فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
تأمّلات في الإنجيل
بدءُ التّريودي!.
دعوةٌ للدّخولِ إلى
الخِدْرِ الإلهيِّ في الصّومِ!!.

     الدّينونةُ اليومَ!! فاستيقظْ، يا أيّها النّائِمُ، وقُمْ!!.

     قُمْ إلى يسوعَ المسيحِ إلهِكَ المُنتظِرِكَ قدّامَ بابِ قلبِكَ، يدقُّكَ لتَفْتَحَ، فيدخلَ إليكَ!...

     يقفُ قدّامَ وجهِكَ... ينظرُكَ لترى عَيْنَيْ قلبِهِ إليكَ، الحاملِ سِرَّهُ، يشاركُكَ بهِ خَلْقَكَ لتعرفَ... والمعرفةُ أنّكَ إليهِ، منهُ وفيه، لترى!!!.

     وإنْ رَأَيْتَ عَيْنَيْ وجهِهِ، شاهدْتَ وجدَهُ يَلفُّكَ بحنانِ ذراعَيْهِ... يُرضِعُكَ حبَّه، الّذي لَنْ تَكونَهُ إلاّ إذا قدِمْتَه حاملاً بَلايا عمرِكَ، وَأَوْساخَهُ، وقاذوراتِهِ؛ حتّى تَتَفَتَّقَ روحُكَ عنْ تَمْتَمَةِ أَحْرُفِ اسمِهِ... فتولَدَ مِنْ جُرْنِ ومياهِ دموعِهِ، لِمعموديَّةِ خلاصِكَ إليهِ!!.

     أنتَ تسمعُ صوتَه، لأنّكَ أنتَ فقط إليهِ، لتسمَعَهُ!!. مخزونُ عمرِكَ يُسْمِعُكَ ما تريدُ تَسَقُّطَهُ لتعرفَهُ؛ وبهِ تعرفُ أنّكَ أنتَ مُختارُهُ، إنْ سَمِعْتَهُ يُتَمْتِمُ اسمَكَ في اسمِهِ!!.

     كيف تعرفُ اسمَهُ واسمَكَ فيهِ، منهُ، لتعودَ إليهِ؟!.

     أنتَ لا تعرفُ، لأنّكَ لم تُدْرِكْ وَجْدَهُ إليكَ، لتصيرَ أنتَ وجودَهُ، وبهِ تَحْيا، وفيه تَتَحَرَّكُ، ومنهُ تعرفُ!!.

     والمعرفةُ، يا حبيبي، أنّهُ هوَ ناداكَ بَدْءًا!!.

     أنْزَلَ عليكَ اسمَهُ القدّوسَ... سمّاكَ اسمَه!!.

     ناداكَ، فما عَرَفْتَ صَوْتَهُ!! لأنّكَ لم تَكُنْ، بَعْدُ، قَدْ قَرَأْتَ حَرْفَ، خَتْمَ، وَرَسْمَ معموديّةِ حبِّكَ لَهُ!!...

     لأنّكَ لم تَكُنْ قَدْ خَطِئْتَ، بَعْدُ، حتّى الانْصِلابِ... حتّى الصَّلْبِ!! أنتَ لم تَعْرِفِ الصَّليبَ، إلاّ بالمسيحِ، مَصْلوبًا عليهِ بكَ ولأَجلِكَ؛ حتّى تَعِيَ رِضاهُ عليكَ، لأنّك أنتَ صَلَبْتَه!!.

     إنْ لم تَعِ أنّكَ تَصلبُ حبيبَكَ، مَسيحَكَ، كلَّ لحظةِ روحٍ وَشَهْقَةِ نَفَسٍ، فإنّكَ لا تَكونُ قَدْ عَرَفْتَهُ، بَعْدُ!!.

     أَعَرَفْتَ أنّ إِلهَكَ التقاكَ وأنتَ إليهِ منَ الفردوسِ ساقِطًا شهابَ نورٍ، فاحترَقْتَ بنارِ هُجْرانِهِ، ولم تَسْمَعْهُ يُناديكَ، إذْ أَحَبَّكَ وَحَوّاءَ؛ فَهَجَرْتُماهُ في فردوسِ حُبِّه لَكُما!!.

