صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّالث بعدَ العنصرةِ
أتحبُّني يا بنيَّ؟!.


   ويبقى سؤلُ الأبِ هذا لابنِهِ مولودِهِ من حشاهُ، منتظرًا سِرَّ الإجابةِ، من سرّيةِ الإبداعِ الإلهيِّ وسرّيةِ الإنسانِ في استجابتِهِ للآخرِ الّذي أطلقَهُ من ذاتِه لينطلقَ هو المخلوقُ من حضنِ الرّحماتِ النّورانيّةِ الحنانِ، إلى العالمِ المُجْتزئِ من حضنِ الآبِ المرميِّ في حضنِ الابنِ، ليعيدَ الابنُ سِرِّيةَ الآبِ إليه هو، فيرى بمعرفةِ الرّجعةِ إلى الحبِّ الأوّلِ، سرَّ الحبِّ الّذي لا ابتداءَ ولا انتهاءَ له.

   ويتتالى السّؤْلُ في غفلةِ اللّيلِ وفي صحوةِ نورِ إِصباحاتِ العينِ المتعرِّفةِ على الضّوءِ حولَها بانطلاقَةِ النّورِ الخارجِ من قلبِ اللهِ إلى قلبِ الإنسانِ الابنِ السّاكنِ في حشا الآبِ منذُ بدءِ بداءةِ الآبِ والابنِ والرّوحِ القدسِ!!.

   ما الحبُّ يا أبي؟!... ما السّرُّ؟! يا إلهي... ما الحقيقةُ؟!. ما الحقّ؟!. أين تبدأُ الحياةُ؟! ما الحياةُ على الأرضِ بعيدين عن كيانِكَ الّذي خرجْنا منهُ... بعيدين عن قلبِكَ... بعيدين عن معرفتِكَ في سرِّ ألوهَتِكَ... بعيدين عن أنانا الّذي هو أنتَ!!... بعيدين عن عيشِ حَقِّكَ لأُسائلَكَ... ما حقُّكَ سيّدي؟!.

   حقُّكَ الحبُّ يا إلهي!!. حقُّكَ الصّليبُ!!.

   وحقُّنا فيكَ ربّي، الألمُ الّذي ارتضيناه منكَ لنا، عربونُ حبِّكَ!!.

   هكذا تقفُ البشريّةُ أمامَ حضورِكَ المجيدِ الموقّرِ على الصّليبِ، منحنيةً إلى أعمقِ أعماقِ قلبِها لترفعَ عنها ذلَّ الخطيئةِ الّتي طبَعَتْ خلاصَها بختمِ شرودِها وزناها على سيّدِها وربِّها، لتلقاهُ مُبَجَّنًا على صليبِ الهوانِ الّذي اختارَهُ لأجلِ جبلَّتِهِ وصُنْعِ يدَيْهِ!!.

   في هذا الأحدِ الثّالثِ بعد العنصرةِ وحلولِ الرّوحِ القدسِ على التلاميذِ والمسكونةِ، نهدأُ كلُّنا أمامَ اللاَّمتغيِّرِ، الثّابتِ والّذي لا يزالُ متأرجحًا في أعمقِ أعماقِنا، ينخسُنا كلَّ لحظةٍ ويُسائلُنا... "أتريدُ يا أنسانُ أنْ تعْرفَ المسيحَ؟! إلهًا... ربًّا وسيّدًا؟!. أتريدُ أن تحبَّهُ... أن يسكنَ فيكَ؟!. أن يصيِّرَكَ واحدًا فيه ومعه؟!".

   إذًا، اخلعْ نعلَيْكَ... تمنطقْ عباءةَ الذُّلِّ لتسترَ كبرياءَ عُريِكَ واذهبْ إلى ربِّكَ لتجدَهُ مدمًّى، مطعونًا، مُدانًا لأجلِ خطيئتِكَ الّتي أنتَ جَرَرْتَهُ إلى الصّليبِ ليحملَها لكَ، عنكَ، مقدِّمًا نفسَهُ حَمَلاً ذبيحًا لأجلِكَ!!.

   صُلِبَ ربُّ الكونِ على الصّليبِ ليعلِّمَ "بطرسَ" الحبَّ الكاملَ الّذي ارتضاهُ للمسكونةِ والسّاكنينَ فيها!!...

   هكذا سألَ يسوعُ تلاميذَهُ مُظهرًا لهم نفسَهُ من بعدِ ما قامَ من بين الأمواتِ، رعايةَ خرافِهِ!!. لكنَّ الرّبَّ أكّدَ أنّ لا رعايةَ من دون حبٍّ... وليس من حُبٍّ إلاّ على الصّليبِ وفي الصّليبِ، ولأجلِ الصّليبِ!!.

   ما الصّليبُ؟! ولِمَ الصّليبُ؟!...

   رَبَطَ الرّبُّ يسوعُ الصّليبَ بالحبِّ!!. هكذا ولهذا وضعتِ الكنيسةُ الإنجيلَ الأوّلَ بعد العنصرةِ تحت ختمِ الاعترافِ بالابنِ ربًّا وإلهًا، ولكنْ بشرطِ حملِ الصّليبِ للاقترابِ منهُ واتّباعِهِ!!.

