بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّامن من بعد العنصرة.
إليك وحدك خطئنا.
فاقبلنا بحنانك...

في ذلك الزّمان أبصر يسوع جمعًا كثيرًا فتحنّن عليهم وأبرأ مرضاهم.

    ثمّ أطعمهم خبزًا وسمكًا من صلاته إلى أبيه الآب السّماوي برفع قلبه إليه... فبارك وكسر وأعطى...

    أطعم الآب الجمع الكثير بصلاة الإله الابن... برفع القلب، بطلب البركة وبالاتّكال الكليّ الكامل على الحضرة الإلهيّة السّاكنة معنا وفينا بالرّوح القدس المعزّي، الّذي أرسله الآب للابن بالرّوح القدس، الّذي قال لهم الابن عنه... أنا صاعد الآن إلى أبي ولن أترككم يتامى، بل سأُرْسل لكم المعزّي... روح الحق... الّذي سيبقى معكم إلى الأبد...

    ليس من زمان لم يكن فيه الابن والرّوح القدس بيننا؛ إِن نظر الإنسان إلى الجبال، إلى السّماء، من حيث نزل الابن بمسرّة الآب وحلول الرّوح القدس على كلمة الأنبياء الّذين أرسلهم، ليكونوا حضورًا للخالق في العالم الّذي أبدعه ...

    لم يرتضِ الإله الآب أن يترك العالم الّذي هو أبدعه مسكنًا بابنه يسوع المسيح وروحه القدّوس...  فلماذا ما زال الإنسان ملتصقًا بالتراب ويبحث في العتمات عن روح الحياة الّذي انتظم في الكون كلّه بحلول المعزّي روح الحق... الّذي يصرخ الإنسان له في سفر المزامير والله يجيبه:

    " رفعتُ عينيّ إلى الجبال من حيث يأتي عوني...

    معونتي من عند الرّب صانع السّماء والأرض...

    لا جعل رجلك تزلّ... ولا نام حارسك... ...

    ها إنّ حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام...

    الرّب يحفظكَ... الرّب من عن يمينك... فلن تلفحك الشّمس في النّهار ولا القمر في اللّيل...

    الرّب يحفظ دخولك وخروجك من الآن وإلى الأبد"...(مز 120: 1- 5،8) آمين.

    فرحتُ لمّا قالوا لي إلى بيت الرّب نحن ذاهبون"؟

    أين بيت الرّب هذا، حتّى نذهب إليه كلُّنا يا الله؟!...

    اليوم، يا ربّنا، نأتيك من جوع أنفسنا وأجسادنا وكياناتنا كلِّها ... المشكلة  المأساة يا أحبّتي أَنّنا... بل بعضنا لم يُتْرَكْ غريبًا عنك...لا يعرفك يا إلهنا...لأنّه يركض وراء نفسه ليلقاك حيث هو وضع اهتماماته...

    ما زال الإنسان يُلْبِسُ الرّب ثوب الخلاص الّذي هو يريده منه... لا حلّة الخلاص الإلهيّ لنا...

    اما زال الإنسان بعد آلاف السّنين يبحث عن بغية قلبه... عن حسّ وجوده... عن إلهه!!!...

    أنا واقف قدّامك وتراني!!...

    هكذا نقف اليوم يا ربّنا وسيّدنا وإلهنا... نقف بكليّتنا ونصرخ يا قدّوس القدّيسين... أمل ناظريك إلينا واسمعنا!!...

    لا تمل وجهك عنّا يا ربّنا... لأنّنا كلّنا قد خطئنا إليك!!.

    وسنبقى في الخطيئة نراوح مكاننا حتّى ننال بغيتنا... منكَ...

    ماذا يريد الإنسان من ربّه بعد غربته هذه الطّويلة عنه، بعد قتل إلهه وتعليقه على الصّليب وأخذه ثمنَ إلهه من باعة الأصنام والعِلمِ السّاعين وراء الرّبح والأكل لتنتفخ بطونهم باللّحوم الخنزيريّة ومعاقرة الخمور الطّيبة المسكرة واللّهو باحاسيس أجسادهم وعقولهم واستنباط أنماط اللّهو، للغرق في ملاذّ الأدناس الّتي إن اعتادها الإنسان، فلن يستطيع الوقوف في بيت الإله طالبّا منه الرّحمة والخلاص... بعد أن ضلَّ الطريق وابتعد عن ربّه...

    أعيادكم مجّتها نفسي!!... أيقرف الأب من ابنه إن تقيّأ عليه بسبب شربه المُسْكِرَ وأكْلِهِ اللّحوم الخنزيريّة، طمعًا في الشّبع واللّذة للرّكض وراء اهواءِ جسده هذا المريض، وتفتّقات ذهنه وحسّه وسعيه لجمع المال وتعاطي السّلطة؟!...

    ما الّذي يبحث عنه الإنسان في عمره هذا الأرضيّ؟!...

