صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث بعد الفصح
يبوسة جسد الخطيئة
وإرادة الشّفاء بكلمة يسوع!!.


   وسُمع،  في تلك النّاحية وفي ذلك الزّمان، عويلٌ وصراخٌ وأنّاتُ وجعٍ وتحرّقاتُ صمتٍ من البركة عند باب الغنم، في بيتِ حِسدا... البركة الّتي لها خمسة أروقة... وحسبَ رؤية الرّسول يوحنّا كان مضطّجعًا في تلك البركة، في الأروقة الخمسة، جمهور كثير من المرضى من عميان وعرج ويابسي الأعضاء ينتظرون!!...

   ماذا ينتظر الإنسان؟!. أيّ إنسان في هذا الكون؟!... كلّ إنسان وُلد، في هذا العالم، يحيا حياته في الانتظار!!...

   الرّضيع صدر أمّه! والطّفل مأكل الحلوى والحنان! والطّالب رقم نجاحه حتّى ينطلق في عدوه من رتبة إلى رتبة!... والعامل لقمة آخر نهار عرقه، كَدِّه والتّعب!!. والفتاة وعد لهب الحبِّ في أي عمر بَلَغَتْ، لتلجأ إلى الحضن و الجنب الّذي منه خرجت!!... والأمّ أولادها آخر النّهار لتطعمهم لهف خوفها عليهم! والأب ليلقمهم استمراريّة اسمه في نسله، فيهم وله! والشّعوب الغنى والبحبوحة، ليحيوا رغد ما تعبوا وما لم يتعبوا فيه!!.

   والإله،  الكلّ في الكلّ، ماذا ينتظر؟!. هل ينتظر؟!...

   الإله المتجسِّد وحده ينتظر عودة أبنائه إليه!!... لكن لم ولن يرجع أيّ مخلوق إلى ربّه إلاّ بعد صلبه والهزء به واستعادة الأب الابن ليحفظَه من ارتداده!!. إذ يناديه في سرِّ صمته ليدخل حشاه المولِده الحياة الحقّ ومعطيه النّور المتغلغل في العتمات!!.

   الأبّ يحبُّ الابن أكثر من ذاته... لذلك يطلبه وهو في غيّه ليرفقه حنانه، علّه يذوق طعم حزن أبيه إليه، في توبته ليرتدّ إلى حضنه!!.

   من يعلِّم الإنسان الحبّ إلاّ بذلُ وموت إلهه عنه حتّى يستعيده بدمه، بالبصاق عليه، لاكتمال الشهادة عنه ليُعيده، مُولِدَه  من جديد ويتبعه حاضنه، يدخله شغاف قلبه ليبكي إليه!!.

   أَعرف الإنسانُ حبَّ مسيحه حتّى يحبّه بذاك الحبّ، ليحياه، ربّه؟!...

   من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!... المتقوقع في كياني؟!.

   الأجساد تنوء!!. تنوء تحت وطأة الحسّ!! وربقة الموت عليها!!.

   الأجساد مختبر الرّوح وصرخة الأنا!!...

   الأجساد تقع، تتكسّر وتسعى!!. تأكل، تشرب، تصرخ، تعرى، تسعى راكضة وراء لَقْطِ روحها لتلقى أناها الغارقة في كيانها!!...

   الأجساد تحاور... تتكلّم... تحكي صامتة حقدها، لأنّها لا تعرف كيف تخرج إلى نور ربّها بالحبّ، بالعطاء!!...

   الأجساد تقع من علياء خبثها وبحثها عن انكفاءة الظلِّ، لتعوي كحيوانات القفر المائتة في تشنّجات أوصالها!!.

   الأجساد تبقى معلّقة على توتّرات ما تشربه من رحيق مياهها لا من تفجّرات ينابيع دموع القدّيسين الّتي تسقي أرض الميعاد!!.

   الأجساد في خلجاتها تصوِّت كالذئاب وتسعى لتخدِّرَ حسّها في شرب دماء أصحابها!!.