     تَرَكْتُما الواحِدَ الأَحَدَ، الّذي اصطَفاكُما إلهَيْنِ، لا شَهْوَةَ جسدٍ فيكُما، بل وَجْدُ حُبٍّ!!.

     وارتكضَ يسوعُ بروحِهِ القدّوسِ، مُخترِقًا حشا مريمَ البتولِ، عروسِ اللهِ، وحوّاءِ قلبِهِ الّتي لم ولن تعرفَ رجلاً، لا في الهيئةِ، ولا في الوَضْعِ، ولا في الكَيْنونَةِ، إلاّ طفلَ حشاها الّذي دَفَقَتْهُ إلى البسيطةِ، فصارَتِ الأرضُ سماءً!!.

     وعادَ إِليها آدمُ، مسيحًا معمَّدًا بالدّمِ والدّمعِ المُخْتَزَنِ في جنبِهِ المَطعونِ بِوَجْدِ الحُبِّ الإلهيِّ للطّفلِ، الّذي صارَ كلُّ مخلوقٍ فاتحُ رَحِمٍ، ذكرًا كان أم أنثى، له وبه؛ ليعرفا، إذ يولَدا، أنّهما سقطا من فردوسِ الحبِّ إلى فردوسِ الصّليبِ المغمَّسِ بالألَمِ والدّمِ على كلِّ خلائقِ الأرضِ، حبًّا لَهُ!!.

* * * * * * *

     ”بالصّليبِ أتى الفرحُ لكلِّ العالمِ“!!.

     كيفَ، وعُمْقُ البشريّةِ، بَعْدُ، لا تعرفُ ذاتَها مُعلَّقَةً على الصّليبِ؟!.

     الآخرُ حياتي، يا يسوعُ!! كلُّ آخَرَ، وليس أخي الّذي منكَ إليَّ، ومنّي إليكَ!!.

     عيناكَ وَجْدي... عيناكَ نوري... والعمرُ يَتَفَكَّكُ!!.

     أَعي كلَّ آلامِ البشريّةِ في قلبي، ليموتَ الفكرُ والعِلْمُ، ويَبقى الصّليبُ في جسدي، مسمِّرًا عليهِ يسوعَ الجائعَ، والعريانَ، والمُضنَكَ، والمريضَ، والمقهورَ، والمَظلومَ!!.

     فأينَ أنتَ، يا ربّي، منّي، منّا؛ ونحنُ منكَ إليكَ؟!.

     كيف أنتَ إلى الكونِ؛ والكونُ، يا ربّي، مملوءٌ وَحْشَةً، وظُلمًا، وفَقْرًا، وَقَسْوَةَ قَلْبٍ، وَشَهْوَةَ حِسٍّ، وأنانيَّةَ مَطْلَبٍ وَكَذِبٍ؟!! وأنتَ لسْتَ، اليومَ، إلينا، مَطلبَنا؟!.

     كيف، والفَقْرُ خَتْمُ عارٍ أسودُ على جبينِ الكونِ والبشريّةِ؟!.

     هؤلاءِ!! كيف أنتَ راحِمُهُمْ، وهم يأكلونَ لحومَ النّاسِ، قلوبَهُمْ والحشا؟!.

     هؤلاءِ، يا يسوعُ، لا يطلبونَ، ولا يريدونُ أنْ يعرفوكَ!! لذا، همْ صالِبوكَ!!. ولا يعرفونَ أنّهم يصلبونَ نزواتِ قلوبِهِمِ المغمّسة بالقَيْحِ ودودِ الجَحيمِ السُّفْلِيِّ، وأنتَ أنتَ نزلتَ إليهم، حتّى تُخلِّصَهُم... ولا يريدونَ أنْ يَخلصوا!!.

     كيف؟! أنتَ لهم أيضًا؟! مِثْلَ الّذينَ اختَرْتَهُمْ وهُمْ يحبّونَكَ، إليكَ؟!.

