روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل
"كورةُ" القلبِ البشريِّ
ونــورُ المســيـح ..!!..

   إلى الآن ما زالَ يسوعُ يجولُ في "تخومِ المسكونةِ"، ليشفيَ كلَّ مرضٍ وكلَّ ضعفٍ في الشّعبِ!!...

    هكذا أَدخلَ يسوعُ النّورُ، نورَ حضوره إلى "كورةِ الجرجسيّينَ" المظلمةِ، وهي معروفةٌ أنّها مقامٌ يمرحُ فيهِ الشّيطانُ مختبئًا في القبورِ ليصطادَ كلَّ عابر دَرْبَهُ، ومارٍّ من هناك، إذ كان يخيفُ كلَّ إنسانٍ يتجرّأُ عليهِ من بني البشرِ بعبوره في أُفُقِهِ، ليدخل فيه، يدنّسه ليصير جنديًّا له، وإذا رفض، يُعِلُّهُ ويميتُهُ من بعد، بقتله..!!..

    إلى هناكَ حضرَ الرّبُّ ليواجِهَ ذاك الوقِحَ الّذي ما زالَ يسعى لتدميرِ مملكةِ الرّوحِ القدسِ على الأرضِ ليُلغي تاليًا، المسيحَ الحاضرَ أبدًا ليُخلِّصَ ما قد هَلَكَ من أبنائه فلا يستولي الشّيطان على خرافه ليذبحهم، ويشويهم ويأكلَهم، طعامًا له..!!..

    لذلك تجسّد الإله الرّبّ "إنسانًا" لا يأكل ولا يشرب كثيرًا، ولا يعاقر الخمر، ولا يبني أبراجًا وقصورًا ليسكن فيها ..!!..

    أتانا لابسًا ثوب الفقرِ والجوعِ والعري ولم يدافع أو يدفع الشرّ عن ذاته، إذ تحلّق حوله شعبه، خوفًا منه، فأَجابوا الصّراخ:

- أنصلب مليككم.؟!.

- ليس لنا ملك، إلّا قيصر..!!..

   ها الحربُ بين الخيرِ والشّرِّ تُرسي قواعدها على الأَرض، بل في الكون كلّه...

    كلُّ ما تراهُ العينُ وما تسمعُ به الأذنُ في العالمِ... وكلُّ ما يستنبطُهُ عقلُ العلماءِ من  اختراعاتٍ... حتّى كلُّ رغدٍ في العيشِ والبحبوحةِ، يَرْبُضُ في خلفيّتِها كلِّها الهمُّ والتّوقُ لإثبات الوجود، وللحكم بالقول والفعل والكلمة المنطوق بها في فم القلب، المولودة مع كلّ طفل يولد ويعمّد على اسم الآب والابن والرّوح القدس..!!..والدّافعُ يبقى... إلغاءَ وقتلَ روحِ المسيحِ!!..

    ويبقى أنّ البعض لم يولدوا من قلب المسيح بل من القبور وفيها بسبب والديهم أو بسبب الأب أَو الأم.!..

    في قلب إنسان اختبأَ الشيطانُ فصار اليوم لنا حكاية إنسانَينِ ساكنَينِ المقابرَ...

    اختبأَ الشّيطانُ فيهما ليواجهَ المسيحَ الرّبَّ واقفًا أمامَه، ناظرَهُ في عينَيه!!.

    أنتَ المسيحُ الرّبُّ وأنا عدوُّكَ الآكلُ أولادَكَ!!.

    هذه جسارةُ الشّيطانِ، إذ خرجت الشّياطين، لتستقبلَ يسوعَ بمجنونَين خارجَين من القبورِ شرسَينِ جدًا... حتّى لم يكنْ أحدٌ يقدرُ أن يجتازَ من تلكَ الطريقِ!!.

    هكذا استملَكَ الشّرّيرُ المكانَ وصارَ سيّدَه، يمنعُ من يمنعُ ويقفُ في وجهِ كلِّ من لا يريدُهُ أن يمرَّ من تلكَ التّخومِ... إستَمْلَكَ الشّرّيرُ الأرضَ الّتي كانتْ مِلْكَ الإلهِ!!.

    لم يكنْ أيّ إنسانٍ قادرًا على أن يمرَّ من هناك.!!. التزم الشرّير الأَرض المعبر... قطع الطّريق على المارّة... حوّل مَسيرةَ الإنسان ليغتاله خفية، خارجًا من قبره...