   اليومَ تتكشّفُ لنا العلاقةُ التّراتبيّةُ الّتي للثّالوثُ في الطّبيعةِ البشريّةِ!!...

   والشّرطُ للانضمامِ إلى حلقةِ الحبِّ الثّالوثيِّ هذه، هو، بدءًا، العيشُ وتعلُّمُ النّطقِ للاعترافِ بالإلهِ أمامَ النّاسِ!!...

   ويبقى التسآلُ: أنُصدِّقُ أنَ الاعترافَ بالابنِ أمام الآبِ هو الاعترافُ بانجازيّةِ الكنيسةِ في تركيبِها وترتيباتِها، لتصيرَ مؤسّسةً تضمُّ أناسًا لبسوا بذلةَ القتالِ كالجنودِ الّذين قالوا نعم للانخراطِ في معسكرِ مجدِ المسيحِ في الكنيسةِ؟!.

   ماذا يريدُ الرّبُّ يسوعُ منّا؟!.

   أنْ نبنيَ له الحجارةَ مؤسّسةً ليحيا فيها، أم نبنيَ له القلبَ والكيانَ موئلاً؟!.

   تاليًا أن نعرفَهُ ونحيا الاعترافَ به كلَّ لحظةٍ من يومِنا وليلِنا!!...

   وكان حَمْلُ الصّليبِ هو العلامةَ للاعترافِ بيسوعَ مختومًا على جباهِنا، وأفواهِنا وقلوبِنا ولحمانِ كياناتِنا ليصيرَ هذا الهيكلُ الّذي نحيا فيه، كيانَ الله الوحيدَ على الأرضِ.

   دالتِ الممالكُ وسقطَتِ العروشُ وتهدّمتْ أعمدةُ الأبنيةِ الّتي حوَتْ الله بين أرجائِها، لأنّ الإنسانَ أرادَ ساعيًا أن تكونَ تلكَ الهياكلُ أمكنةً عظيمةً له هو، يؤمُّ فيها جموعَ المصلّين ويُحيي البشرَ بلمعانِ عزِّ وجلالِ المظهرِ، تاركًا في الأغلبِ كلَّ قلبٍ مجرّحٍ، منحطمٍ على عتباتِ الملكوتِ شحّاذًا!!.

   قال الرّبُّ: "من منكم يُبكّتُني على خطيئةٍ"؟! (يو ٨: ٤٦).

   ساءل الرّبُّ يسوعُ تلاميذَهُ وتُبَّاعَهُ هذا السّؤْلَ، لأنّهم أغضوا الحسَّ عن معرفةِ الرّوحِ السّاكنِ في قلبِ الإلهِ، تاليًا في قلبِ الإنسانِ!! والرّوحُ ذاكَ هو حسُّ الحبِّ الّذي به يُدْرِكُ كلُّ مخلوقٍ خالِقَهُ فيعرِّفَهُ الخالقُ أنّه وُلِدَ منه، روحًا من روحِهِ وعَظْمًا من عظامِهِ ولحمًا من لحمِهِ!!. وأنَّ الإنسانَ هو الّذي أعطى الإلهَ جسدَهُ هذا التّرابيَّ لينفخَ فيه يسوعُ روحَهُ فيصيرَ أنّ الإلهَ ارتضى أَخْذَ جسدِ هوانِ وذلِّ الأنسانِ، ليأخُذَ الإنسانُ من إلهِهِ روحَهُ القدّوسَ!!.

   "يا بنيَّ أعطني قلبَكَ ولتلاحظْ عيناك طرقي"!! (أمثال ٢٣: ٢٦).

   اليومَ يتكمّلُ الرّوحُ الإلهيُّ في كيانِ الإنسانِ بالحبِّ... والحبُّ بالصّليبِ... ليصيرَ الحبُّ وعنوانُه الصّليبَ، حياةً للكائناتِ!!.

   "من لا يأخذُ صليبَهُ ويتبعني فلا يستحقُّني"!!...

   صبغةُ "الأخذِ" هذه الّتي يفرضُها الإلهُ شرطًا على الإنسانِ، هي إكليلُ العرسِ الموضوعِ على رأسِ العروسِ الواقفةِ إلى يسارِ ربّها، ليرى كلُّ المدعوّين إلى عرسِ "الحملِ"، أنّ العريسَ هو يسوعُ السّاكنُ في الإنسانِ، وأنّ كلَّ شخصٍ قالَ نعم قبولاً ليخطبَهُ الرّبُّ له عروسًا، يصيرُ ويبقى هو الكنيسةَ النّابعةَ من جنبِ السّيّدِ عربونًا لخلاصِها، إنْ بقيَتْ حاملةً سريّةَ الاتّحادِ الكيانيِّ العميقِ بسيّدِها إلى الأبدِ وحتّى مجيئِهِ الثّاني في مُلكِهِ الممتدِّ من الأزلِ وإلى الأبدِ... آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

29 حزيران 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share