من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثامن والعشرون بعد العنصرة
عشاء الإنسان الإله العظيم


     في مسيرة حياة الإنسان، يُدعى مرّة واحدة ، إذا كان مُختارًا، إلى عشاء الملك!! والعشاء اليوم عظيم!! والدعوة للمختارين، الّذين أَحبّهم الملك وأَطلقهم بالبركة ليحيوا عمرهم ”موفّقين“ في صنائع أيديهم، الّتي هي فعل تقديم حياتهم للرّب قائلين: ”الّتي لك ممّا لك أقدمّها لك على كلّ شيء ومن جهة كلّ شيء“.

     الجميع في إنجيل اليوم تلقّوا الدعوة، لكنّهم أكملوا نهاراتهم ولياليهم كأنّهم غير مدعوّين!!. لم يتوقّفوا ليُسائلوا فكرههم وحسّ قلوبهم، لماذا أنا مدعوٌ؟! لماذا إختارني الملك؟! ما أنا إلاّ إنسانٌ عاديٌ!! لم أدخل، في حياتي، بلاطات الملوك ولا قصورهم ولا عرفتُ عن دواخل حياتهم شيئًا!! أعرف أنّهم أغنياء ولهم عشراؤهم وأنّنا نحن الشعب العادي، لا يهمّهم أمرنا كما أنّنا نحن لا نخالطهم!!.

     لكنّ الدعوة وصلت بيد وكلاء الملك الّذين ركبوا أحصنة مطهّمة مجنّحة وانبثّوا في أصقاع الأرض كلّها، في مملكة الملك، حكمِه وأرضه. ليَسْمَع تبويق أبواق صوتهم كلُّ الّذين لهم أذنان للسمع ليسمعوا!!.

     وأتتِ السّاعة!! حلّ ملء الزّمان!! وقف الخدّام حول الموائد وإلى الأبواب يستقبلون شعب الله الّذين اختارهم الملكُ الإنسان، ليدخلوا فردوس مملكته ويتذوّقوا نعيم مجده وإنعامات عطاءاته وطيب مأكله ومشربه.

     وخرج الملك من خدره في جلال طلّة مجده... عن يمينه أمّه الملكة مزيّنة بالحليّ والذهب وحرير الملبس مستندة بيدها على امتداد ذراعه!! نَسْران خرجا من خبائهما العجيب، ليظهرا للمدعوّين لأوّل مرّة!! وخافت، خافت مليكة الأرض والسّماء أن يستهيبها النّاس فلا يتقدّموا إليها بوداد القلب، فانفصلت عن الملك بعد جلوسه على كرسيّ حكمه، مهرولةً لتُعِدَّ ما قد نَقُصَ من الإحتفال للعشاء!!

     وانتظرا!! انتظرا طويلاً ولم يبدأ المدعوّون بالوفود إلى دارة الملك، إلى قصره، مع والدته وملائكته!!.

     فصرخ بالعبيد: اخرجوا، أَسرعوا وادعوهم مجدّدًا !! امتلأتِ الجرار بالخمر المعتّقة وذبائح الحملان الحوليّة تنتظر غسل الأقدام بدمها، حتّى يدخل كلّ الكلّ إلى بلاط الملك، ذبيحة جديدة يقدّم فيها نفسه عن نفسه وعن خاصّته!.

     حمل المرسلون إصرار الدّعوة الجديد إلى شعب الملك، ”فطفق كلّهم واحد فواحد يستعفون“!!.

     كيف؟! أممكن أن لا يتكهرب عقل وحسّ وقلب الإنسان لصوت دعوة ”الإنسان“ الملك له، ليأتي مهرولاً داخلاً إلى بيته كواحدٍ من أخصّائه؟!.

     هل ماتت كرامات الإنسان في كيانه، فلم يعد ينتفض في عمق أعماقه لكلمة الرّوح، لصوت الإله الملك، للسّعي والرّكض إلى أحضانه بعد انتظار لحظة الاتحاد هذه، إذ يدخل فيها بما فيه من تعب وإحباطٍ وخطيئةٍ ودموعٍ ليقبّل يديّ ورجليّ ملكه وأمّه قبل الجلوس إلى مائدتهما المعدّة له ولكثيرين معه وحوله. أم يبقى في بلادة حسّه بعد انطفاء نطفة الرّوح، ناظراً حوله إلى حقوله وأبقاره وعرس جسده، ناسيًا أو متغافلاً، أنّ الدعوة هذه ربّما لن تتكرّر أيام عمره!!.

     هكذا وفي قول كلمة الحكم الواحدة، ألقى الإله الإنسان الملك دينونته على الّذين يتهاونون في السّماع وفي طاعة صوت حبّه للمجيء إليه والدّخول إلى عشائه وأكل خبز جسده وشرب خمر دمه، للوفود عند الفجر إلى شغاف قلبه، إلى خدره، ليصير واحدًا معه وفيه.... له!!.

