عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث والعشرون
بعد العنصرة.

ألمُ الغربة يعلّمنا الحبّ..

 

حتّى الإله المتجسِّد، ربَّنا يسوع المسيح، لم تبعد عنه التّجربة وهو على الأرض،  حيًّا بين البشر، ليعلّمهم ناموسه بدءًا...

    وها النّاموس اليوم يُطِلُّ مكتوبًا بأحرفٍ من نارٍ ونور ليعلّم كلّ الّذين يقرؤون، كيف عليهم أن يقرأوا..!...

والقراءة هي معرفة للحرف، والحرف هو مبشِّرٌ بالكلمة، كي يتعلّم النّاس القراءة بالأحرف المكوِّنة لكلمة الله...

    والكلمة المكوّنة الحياة هي بدءًا..."أَحبب".!!...

لم يسأل يسوعُ النّاموسيَّ المجرِّبْهُ... ما اسمك.؟!...

لأنّ الإله كان عارفًا أنَّ اسم النّاموسيّ هو "لعنة القانون"... وحبّ الظهور بالمعرفة...

    "كيف تقرأ".؟!. سأله يسوع. سؤال يشدّ الإنسان إلى الابتسامةِ... كيف يقرأ الإنسان.؟!. أيّ إنسان، إن أتقن تعلّم الحرف وربط الأحرف بعضها بالبعض الآخر.؟!.

وكانت قراءة النّاموسيّ- الشّيطان "المجرّب" لربّه... كلّ ما كان يحبّ أن يسمعه ربُّه والّذي هو كتبه ناموسًا في حياة البشريّة...

اليوم صار "الحبّ وكلمته" هو ناموس الإنسانيّة كما أراد لها الإله أن تكون.!!... الّذي كان منذ البدء وهو كائن وسيكون إلى اليوم  الأخير، هو العيش بالحبّ.!!.

والحبّ الحقيقيّ، أو الحبّ الحقّ الخارج من ناموس الإله هو هو ... "أنا هو الطّريق والحقّ والحياة"...  هذه الصّفات الثّلاث، أليس الحبّ مُبدِئها ومَبدأها.؟!...

    لم يترك يسوع واحدةً... صفةً واحدة أو فعلًا واحدًا، إلّا ووضعه في هذه الجملة، مبدءًا للحياة معه ليوصل الإنسان إلى الأبديّة.!!...

الابن الشّاطر... الثّاني- شارط أباه أعطني ميراثي... والميراث هو بالحقيقة "قلب الأبّ"... وهو بدءًا قلب الإله المتجسِّد: "أحبّوا بعضكم بعضًا ليعرف العالم أنّكم تلاميذي"...

وبدأت توًّا التّجربة الثّانية للمسيح من الشّيطان على الجبل..."إِعمل ذلك فتحيا".!!. أعمل ماذا.؟!. "أَحبب"... أَهَلّ الحبُّ عملٌ.؟!.

إنّه عمل الحياة الإلهيّة فينا... حتّى إذا سمعنا نتغيّر ونصير على صورته ومثاله. ليبقى، إذًا، أمام الإنسان فسحات رحبة من الخيارات...

لكنّ التّسآل "استمرّ"... "مَنْ قريبي".؟!... وكان الشّرّير يُجِدُّ  لِيُعجِزَ السّيّد...

المشكلة كانت أنّ الإنسان، كلّ إنسان، يعرف في عمقِ أعماقِ نفسه، أنّه لا يستطيع أن يقوم بأيّ فعلٍ حيويّ...أن يوقف المرض... أن يَرُدَّ الضّائع... أن يمنع الموتَ عن أيّ إنسانٍ إلّا بالقدرة الإلهيّة... إلّا بالإرادة الإلهيّة... بالمشيئة الّتي لا تتزعزع للمسيح، الإله المتجسّد.!!...

وأصرّ النّاموسيّ على السّؤال: "ومن قريبي".؟!...

وتنزل القصّة الحقيقة والواقع الحياتيّ لكلّ إنسان، حين يسأل من أنا.؟!... ليأخذ الجواب... بل ليلقى ذاته في كلّ إجابة... يقولها يسوع... في كلّ إجابة... في كلّ كلمة... في كلّ فعل...

    لو عرف الإنسان بعد قيامة الّذي صُلب من بين الأموات أنّ هذا الّذي قام هو هو بالحقيقة الإله من الإله... وأنّه  تجسّد ليخلّص العالم من كلّ شبه شرٍّ يلحقه من سهام العدوّ الشّرّير أي الشّيطان، لما ابتعد عن يسوع ولا خطوة... ولكان سكن عند قدميه ليسمع كلامه كما فعلت مريم... ولمّا انشغل باسم المسيح لتحضير مائدته له... لأنّ المسيح هو العربون وهو المائدة وهو المأكل وهو كلّ ما يحتاج إليه الإنسان، أيّ إنسان...

     "وعاد وقال يسوع"... وهذا هو مبدأ الرّبّ يسوع في التّعليم... يقول الكلمة بدءًا، فإذا سُمِعَتْ، تنزل إلى عمق التّربة الّتي رماها فيها السّيّد... وإذا لم تسقط على الأرض الجيّدة الطّيّبة، بل الحَجِرة، يعيد الكلمة ويقولها مرّة ثانية... بل مثنّى وثلاثًا وينتظر...