    أرضُ الإلهِ الّتي خلقَها للإنسانِ صارتْ أرضَ الشّيطانِ، الّتي ملكَ فيها ظانًّا أنّه هكذا يسحقُ الإنسانَ ملغيًا الإلهَ.!!...

    هذان الرّجلانِ خرجا من التّخومِ المُعْتِمَةِ المظلمةِ.!!. تخومُ الموتِ والقبورِ الّتي يختبئُ فيها روحُ الشّرِّ، بل الشّرّيرُ ذاته، الأَشرسُ بأَعداد كثيرة، ليَسحَقَ وجهَ المسيح المخلّص.!!.

    هكذا خرجَ الرّجلانِ الحاملان الشّياطين وصاحا قائلَين: ما لنا ولكَ يا يسوعُ ابنَ الله... أجئتَ إلى هنا قبلَ الزّمانِ لتُعَذِّبَنا.؟!...

    الرّبّ لم ينادهما..!!.. الإلهُ مرَّ فقط... كان عابرًا ببساطة... لكن، حيث يضع يسوع قدمه فهو يقدّس المكان والزّمان..!!..

    هكذا يختلطُ الحسُّ ويلتبسُ حيث يسكنُ الرّوحُ.!!. روحُ الخيرِ أو روحُ الشّرِّ!!!... من تكلّمَ هنا؟! الإنسانُ أم الشّيطانُ.؟!...

    أهَلْ بالرّوحِ الشيطانيِّ السّاكنِ الإنسانين، عرفَا الإلهَ؟!... من يعرفُ الإلهَ، إلاّ روحُ الرّبِّ السّاكنِ في الإنسانِ.؟!. وإلى أيّ حدّ يعنف الشرّير إن نظر وجه الرّبّ...

    إذًا، روحُ الشّرِّ... بل الشّيطانُ عينُهُ صاحَ للإلهِ معرِّفَهُ ذاتَهُ.!!...

    ألمْ يعرفِ الإلهُ بوجودِ ذاكَ الرّوحِ المدمِّرِ الإنسانَين ولو بواحدٍ حتّى تبعَهُم إلى كورةِ الجرجسيّين، حيث منعَ الشّيطانُ الإنسانَ من أن يكونَ ويتواجدَ إلاّ من خلالِهِ... إلاّ به؟!...

    همُّ الشّيطان "إِفساد" الإنسان، كلِّ إنسان، وخاصّة الإنسان الإلهيّ الشرّير ابتغاء إِحكام قبضته على الإنسان، خاصّة المعَمَّد على اسمه-وله-..!!..

    اليومَ، الرّبُّ يسوعُ أتى إلى "كورةِ الجرجسيّين"، بل إلى "كورةِ القلبِ البشريِّ".!!.. أتاهُ عارفًا بحضورِ الشّرِّ فيه والشّرّيرِ طبعًا، ليخلِّصَ الإنسانَ من ربقةِ ميله إلى الفساد المتحكّمِ فيه... في قلبِهِ، كي لا يستطيع التّمييز بعد بين الشرّ والخير... بين ما هو إلهيّ وما هو من ملاك الشرّ الجحيميّ كيانه وقصده وفعله.!!.

    وكان على الفداءِ أن يحصلَ، اليومَ، في "الكورة"، في قلبِ كلٍّ منّا.!!...

    اليومَ صارَ الموتُ أجرةَ الحياة للفداءِ.!!. إذ موتُ الخنازير، وفي سُكنى الشّياطين فيها، صار عربون الشّفاء للإنسانيّة المتمثّلة في "إنسانَين"...

    وحدَهُ الرّبُّ يسوعُ يرفعُ الفداءَ نبراسًا ليقتدي به الإنسانُ.!!. الموتُ لعبةُ العالمِ الشّرّيرِ وكذبةُ الشيطانِ، أميرِ هذا العالمِ، ليُبعدَ أيقونةَ وجهِ وروحِ وقلبِ المسيحِ،  في الكياناتِ الّتي خلَقَها الإلهُ من نفحةِ روحِهِ القدّوسِ.!!.

    لماذا لا تسمعُ الأذنُ صوتَ يسوعَ في نسيماتِ الصّباحِ، أو في دبيبِ النّملِ السّاعي إلى استكمالِ سعيِ يومِهِ، أو في غنوةِ خريرِ مياهِ السّواقي الحاملةِ الماءَ من ثلوجِ الجبال إلى سواقي الأرضِ المشقّقةِ بالعطشِ، المنتظرةِ لمسةَ حنانِ الشّفاءِ والفرحِ.؟!...

