بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الرّابع والعشرون
بعد العنصرة.
مُختصَرُ الحبِّ
الصّليبِ!...

إلى الأب "يونان"
يومَ لبسِهِ تاجِ الحبِّ بالصّليبِ!...


   "أخلى ذاتَه آخذًا صورةَ عبدٍ، صائرًا في شبهِ البشرِ"...

   هكذا ماهى السّيّدُ الرّبُّ الإلهُ الابنُ يسوعُ المسيح من الإلهِ الآبِ ذاتَهُ بالإنسانيّةِ، أي بالإنسانِ الّذي هو أبدعَهُ، ليصيرَ شبهَنا في الهيئةِ كي نتعرّفَهُ فنعرفَهُ، لا جبّارًا متسلّطًا، لكن قريبًا لنا منّا كَنَفَسِنا، كبؤبؤِ عينِنا، كلهثِ روحِنا، فنهرعُ إليه، لا لنقدِّمَ له الذّبائحَ الوثنيّةَ لشراءِ رضاه... بل بحبِّهِ لنا وبوصاياه، نُقبلُ إليهِ مقدّمين له روحَهُ الّتي زرعَها فينا قائلين بصدقيّةِ حبِّهِ لنا وامتدادِنا إليه على صليبِهِ: "الّتي لكَ ممّا لكَ نقدّمُها لكَ على كلِّ شيءٍ ومن جهةِ كلِّ شيءٍ"...

   مائدةُ حبِّ الإنسانِ لربِّهِ هي روحُ قلبِهِ المفرَعِ من الحملِ المذبوحِ على مائدةِ الثّالوثِ، لنأكلَهُ: ... "خذوا كلوا هذا هو جسدي... اشربوا منه كلّكم هذا هو دمي".  هكذا امتدَّتْ مائدةُ الحبِّ الثّالوثيّ... مائدةُ الحملِ الذّبيحِ يسوعَ منذ بدءِ البدءِ، ليحيا الإنسانُ من الأكلةِ الوحيدةِ كلَّ عمرِهِ...

   "هوذا عبدي يتعالى ويرتقي ويتسامى جدًا"....

   قبلَ التّجسّدِ الإلهيِّ لخلاصِ البشريّةِ على الصّليبِ، كانت الخليقةُ كلُّها تتفاخرُ بمحتدِها، والنّاموسيُّ بمعرفتِهِ للقوانينِ، وكلُّ الكونِ يعلو فوقَ حسِّ قلبِهِ، ليُميتَ ضميرَهُ، متّكلاً على سيرةِ آبائِه وأجدادِهِ، على انقداحِ عقلِهِ بفذلكاتِ  العلمِ واختراعاتِهِ، متناسيًا أنّ هناك شريحةً بشريّةً تسعى عمرَ توبتِها مجاهدةً، لتستأهِلَ وضعَ قربانِها على مائدةِ الحملِ، حيث ذُبحَ هو مرّةً وإلى الأبدِ على مذبحِ الحبِّ الإلهيِّ للإنسانِ...

   اليومَ في تسآلِ الإنسانِ العارفِ والمدّعي والمتفذلكِ، الإلهَ: "ماذا أعملُ لأرثَ الحياةَ الأبديةَ؟!"... يُجيبُ يسوعُ بكلمتِهِ الفصلِ مسائلاً النّاموسيَّ مجرّبَهُ... "كيف تقرأُ؟!"... "ماذا كُتبَ في النّاموسِ؟!"...

   وأجابَ الفتى النّاموسيُّ بصدقٍ حتّى يُعَرِّفَ المعلّمَ أنّه يعرفُ النّاموسَ، وأنّه حافظُهُ عن ظهرِ قلبِهِ...

   "أحبِبْ الرّبَّ إلهَكَ من كلِّ قلبِكَ ومن كلِّ نفسِكَ ومن كلِّ قدرتِكَ ومن كلِّ ذهنِكَ... وقريبَكَ كنفسِكَ"...

   "بالصّواب أجَبْتَ... اعملْ ذلك فتحيا"...

   اليومَ تصيرُ كلمةُ الإلهِ نبراسَ وناموسَ حياةِ الإنسانِ، ليعيَ أنّه كلّما اتّجهَ إلى الإلهِ بالصّلاةِ أو بطلبِ احتياجاتِ قلبِهِ أو نفسِهِ أو جسدِهِ أو روحِهِ: عليه أن يعيَ ثالوثيّةَ العلاقةِ مع الإلهِ... "أحبِبْ الرّبَّ إلهَكَ... أحبِبِ قريبَكَ كنفسِكَ"... الإنسانَ بالإلهِ، بالآخرِ!!...