"أبي يعمل وأنا ما أزال أعمل"...

لا يُمْكِنُ للإله أن يُغمِضَ العين وينام... هو "العين السّاهرة"... الّتي تترقّب وتراقب كلّ إنسان أولده هو من بطنه... من كلمته... "من البطن عرفتك"، حتّى لا يأخذ على نفسه ولنفسه كلّ فعل إبداعيّ يقوم به، فيعرفه النّاس من خلال إبداعاته... الإله الإنسان يكشف للإنسان مولوده وبكره من هو من خلال إنسانيّة الإنسان الّذي أولده.!!...

     "أنا والآب واحد"... تلك "الوحدانيّة هي صِلب علاقته الإلهيّة مع الإنسان... إنّه يخبر الإنسان، كلّ إنسان يعرفه ويحبّه، أن باستطاعته أن يصير إلهًا من الإله إن أحبَّ... أحبَّ حتّى الاتّحاد بالإله الأقنوم...

     وانحدر "الكاهن" في طريقه من مدينة الملك، أورشليم، إلى أريحا، فرأى "الإنسان"، أيَّ إنسان ملقىً مجرّحًا بين حيٍّ وميت... ذاك عرّاه الّلصوص وجرّحوه وتركوه بين حيّ وميت...

الّلصوص كانت وما تزال هي أهواء الإنسان المنغرزة في ذاته حتّى التّعذيب والموت... وبصق عليه الكاهن في سرّه... أنت إنسان خاطىء فلن ألوّث نفسي بخطيئتك... وابتعد عنه... هرب منه حتّى لا يراه أيّ مارّ أنّه يتحدّث مع إنسانٍ خاطىء... "واللّاوي" الّذي يتأهّل ليصير مستحقًّا إِرثَ الكلمة، قال: أنا أرفع من أن أدنّس نفسي بإنسان خاطىء يسمني بوصمة العار... فأدار الرّأس وانطلق هاربًا من وجه ربّه والأخ المجرّح الّذي على شفير الموت...

     ثمّ عبر بالإنسان المجرّح الّذي على شفير الموت، "السّامريّ"...

"أعطني هذا الغريب"... هكذا تصرخ الأجواق الملائكيّة في ترتيلها يوم دفن سيّدها، ربّها وإلهها...

النّاس، في التّراث الشّعبيّ، يلبسون السّواد يوم إقامة رتبة جنّاز المسيح... والرّجال لا يحلقون ذقونهم علامة حزن الموت فيهم، إذ مات إلههم، ربّهم وسيّدهم...

    "الغرباء" يتعلّمون الحبّ من غربتهم... يأتون البيعة، خائفين أن يُطردوا من أصحاب البيت، لأنّهم غرباء... فيبيتون عراةً لا مكان يَسندون إليه رأسهم...

"كنتُ غريبًا فآويتموني... عريانًا فكسوتموني... جائعًا فأطعمتوني... عطشانًا فسقيتموني"..."أين رأيناك هكذا يا ربّ.؟!"..."إذا فعلتم هذا بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فبي فعلتموه".!!...

    أتانا الرّب الإله، يسوع المسيح، مولودًا طفلًا، عاريًا في مذودٍ، ومات على الصّليب، تاليًا، عاريًا، مجرّحًا بسياط أبناء جِلدتِه، بأيدي شعبه...

من مشى معه.؟!... من كان له ابنًا، رفيقًا، حبيبًا، إلّا النّسوة الحاملات الطّيب ليُضَمّخوه بالطّيب في كلّ لحظة سكن فيها ليعلّم حتّى حين أَسلَمَ الرّوح على الصّليب... والتّلامذة الّذين اصطفاهم ليبثّ "الكلمة"، الفعل الإلهيّ، من خلالهم... وهو الإله الرّب يسوع، بقي، ليس له مكان يُسنِدُ إليه رأسه... بقي غريبًا في أرضِ الأحياء، وعلَّمنا أَن نحبّ ألمَ الغربة لنحيا على مثاله... أن نقبل..!..

    غريبًا أتانا... وغريبًا بقي في ديارنا يجول القرى والطّرقات لِيُعَلِّمَنا الحبَّ، والحنان، والكلمة البِكْرَ مِنْ وفي غربته هو...

    لم يرَ الإنسان حتّى وجه الآب في وجه السيّد... لم يعرفوه.!!... ونحن بعدَ آلاف الأعمار... أَهَلّ نعرفه.؟!... أَهَلّ بتنا إليه.؟!... أَهَلّ نحبّه كما هو علّمنا الحبّ، بحبّه لنا.؟!. ونحن، هل علَّمْنا اسمَه للشّعوب.؟!... هل أدرجناه في قلوب محبّينا، أولادنا.؟!... إخوتنا.؟... عائلاتنا.؟!...  هل علّمناه لآبائنا والأمّهات ولمعلّمينا ولكهنتنا ولأسياد كنيستنا.؟!... هل زاملناه ومشينا الدّرب وراءه ومعه.؟!... حتّى صرناه... كلمته... سماعه... حنان حبّه.!!... هل... هل قلنا له... تعال يا ربّي تعال.؟!... وعشنا على انتظار... لنحيا فيه ومعه.؟!...

 

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

12 تشرين الثاني 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share