    ألا يحقُّ للإنسانِ بعد افتداءِ الرّبِّ له في بشريّتِهِ السّاقطةِ أن يتخطّى حزن الموت إلى الفرحَ؟!... إلى ذاتِهِ المقيمةِ في المسيحِ.؟!.

    هنا تكمنُ الحربُ في الكونِ!! في قلبِ ابنِ الله، في ضمير وحسِّ الإنسانِ.!.. إلى تلك الأبعادِ البشريّةِ الإلهيّةِ يحاولُ الشيطانُ أن يدخلَ ليدمِّرَ صورةَ وجهِ المسيحِ المرتسمِ في مُحَيّا كلِّ مخلوقٍ يرفعُ أصابعَهُ ليرسمَ علامةَ صليبِ الخلاصِ على جبينِهِ، ووجهِهِ، والكتفَين!!...

    بهذه العلامةِ نحن نغلبُ!!... وبهذهِ العلامةِ يدحَضُ الإنسانُ بوعيٍ حضورَ الشّرِّ والفكرِ الشيطانيِّ من قلبِهِ، حسِّهِ، روحِهِ والجسد!!...

    وتكلّمتِ الشّياطين!!... تحرّكتِ الفرقةُ كلُّها لطلبِ الهربِ للقتلِ... قتلِ الخنازيرِ... ولإماتتِها!!... هكذا افتدَتِ الخنازيرُ الإنسانَ..!!..

    هكذا هو حضورُ الشياطينِ في العالمِ..!!.. بالكذبِ... بالموتِ... بالدّمارِ!!. وكان الشّكرُ ليسوعَ أنْ طردَهُ أصحابُ قطيعِ الخنازيرِ إذ خرجتِ المدينةُ كلُّها للقاءِ يسوعَ.!.. لا لشكرِهِ أنّهُ شفى إخوتَهم أو أَولادَهم من سُكنى الشّرّيرِ لهم وعذابِهم، بل هم طلبوا إليهِ... إلى المخلّصِ، أن يتحوَّلَ عن تخومِهم... أن يذهبَ عنهم... أن لا يشفيَهم أو أولادَهم بعدُ من سُمِّ الحيّةِ الشّيطانِ!!.

    هكذا يصير اليومَ، هذا هو قصاصُ الإنسانِ للإنسانِ!!...

    نحنُ  نطلبُ البُرءَ!!، نطلبُ الحبَّ!!، نطلبُ الحياةَ والفرحَ ولقيا نورِ المسيحِ ونستجيرُهُ كلَّ فجرٍ.!!.. "هلُّمَّ واسكنْ فينا وطهّرْنا من كلِّ دنسٍ"!!.. ليبقى الدَّنَسُ موئِلَ البشريّةِ المتملِّكةِ قطعانَ الخنازير!!.. وتاليًا في الغنى والمالِ والسّلطةِ وحبِّ الرّئاسةِ حيثُ يسكنُ الشيطانُ في القلبِ، الّذي لا يعودُ موئلًا للتخشّعِ والتواضعِ، بل لِعِشْقِ تجميع المال... وجَمْعِ حتّى الخنازيرِ ولو اختلطتْ بالشياطين، وماتت...

********

    لماذا الجنون.؟!.

    لماذا الشّر وفعله في حياة الإنسان.؟!.

    لماذا الشياطين.؟!.

    من أين نبدأ اليوم.؟!.

    أَمِنَ السّقوط؟! أم من هلاك البشريّة بعد آلاف السّنين من وجودها على الأرض؟!. أم من بدء الحضارات، الّتي لا يضبطها التاريخُ، من أيّامِ إعادة الله خليقته عن غيّها إليه، مُثنى وثلاثًا، مُنتظرًا وسائلاً... هل ٱرتَدَعَت.؟!. هل خبرت موتها وسقوطها في جب إهلاك الشرّير لها إذ ٱتّبعته، ليَجُرَّها إلى ظلماتِ الهاويةِ للاختناق شيئًا فشيئًا في ذاتها، إذ صارت هي جزءًا لا يتجزّأ من حركة الشرّ الكونيّة.؟!.