     أَتُساوي، يا يسوعُ، بينَ السّيِّدِ والعبدِ؟! بينَ الابنِ وغريبِ الدّرْبِ؟! بينَ الّذينَ يُقبِّلونَ قَدَمَيْكَ بدموعِهِمْ وَجْدَ روحِ توبَتِهِمْ، والّذينَ يَشتمونَكَ مُجدِّفينَ عليكَ؟!.

     ألَنْ تُقاصِصَ؟!... سامِحْني!! ألَنْ تُؤدِّبَ الخَطَأَةَ، لِيَعرفوكَ؟! ألَنْ تَرُدَّ المُلْكَ إليكَ؟! ألَنْ تُحاسِبَ الّذينَ آذَوا مُسَحاءَكَ؟!.

     ألَيْسَ مِنْ تَأْديبٍ لديْكَ، بَعْدُ، ربّي؟!. والقولُ كانَ: ”أَدَبًا أَدَّبَني الرّبُّ وإلى الموتِ لم يُسلِمْني“؟!.

     إلى مَن تُسلِمُ خرافَ قطيعِكَ؟!

     والسّبعةُ آلافٍ، الّذينَ لم يُحنوا رُكْبَةً لبَعْلٍ؟! أَيَقْدِرُ هؤلاءِ، هؤلاءِ أنْ يُذبَحوا منْ دونِ أنْ يَفتَحوا فاهُمْ ليَصْرخوكَ، آخًا؟!...

     هلْ أَنْمَيْتَ عِشْقَهُمْ لكَ منكَ إليهم، وهم إليكَ؟!.

     أُريدُهُمْ كلَّهُم أنْ يُخلِصوا لكَ، وأنتَ تُريدُهُم خَلاصًا لأَنْفُسِهِمْ، فيَعْرفوكَ أَحْرارًا!!.

     هلْ مازَجْتَ، ربّي، بينَ البسيطِ المؤمنِ بكَ، لأنّكَ اختَرْتَهُ لكَ، وَبَيْنَ مُباحِثِ هذا الدّهرِ وعالِمِهِ؟!.

     هلْ تُساوي بينَ الّذينَ يعرفونَكَ والّذينَ لا يعرفونَكَ مَصْلوبًا؟!.

     ربّي، مَنْ وما نحنُ منكَ إليكَ؟!. والّذينَ لم يسمعوا باسمِكَ، بعدُ؟!. والّذينَ صَلَبوا أنفسَهُمْ، أو صَلَبَهُمْ حَبْسُهُمْ في جَهْلِهِمْ وَرَفْضِهِمْ وَعِنادِهِمْ وَحُبِّهِمْ لِهذا الدّهرِ وَغِناهُ، والّذينَ يبيعونَ ويشترونَ ضَمائرَ الشّعوبِ ويقيمونَ الحروبَ ليُميتوا خلقَكَ؟!.

     أُسائِلُكَ، ربّي، لأنّي لا أعرفُ، لأنّي غبيٌّ!! فسامِحْني!!.

     سامِحْني، سيّدي!! إنّي لا أفهَمُ قَصْدَكَ، ولا فكرَكَ، ولا مشيئتَكَ!!.

     لكنّكَ قلتَ: ”إنّي أريدُ الجميعَ أنْ يَخلصوا، وإلى معرفةِ الحقِّ يُقبِلوا“!!.

     ألِهذا تُطيلُ الأيّامَ، ولا تأتي، بَعْدُ؟!... أَتُريدُ أنْ تُعَمِّدَ الجَميعَ بالحُبِّ، قَبْلَ أنْ يَعودوا إليكَ بِقَصْدِهِم؟!.

     أَتُريدُهم أنْ يعرفوكَ كما عَرَّفْتَنا وَجْهَكَ؟!.

     نحنُ منكَ!! إليكَ!! ولكَ!!.

     في صَمْتِ وَعْدِكَ لنا، إنْ صَمَتْنا!!.

     فَلْتَكُنْ مشيئتُكَ!!.

     لِتَكُنْ مشيئتُكَ!!.

     لتكن مشيئتُكَ!!.      آمين!!!.



الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

9 شباط 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share