلى الآخرِ، ظانًّا أنّ باستطاعتِه أن يملكَ الآخرَ بالحياةِ الّتي فيه هو... كلُّ شيءٍ كان مستطاعًا لديه. هكذا ظنَّ أنّ العمرَ فيه وله ولا يستطيعُ الآخرُ أن يغلبَهُ... لأنَّ كلَّ شيءٍ عنده وله... كان يملكُ النّاسَ بعطاءاتِهِ، بمالِهِ، بسطوةِ الغنى على الآخرين، بأقوالهِ ولا يملكُ "الحياةَ"!!...

   هكذا أتى هذا الشّابُ إلى المعلّمِ ليملِّكَهُ ذاتَهُ، فيملكَهُ!!. هذا كان ظنَّهُ وهذه كانت حياتَهُ، لأنّه تعبَ في سعيِهِ في طلبِ البذخِ وما ملكتْ يمينُهُ... لذا أتى "الإيمانَ" ليُدرِكَ "الملءَ الإلهيَّ"...

   الإيمانُ لا يُتوارَثُ!!. الإيمانُ، في الحياةِ، هو المحطةُ للإنسانِ، ليصعدَ "فاكونةَ" القطارِ المكتوبَ عليها: "خاصّة بالمعلّمِ"... كثيرون كانوا يركضون ليصلوا القطارَ قبلَ صفيرِهِ معلنًا رحيلَهُ... وكثيرون، تاليًا، كانوا يقفون موَدِّعين أحبّاءَهم في المحطةِ... لماذا لم يصعدوا هم أيضًا؟!... لأنّ الغالبيّةَ في هذا العالمِ يطلبون البقاءَ حيث هم، يحيون يوميّاتِهم، ليصلوا إلى النّهاياتِ... إلى الموتِ!!.

   "ماذا أعملُ من الصّلاحِ لتكونَ لي الحياةُ الأبديّةُ؟!"... هذا السّؤالُ هو الوحيدُ الّذي كان يكرّرُهُ ذاكَ الإنسانُ، ذاكَ الشّابُ الغنيُّ في حياتِهِ اليوميّةِ...

   سرُّ الحياةِ اليوميّةِ والعيشِ اليوميِّ هو الوصولُ إلى الحياةِ الأبديّةِ ليستريحَ الإنسانُ فيها...

   وما هي الحياةُ الأبديّةُ؟!... هي المسيحُ الرّبُّ يسوعُ الواقفُ قدّامَنا لنراهُ في حسِّ القلبِ ونعاينَهُ في نورِ الوجدِ، الّذي زرَعَهُ في قلبِ وكيانِ كلِّ فردٍ منّا، خلقَهُ هو من نَفَسِ روحِهِ وعمّدَهُ بالمياهِ المتدفّقةِ في بطنِهِ، من جوفِهِ لتملأَ عطشَ جرارِ كلٍّ منّا نحن الّذين يطلبون الإلهَ ويسعون إليه، إلى ملءِ الفرحِ، إلى ملءِ الحبِّ، إلى ملءِ حياةِ الآخرِ بالحبِّ الّذي نحبُّ الإلهَ به...

   وهذه هي الحياةُ الأبديّةُ، أن يعرفوكَ ربًّا وإلهًا... وأنّكَ أنت الأقنومُ الثّاني في مجمعِ الثّالوثِ المقدّسِ، الّذي كان منذ الأزلِ وسيبقى إلى الأبدِ... مجمعَ حبٍّ وعطاءٍ وصمتٍ وانتظارٍ، لملءِ جرارِنا الفارغةِ من كلمةِ الآبِ والابنِ والرّوحِ القدسِ، لأنّنا نحن البشرَ تكلّمنا قبلَ أن نسمعَ، فسقَطْنا في غنى أنفسِنا... في ذواتِنا السّاقطةِ، المائتةِ...

   "لكن يبقى "سبعةُ آلافٍ" لم يُحنوا ركبةً لبعل!!"...

   غنيُّ الإنجيلِ، اليومَ، هو ذاكَ "الفقيرُ" الّذي ما زالَ يدورُ في فَلَكِ معرفتِهِ، حتّى يسمعَ أنّ هناك "معلّمًا صالحًا"، ليس كسائرِ البشرِ، لكنّهُ بشريٌّ عائشٌ وساكنٌ معنا في وسطِنا وما بيننا، وأنّنا إذا أتيناه لن يردَّنا خائبين، لكنّه سيطلبُ منّا العديدَ من القيمِ لنثبتَ فيه، ونمشيَ معه ونسيرَ وراءَهُ ليصيِّرَنا تلاميذَهُ، رسلَهُ، خاصّتَهُ، أحبّاءَهُ... ليصيِّرَنا بغنى حبِّهِ ورحمتِهِ هو... نحن!!!...