   الأجساد تصرخ ليل نهار: مَنْ صحبي؟!... من أقربائي؟! من أخي؟! من أمي؟! من أبي؟! من أنا؟!...

   ويصمت الحرف فلا يجيب التسآل!!...

   ويحلُّ الصّمت!!... صمتُ الكلمة!!. صمتُ الوجه!!. صمت الخروج إلى الحياة!!. فيُميت الجسدَ الحسَّ والرّوح وحنان الحب المبذول طاقة وَجْدٍ صامتة!!.

   هذا ما كانَه المخلّع الّذي من بركة حِسْدا عند باب الغنم!!... خمسة أروقة امتلأت بالعميان والعرج واليابسي الأعضاء!...

   وكان الماء الميتُ الآسن... وكان ناس الانتظار!!.

   هؤلاء من كان يطعمهم، يسقيهم، يدلّهم إلى أين وكيف يسيرون ليَصِلوا إلى قضاء حاجاتهم اليوميّة؟!...

   عميان... عرج... يابسو الأعضاء؟!...

   أنينٌ وسؤْلٌ داخلي في موت أجسادهم، نفوسهم وأرواحهم!!...

   أهذه الكميّة، بالنّسبة إلى الرّسول يوحنّا الحبّيب، كانت خلاصة البشريّة، أم البشريّة كما هي منذ زمن تجسّد الرّب يسوع وحتّى اليوم، أم هكذا كانت البشريّة والآن خلُصَتْ؟! أم بالحريّ سقطَت في عماها وتخلّعها ويبوسة أعضائها فعفِنَتْ في مقامها حول البركة حتّى قضي عليها؟!...

   ”من يدحرج الحجر عن باب قبر موتنا ونحن أحياء في الجسد؟!“...

   الملائكة والقدّيسون وأطبّاء الرّوح يسخرون بحسّهم للإنسان  فيقولون: ”لا حسّ بعد!!“.

   مات الإنسانُ في ظلمةِ القبر الّذي حفره لأخيه الإنسان!! والموتُ صار عديل الحياة الطالعة من حشا كلّ الأمّهات في الكون، لأنّ زرع الرّجل فَسُدَ!!... ولا روح تتنزّل من يد الله إلى الملاك ليحرِّك ما قد تجمّد وتجلّد، فصار موتًا من موت السّقوط الّذي به ولأجله قتل قايين الأوّل أخاه هابيل!!.

   وصرخ أصوت الإله المتجسّد، الرّب يسوع المسيح:

   ”أعمى عيونهم حتّى لا يبصروا وأصمّ آذانهم حتّى لا يسمعوا ويرجعوا لأشفيهم“!!...

   يا  شعبي، يا شعبي، ماذا فعلت لك؟!... لفقرائك أطعمْتُ ولمرضاك شفيْتُ... لماذا تركتني لتعبد شياطين أهوائك خفية عن ربّك وإلهك... عنكَ؟!...

   وبقي العميان والمخلّعون واليابسو الأعضاء كلّهم لا جواب في حلوق قلوبهم، إلاّ ما ربحوه وما سيحصلون عليه من ذاك النّبيّ!!. وذاك الملاك!!.

   *   *   *   *   *

   والسّؤال اليوم:

   ”لماذا وضعَت الكنيسة إنجيل المخلّع بعد توما ويوسف مع حاملات الطّيب؟!“...

   لأنّ ذاكَ الجمهور الكثير ”من المرضى“... يُمثّل الخليقة كلّها قبل التجسّد الإلهيّ، الّتي كانت تولد من الزّنى لتحيا خطيئيّتها في هذا الكون مغمَّسة بعشق ذاتها!!. وإذ كان يولد الأطفال من أرحام أمّهاتهم، أمواتًا قبل أن يخرجوا من الأرحام لتستقبلهم بركة باب الغنم، ذات الخمسة الأروقة، المملوءة قطعان الغنم والمَعِز والبقر الّتي ما كانت قد خرجت بعد إلى لقيا واستقبال الطفل الإلهيّ الّذي سيولد من بطن العذراء، ليشفي كلّ جنس آدم السّاقط من لزج ورطوبة دنسه الّتي التصقت فيه، فقطعت عنه استنشاق نور ورحيق أزاهير ربيع الحياة المولودة جديدًا مع الجديد الآتي، ليعيد ولادة العالم كلّه منه هو!!!...