   ولا يتركُ يسوعُ كلماتِ الوصايا الإنجيليّةِ، والكتبِ والنّواميسِ المعطاةِ للإنسانِ، إلاّ بإدخالِهِ بابَ الحبِّ المفتوحِ أمام مخلوقِ الإلهِ وصنوِهِ في فهمِ وعيشِ الكلمةِ الإلهيّةِ... أمّا الإنسانُ الّذي نسيَ وجهَ الإلهِ المدمّى، لكثرةِ ما نظرَ وجهَهُ هو في مرايا حسِّه البشريِّ، فيدعوه إلى التّوبةِ، إلى حَمْلِ الصّليبِ كي لا يُسقطَهُ الشّرّيرُ في الجحيم...

   اليومَ الله الآبُ يأمرُ الإنسانَ بالحبِّ لخلاصِهِ!!...

   "كيف تقرأُ؟!". كان هذا هو السّؤالَ الأوّلَ والأخير!!.

   ماذا قصدَ الرّبُّ يسوعُ بسؤالِهِ: كيف تقرأُ؟!...

   كيف؟!... أَنظرُ الأحرفَ، أربطُها ببعضِها البعضِ كما تعلّمْتُ في المدرسةِ أو عند الكُتّابِ... ثمَّ أُخرجُ الأحرفَ من فمي، فتصيرَ الكلماتُ مسموعةً، مقروءةً، مفهومةً ليبقى التّطبيقُ هو الهمَّ الوحيدَ للإلهِ مع الإنسانِ.

   "أخلى ذاتَه آخذًا صورةََ عبدٍ، صائرًا في شبهِ البشرِ"...

   كلُّنا قرأنا هذا القولَ... حفظناه... أذعناهُ على الملأ... علّمناه بعد أن تعلّمناه... لكنَّ حياةَ الإلهِ فينا بقيَتْ غائبةً عن حسِّ قلوبِنا... لماذا؟!... لأنّ الإنسانَ يقرأُ الحرفَ كما تعلّمَهُ من البشرِ معلّميه، لا من الإلهِ خالقِهِ ومدبِّرِ حياتِهِ على الأرضِ...

   الأحرفُ لا تتنفَّسُ... لا حياةَ فيها بمطلقِها... في ذاتِها... الأحرفُ تحيا معناها....

   كلُّ إنسانٍ يسمعُ ويقرأُ كما هو يريدُ... نعم، كما هو يريدُ!!. ولا يعودُ إلى الرّوحِ الّذي كُتِبَتْ فيه الأحرفُ... من يكتبُ الأحرفَ؟!... ما هي الأحرفُ؟!....

   "روحُ الرّبِّ عليَّ... مسحَني لأُبشِّرَ المساكينَ"...

   كلُّ حرفٍ لا يُقرأُ بروحِ الرّبِّ، يبقى، بل يصيرُ حرفًا لا حسَّ فيه، يبقى حرفًا كتبَهُ الإنسانُ غيرَ مُسْتَمدِدٍ إياّه من روحِ الرّبِّ...

   أين نلقى روحَ الرّبِّ؟!... لنتبعَهُ؟!...

   "بالصّليبِ أتى الفرحُ لكلِّ العالمِ!!". بالمذودِ الّذي طُردَ إليهِ الإنسانُ الّذي ادّعى أنّه عرفَ الإلهَ أو هو يعرفُهُ الآن في ملءِ ملئِهِ...

   "من هو الإنسانُ حتّى تذكُرَهُ... أو ابنُ الإنسانِ حتّى تفتقدَهُ؟!. أنقصتَهُ قليلاً عن الملائكةِ... بالمجدِ والكرامةِ كلّلتَهُ"...

   اليومَ العرسُ يصيرُ عرسَ كلِّ البشريّة، مُزوِّجةً نفسَها لعريسِها الختنِ الإلهيِّ.

   أين مجدُ الإنسانِ في نتنِ هذا العالمِ؟!... في كذبِ بهرجِهِ... في حقارةِ طمعِهِ؟!... في ادّخارِهِ الأذى لأخيهِ الإنسانِ حسدًا، كان من يكونُ... في استكبارِهِ لتطويعِ ما يحياه لذاتِهِ حتّى يستكبرَ بذاتِه... بأناه... بسلطويّتِهِ... بمالِهِ... بعلمِهِ... بجمالِهِ... بمعرفتِهِ... بمركزِهِ... ليقولِ النّاسِ عنه أنّه عظيمٌ وأنّه السّيّدُ على هذه الأرضِ وأنّه الأفضلُ والأفهمُ والأعلى شأنًا... فيهرعوا لعبادتِهِ...

   هكذا جعلَ السّقوطُ الإنسانَ يمجّدُ ذاتَهُ حتّى لا يفنى ذكرُهُ حتّى على صليبِ الحبِّ...

   الأنا البشريّةِ تقتلُ الرّوحَ، تاليًا، تقتلُ الإنسانَ والإلهَ الإنسانَ...