   وكان الشّرطُ الأوّلُ: "إن كنتَ تريدُ أن تدخلَ الحياةَ فاحفظِ الوصايا"... فقالَ له: "أيّةُ وصايا"... في هذه اللّحظةِ داخلَ الكبرياءُ قلبَ الشّابِ الغنيِّ، لأنّهُ ظنَّ أنّه يعرفُ ولأنّه أتمَّ الشّريعةَ بحفظِهِ الوصايا، إذًا ما عليه بعدُ؟!... أتريدُ أن تكونَ كاملاً؟!... أن تكونَ غنيًّا في المعرفةِ، في المسيحِ؟!... كما كنتَ آتيًا لتطلبَ بُغْيَتَكَ هذه: "أنّ كلَّ الوصايا حفظتُها منذ صباي، فماذا ينقصُني بعدُ؟!"... فقالَ له يسوعُ: "إن كنتَ تريدُ أن تكونَ "كاملاً" فاذهبْ وبعْ كلَّ شيءٍ لكَ وأعطِهِ للمساكينِ فيكونَ لكَ كنزٌ في السّماءِ وتعالَ اتبعْني".

   وصمتَ الإلهُ الرّبُّ يسوعُ... صمتَ ليُصْمِتَ، تاليًا، غِنى وأغنياءَ هذا العالمِ علّهم يفهمون أنّه، بالصّمتِ والسّماعِ والانتظارِ، يأتيهم الرّبُّ يومًا ليُخليهم من ذواتِهم كما أخلى هو نفسَهُ آخذًا صورةَ عبدٍ...

   ووقعَ السّؤالُ: كيف يفاوضُ غنيٌّ غنيًّا؟!...

   ولم يفهمِ الشّابُ الغنيُّ... أعمى الغنى قلبَهُ وعينَيهِ وحسَّهُ، فبقيَ في مستوى مالِهِ وما عندَهُ وما يملُكُ، رافضًا أن يملكَ الملءَ من "المعلّمِ"!!...

   عمِيَ "الشّابُ الغنيُّ" عن معرفةِ الحقيقةِ... عَمِيَ عن معرفةِ الحقِّ... عميَ عن معرفةِ يسوعَ... لأنّه أحبَّهُ بغايةٍ لا بتسليمٍ!!...

   "اذهبْ وبعْ كلَّ شيءٍ لكَ وأعطِهِ للمساكينِ فيكونَ لكَ كنزٌ في السّماءِ... وتعالَ اتبعْني"... كُنْ معي فأُحبَّكَ كذاتي!!. هكذا فتمشي إلى الصّلاحِ تعبًا من نفسِكَ وتفرحُ!!... لكنّ "الشّابَ الغنيَّ" لم يوزِّعْ غناه ولن يوزّعَهُ على الفقراءِ... لم يُـخلِ نفسَهُ واضعًا مالَهُ أمام وعند قدمَي يسوعَ...

   هكذا تركَ غنيُّ الأرضِ غِنَى السّمواتِ... وذهبَ حزينًا... مضى تاركًا "الصّلاحَ" الّذي طلَبَهُ منه المعلّمُ ليصلَ إلى الحياةِ الأبديّةِ... لجأ إلى الفاني الّذي ورثَهُ والّذي اقتناه... أحبَّ ذاتَهُ وفكرَ ذاتِهِ أكثرَ من كلمةِ يسوعَ... والحياةِ الأبديّةِ...

   تركَ "المعلّمَ" الّذي أتاه عارفًا بِحِسِّ قلبِهِ أنّه هذا هو وحدَهُ الّذي بإمكانِهِ أن يبلِّغَهُ إلى الحياةِ الأبديّةِ... وكانتِ الحياةُ الأبديّةُ أمامَهُ في سرِّهِ المخبوءِ الّذي جرَّهُ إلى ذاتِهِ... تركَ الحبَّ ... تركَ الحياةَ... تركَ الصّلاحَ... تركَ الّذي كان وهو كائنٌ وسيكونُ ليغرفَ منه الصّلاحَ والفرحَ والنِّعَمَ والتّوبة والدّمعةَ على المساكينِ على خطاياه والفقراءِ وعلى الأحبّةِ ليشفيَهم ونفسَهُ أوّلاً، آتيًا بنفسِهِ بدءًا وبالآخرين تاليًا إلى التّوبةِ، إلى يسوعَ، إلى الملكوتِ السّماويِّ، إلى الحياةِ الأبديّةِ، إلى واهبِ الحياةِ، إلى الرّبِّ يسوعَ المسيحِ...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 أب 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share