    أَعَنِ الإله الّذي قتله هو معلِّقًا إِيّاه على صليب مجده؟!...

    هل عرف الإنسان الإله، أنّه هو الرّب القدّوس الّذي صنع السّماء والأَرض وأنّه خلق ابنه الإنسان من نفخته وتراب الأرض؟!!.

    إسمع يا إسرائيل!!...

    في ذلك الزّمان... أَنتَ أبصرتَ يا يسوع... جمعنا الكبير التّائه في براري هذا العمر باحثًا عن هويّته... عن وجهه... عن أناه؟!!... عنكَ!...

    يا سيّدي... ألا تسمع الآن نشيج أرواحنا الّتي تخثّرت وتقيّحت من كثرة فساد ما زرعناه في أرضك البكر الّتي أورثتنا...كياننا هذا الّذي شوّهناه بالرّذائل...

    ألا تسمع الآن يا إلهنا نشيج أرواحنا الّتي سقطت من يدك إلى جحيم أهوائها وضعفها؟!...

    خارت عزيمتنا... دخل سمّ الحيّة الشّيطان كياناتنا... صرنا قطّاع طرقٍ نحاور ونجادل وندّعي ونصرخ وليس من يسمع وإن سمع القوم لا يفهمون فيقتلون بصَمْتِهِمْ بَصَمات الحياة في أفواهنا وعلى جباهنا، فتضيع الطّريق من وعي أَعيننا...

    أصرخ إليكَ يا ربّي... لا تتركنا إلى الانقضاء!!. لا تجازنا حسب سقوطنا...

    نعم يا سيّدي... اليوم هو يومك لتعود فتجمعنا لأنّنا سئمنا وَهَنَ آبائنا... نطأ الحيّات والعقارب وحدنا... ونموت وحدنا في وحشة غريبة عن حبّك لنا بهم... نعم يا سيّد أنتَ تحبُّ كلّ من خلقتَ!!...

    اليوم هو يومك من ذلك الزّمان، لتأتي وتجمعنا حولك لتبرىءَ أَمراضنا، تقيمنا من ضعفنا، تعيدنا إلى حضنك... إلى سماعك...

    تكلّم يا ربّي... يا إلهي... نحن كلُّنا الّذين اجتمعنا حولك ننتظرك.

    سمعناك سماع الأيائل الّتي ترهف السّمع لوقع أقدام العدوّ فتلمّ أولادها وتهرب بهم من أفواه الشّياطين الآكلتها بأسيادها!!.

    يا إلهي... يا سيّدي ويا أيّها الحمل الوديع الرّافع خطايا العالم... تعال... تعال... أسرع فقد أضعنا سلامنا بعد سقوطنا من أَمام وجهك... آجْتَذَبَتْنا عوامل أخرى بعيدة عنك... وأبعدتنا عن أَصْلِنا...

    كلُّنا نتألّم... نتعذّب... وليس من أمل لنا!!!...

    لكنّك أنتَ رجاؤنا... وحدك خلقتنا، نفختَ روحكَ القدُّوس فينا... أعطيتنا ألوهتك...

    نعم... سيّدي... اليوم هو يومك منذ ذلك الزّمان وما زال...

    أترجّاك، إحضر الآن إلى أرضِ أجسادنا واسكن فينا... وإن وجدتَ أنّنا لا زلنا بعيدين عنك... أو هناك فكرُ هوى يَمْنَعُنا عنكَ، لنختار بديلاً عنكَ في هذا العمر، فاهْمِسْ في أُذُنَ  ملاكنا الحارس الّذي أنتَ أوقفته حارسًا لنا من غوائل العدوّ المتربِّص بنا وخلِّصنا...

    يا سيِّد... يا أيّها القدّوس وحدك... لا نقوى ان نتعذّب أكثر بسبب غيّنا... ويا أيّها الإله العظيم!!.

    تلطَّف... تعطَّف وانظر إلى جمعنا الّذي ازداد هواه منذ أوّلِ يومٍ عرفناك به وخلِّصنا... نحن سقطنا فارفعنا إليك!!... أمدد يدك القويّة وانتشلنا من حفرتنا...

    أأجرؤ أَن أَطلبَ منكَ البُرءَ لهذا الجمع الكثير؟!. الّذين ينتظرونك والّذين لا ينتظرونك...

    وصار صمتٌ دانى ادلهمام الجحيم وعتماته...

    ازداد خبطُ دَقّاتِ القلب... عتمت الوجوه...

    يا إلهنا... أين نحن؟!... أين رميتنا؟!. أين أنتَ يا حبيبي؟!...

    لا... لا تتخلَّ عنّا!!... نستميحك... سامحنا!!...

    نحن عدنا من سكنانا بعيدين عنك... اليوم عدنا لنسكن فيك... أنتَ... معك حتّى الوصول إلى وجهك... بارك سعينا وخطواتنا إليك...

    إستجب يا ربّي... استمع... استجب وخلِّصنا... 

آمين.



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

30 تموز 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share