   وإذ يصلُ الإنسانُ إلى الدّركِ هذا، والدّرجةِ هذه من الغباءِ والادّعاءِ... يطردُهُ الرّبُّ ليس من فردوسِهِ، بل من إنسانيّةِ الإلهِ الحاملِ وجهَهُ جاعلاً له وجهَ القردِ والشّيطانِ ملبسَهُ قناعَ الموتِ الّذي يبُثُّ الموتَ، بل هو ملءُ الموتِ، حولَهُ، لأنّه هو اختارَهُ عوضًا عن ربِّهِ!!. عن قريبِهِ...

   "من قريبي؟!".

   لا قريبَ لي إلاّ الإلهَ الإنسانَ المعلّقَ على الصّليبِ الّذي علّقَهُ شعبُهُ عليه، بالشّيطانِ الحسودِ، بالإنسانِ المدّعي أنّه يعرفُ الإلهَ!!...

   وكان لا بدَّ للشّيطانِ أن يكونَ ما دامت روحُ الإنسانِ الحقِّ أي روحُ المسيحِ يسوعَ الممسوحِ فتُرتْ فيه، بل اختفَتْ تحتَ قناعِ السّلطةِ وحبِّ المالِ والبهرجِ، مختبئةً بين طيّاتِ كتبِ التّاريخِ وكلِّ ما أبدعَهُ عقلُ الإنسانِ من فذلكةٍ، ليقتلَ وجهَ يسوعَ المسيحِ المدمّى على صليبِ الحبِّ لخلاصِ البشريّةِ...

   ربّي أين وجهي الّذي من وجهِ يسوعَ؟!. أسَرقَهُ الشّرّيرُ منّي؟!...

   "وجهَكَ يا ربّي أنا ألتمسُ"... وجهُكَ الّذي من وجهِ النّورِ المشعِّ في ظلماتِ سقوطِنا الّذي بتنا فيه ومنه نتكلّمُ عنكَ مصلوبًا، من دون حَمْلِ وجَعِكَ في حشا أرواحِنا...

   اليومَ يقفُ الإنسانُ، لكونِهِ السّاقطَ، فيصيرَ "السّماعُ" مبدأَ الحريّةِ الّتي يطلبُها الإنسانُ من ربِّهِ، حين يعرفُ قصدَهُ الحقيقيَّ بأنّهُ لن يعودَ إلى الخطيئةِ بعد، وأنّه سيَجبُلَ التّرابَ الّذي من أرضِ الأحياءِ، ليغمِّسَه بدماءِ جنبِهِ المطعونِ بحربةِ عنفوانِه أمام وجهِ ربِّهِ لا بدمِ مسيحِهِ...

   اليومَ يعودُ الحبُّ الإلهيُّ إلى الإنسانيّةِ، إذ يكشفُ الرّبُّ يسوعُ مِلْءَ الملءِ الّذي حملَهُ طولَ الأيّامِ، ليقرضَهُ للإنسانِ الّذي عادَ من فحشائِهِ ليبحثَ عن الصّمتِ الإلهيِّ في قلبِ الإلهِ وقلبِ الإنسانِ المتألّهِ بالنّعمةِ المتنزلّةِ إليه وعليه بالحبِّ المعلّقِ على صليبِ المجدِ... هناكَ على الصّليبِ يحيا المصلوبُ مصداقيّةَ حبِّه للإنسانِ صنوِه متمتمًا: "اغفرْ لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون"...

   اليومَ بهذا الغفران، يخلصُ الإنسانُ بدم مسيحِه المطعونِ له بالغفرانِ...

   اليومَ بتبتُّلِ الإنسانِ أمام سرِّ حضرةِ الإلهِ الخلاصيّةِ، يصمتُ الحبُّ، حاملاً كلَّ تمتماتِ الخطيئةِ منذ بدءِ التّاريخِ وإلى اليومِ ليقدِّمَها على مذبحِ الصّليبِ، فيرفعَهُ يسوعُ الإلهُ الإنسانُ المصلوبُ إلى ذاتِهِ يماهيه بذاتِهِ.... يحبُّه حتّى المنتهى...

   هكذا يحبُّ الابنُ الإلهيُّ مخلوقَهُ الإنسانَ يُماهيه بذاتِه، لتصيرَ ذاتُ الإلهِ، في مصلوبيّتِهِ، واقعَ وحقيقةَ وحقَّ الإنسانِ كي لا يفنى في موتِه، بل بصليبِ مسيحِهِ، يصيرُ الإنسانُ المصلوبُ إلهًا متألِّهًا بالإلهِ المُتأنسنِ عن جهالاتِ كلِّ الشعوبِ الّتي عرفتْه والّتي لم تعرفْه ربًّا، لتهرعَ إليه، حبًّا من حُبِّ الإلهِ، ووجْدًا من وجْدِهِ... روحًا من روحِهِ وقيامةَ مصلوبٍ من صليبِ الخالقِ للمخلوقِ، حتّى يتألّهَ مرّة وإلى الأبدِ بالحبِّ الإلهيِّ له...


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

15 تشرين الثاني 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share