     وصوّت أيضًا الملك: ”اخرج إلى الطرق والأسيجة واضطررهم إلى الدّخول حتّى يمتلئ بيتي، فإنّي أقول لكم إنّه لا يذوق عشائي أحد من أولئك الرّجال المدعوّين... لأنّ المدعوّين كثيرون والمختارين قليلون“.

     أهذه هي كلمتك الأخيرة يا رب؟!.

     أهذا حكمك الّذي لا رجعة عنه؟!.

     ربّي، سيّدي وإلهي اسمعني!! لأنّي أنا الآن في السّماع إليكَ وحدكَ!!.

     أنت اخترتني! خلقتني!.

     جبلتني وكلّ مخلوقاتك من أديم الأرض الّتي أنت أبدعتها نافخًا فينا كلّنا روحَكَ القدّوسّ!!.

     لكنّنا كلّنا سقطنا وأثمنا ولسنا بأهلٍ لأنّ نرفع أعيننا وننظر إلى علو سماء مجدك.

     سامح جُرأتي على رفعِ صوت قلبي مرّة ومرّات إليكَ عن شعبي الّذي اقتنيتَه بِدَمِك.

     في تذكار أجدادنا القدّيسين الأبرار (البروباطورن) الّذي رتّبته الكنيسة هذا الأحد قبل الأحد الّذي قبل الميلاد والّذي سُرِدَ لنا في الإنجيل من متّى البشير، نسب يسوع، المسيح!!.

     أسائلك، من نحن يا الله لكَ في السّلالة؟!.

     أولادك الضالّون الّذين ساوَمْنا وما نزال نساومك الحياة والمسلك وحتّى وصاياك في كلمتك الّتي أنت هي!! الّتي كانت وهي كائنة وستكون إلى الأبد!! كتبناها لنعرف أنّنا لكَ، لكنّنا ما عشنا روحك فيها ولا وصاياكَ!!.

     سامحنا وعمرنا الّذي غمَسناه بكذبة رجائنا منك وإليكَ!!.

     ليس من خطيئة إلاّ ارتكبناها نحن شعبك!! مَوَّهنا عرائضَ وإشارات حبّك لنا!! خذلنا معرفتك بسرّ سقوطنا وما نزال نحتال بكلمات وأقوال لا بفعل الإنكسار عند قدميك، راجين سماحك يا الله، يا ربّنا!!.

     أنكرناكَ بين الأمم وفي المدائن ومع الشعوب وخجلنا بكَ مسيحًا فقيرًا، لا سؤدُد لكَ ولا مال ولا عربات مطهّمة بالذّهب!! فبصقنا على الفقراء لننسى أنّنا فقراء إليك!! واعتمرنا قلاليس بعضنا البعض لنزهو بأثواب كهنوت كنيستك!! دخلنا قصورك وتركنا شعبك خارج البيعة لننسى!!.

     نعم يا سيّدي لننسى أنّنا مصلوبون، وأنّك اخترتنا، لصليب حبّكَ!!.

     من يخلفك يا ربُّ على كراسي مَجْدِ كنيستكَ؟!.

     الزناة، العشّارون، المُغْوَوْن بالمال والسّلطة وإدارات العالميّات؟!.

     سامحنا كلّنا نحن الّذين نصرخ ألمنا منهم وخوفَكَ!!.

     نحن نريدكَ أنت بصليبك سيّدًا إلينا وعلينا!!.

     فأرْسِلْ يا ربّي روحك القدّوس الّذي وعدت أنّه يبقى معنا إلى الأبد واحكم قلوبنا، بيوتنا، كنائسنا ومدائننا!! مؤدّبًا المُغْوين والسّراق والمتكبرّين!!.

     تعبنا يا ربّي تعبنا خوفًا على أولادنا... على خلاصنا وعلى الّذين يتسابقون إلى ”سؤدُدِ“ كرسي مجدكَ وحكمكَ، الّذي ما عرفوا أنّه هو الحبّ لكَ وللقريبِ والعيش بصدق طاعة وَعْدِكَ لنا بأنّ نجعل كلّ شعبنا إليكَ أنت، لا إلينا!!.

     في زمان استحقاقات كنيستنا اليوم نصرخ إليكَ ألاّ تصرف وجهك عنّا!! بل التمس قلب وكلمة الّذين حييوا بأمانة وصدق وصمت وصاياك وكلمتك!!.

     وكلّمنا كلّنا بحضورك في أمانة الحبّ والإصغاء والطاعة لكَ!!.

     أيضًا وأيضًا نناديكَ، نستميحكَ، ارحم ضعفنا وتعال يا ربّنا تعال واحكم فينا بحضورك. آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

16 كانون الأول 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share