   اليوم تطرح أمامنا الكنيسة الحقيقة المغيّبة فينا والّتي خنقناها حتّى لا نتعرّف عليها، لأنّ الشرّ احتكم في كلٍّ منا، واحدًا فواحدًا، ليغيِّبَ النّور وراء ظلمة  شهوات نفوسنا، عقولنا، قلوبنا وأجسادنا فنغيّب نحن تاليًا وجه المسيح وحقيقة السّرِّ الإلهيّ في الكون، لنحيا بسقوطنا أربابًا وآلهة خارجة من تخوم هول الإنسان المعمَّد بشرب كأس الشيطان ورحيق حبّه للإنسان، ليجعله على مثاله وشاكلته، مملوءًا  شرًا ووقيعة وحسدًا وخبثًا وموتًا، ليصير هو الحياة!!...

   اليوم تبسط الكنيسة أمامنا واقع البشريّة الّذي كان قبل مجيء المسيح إليها ليفتديَها!!...

    فإنّه في تلك الأورشليم الأَرضيّة كان هناك عند باب الغنم بركة تسمّى بالعبرانيّة بيت حِسْدا ، حيث رقدت هناك كلّ مخلوقات الأرض مضطجعة مريضة، عمياء، عرجاء، ويابسة الأعضاء!!...

   العين لا ترى نور الإله المخلوق ليُضيء حسَّ، عقلّ وقلب الإنسان، فيمشي ساعيًا إليه!!. ورائحة عفونة الماء الآسن الرّاكد ما زالت مستشرية... وأنّات الموت تخرج مقزّزة من يمرُّ بها، والجميع يمتدّون بتقعُّدهم ونتن أجسادهم مستصرخين من يرميهم في الماء حتّى ينظفوا ولو بدون دَعْكِ... وكان الملاك المرسل من الله ينزل أحيانًا ليحرّك الماء حتّى يتحرّك الرّوح القدس وتَصَخُّر وتَقَعُّد النّاس، فيُشفوا...

    هل شفي أولئك بمعموديّة الماء والرّوح؟!... كانوا لا يعرفون الإله، فكيف يشفون؟!.

   وكان أن حضر يسوع، بشخصه، بألوهته!!. وكان زمان تلك البشريّة العفنة قد مرّ!!. فرأى واحدًا راقدًا منذ زمان طويل فبادره الإله وهو المبادر  بدءًا أبدًا!!...

   أتريد أن تبرأ؟!... يا أيّها الإنسان؟!... ولم يلحظ ذاك المخلّع يسوع الإله القائم قدّامه!!... فأعمل خاصيّة السّقوط وهي العقل في جسد الخطيئة، في كينونة سقوطه!!... ليس لي إذا تحرّك الماء مَنْ يُلقيني فيه!!... فقالَ له يسوعُ ”الكلمة“: ”قم، احمل سريرك وامشِ“!!...

   ... ودخل الرّجل المخلّع الهيكل فوافاه الرّب: ”ها قد عوفيت (في الجسد) فلا تعد تخطئ لئلاّ يصيبك أشرّ“!!!....

   وقام المخلّع طافرًا إلى حبِّ المخلِّص، وإلى شفائه، وإلى انتظار نفسه أن تتهذّب بالحبّ الّذي أغدقه ربّه السّيّد يسوع عليه، ليعرف أنّه شفي، وأنّ الرّب هو هو الماسح كلّ دمعة عن عيوننا بكلمة الشّفاء، وبارتدادنا، إليه حتّى لا نعود فنخطئ، لئلاّ يصيبنا أشرّ!!.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

11 أيار 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share