    اليومَ، صارت البشريّة، في كينونة حياتها، أشرّ من الشّرّير!!. لتَموتَ موتًا من موته هو فيها!!. رغم أنّها لم تفقد التماعاتها الإلهيّة تمامًا...

    اليومَ، تحوَّلَتْ البشريّةُ عن المسيح إذ ٱتحدَت بأعمال وأفكار وحياة الشرّير الّذي صارجزءاً لا يتجزّأ منها...

    هكذا صارتِ الأجيالُ تولِدُ ”الشيطان الشّرّير“، بألف شكل وشكل، ولون ولون!...

    اليومَ، تَلَوَّنَت الحقيقة والحق بمولوديها الجُدُد الّذين صاروا آلهتها... الشيطان وزبانيّته. هم الّذين يحكمون حياة النّاس حولهم، حتّى أنّهم يشرّعون لهم قوانين جديدة من غير التزام للإيمان بالإله فيها، ليحيوا هذا العمر بطيب وسلام.!..

    هكذا اخْتَلَطَ السُّمُّ والقيحُ والمرضُ والسَّقام والكذب والتسلّط على البشر وقمعهم لإبادتهم بإلهائهم عن رفع رؤوسهم، للركض وراء النّور، الحق الإنجيليّ، للوصول إلى الفرح، بل صيّروهم أدوات يخافون المرض والعوز والموت!!.. لذلك أطاعوا أسيادهم لا الإله..!!..

    وفي موتهم هذا، أماتوا الحياة، لأنّهم ٱنجرّوا إلى عدميّتهم.!.. أحبّوا، بل عشقوا الظلمة..!!.. دخلوا في بوتقة العتمة، عتمة أَهوائِهم وأَجسادهم وأَحاسيسهم ، الّتي تتولّد من ذاتها لتُفني ذاتها، لأنّها من الشرّير وُلِدَتْ، في موته فيها ولِولادته منها مرّة بعد مرّة.!..

    إذًا كيف وأين الحياة الحقّ؟!، إن كانت الحياة في ذاتها مائتة، فقد صارت هي موتًا، بل الموت عينه، وذلك بالشّرّير الّذي ٱجترأ عليها من أيّام فردوسها، ليُفنيَها، لأنّ الحيّة الشيطان، بل ملاك النّور البهيّ الّذي سقط من عن وجه الإله، بسبب توقه إلى لُبْسِ الكِبَرِ الإلهي من ذاته وبذاته، لم يهدأ ليقول للإله: أَتريد أَن تمنحني عَظَمَةَ نورِكَ ووجودِكَ؟! لكنَّه ٱجترأ بوقاحة على أهل الأرض وما تحت الأرض.!.. إذ اجترأ على الإله،  رغم أنّه كان في الإله ومعه وعنده حين ٱستعلى مُستكبِرًا تائقًا إلى الألوهة، ظانًا أنّه هو "إله من الإله"، بل هو والإله واحد، بل هو الإله وحده.!!.

    هكذا تولد الكذبة الكبرى بالدّالة والتعدّي لخلق الرّوح الغضبيّة في الإنسان!!. تولَدُ إذ تجمع أَشلاءَ وفُتاتَ الحياة من بطن الأرض وعن وجهها لتقول: أنا من العَدَمِ خُلقْتُ، أَوجدتُ إنسانًا... والإنسانُ هذا سيمتشق الحياة راكبها حصانًا متفلّتًا يطال بجموحه أعلى مجرّات السّماء؛ وفي نزوله، يغرق في طحلبيّة وعتمة أهوائه!.. بل في ذاته المنبثقة من الظلمة وعتمات الموت والإهتراء والدود الآكل وجه الحياة، وجه الشمس والنّور الإلهي الحقيقي، إذا التقى الشرّير مهيمنًا على الرّوح..!!..

    اليومَ، اعتلى الشيطان، ملاك النُّورِ المزيَّفِ، أعالي السّموات، لِيَطَال الكذبة الّتي خلقها... كذبة ربوبيّته وألوهته، وإذ صَمَتَ، وعى فَغَضِبَ، لأنّه أُقفل عليه من الفردوس، بسبب وقاحته وٱستعلائه على روح الإله الخالق...

    هكذا دخل الشيطان ”عنوة“، في الخليقة، إذ صادقَهَا فارشًا أمامها أطايب ومطربات ولمعان كذبته الّتي ألبسها حضارة الإنسان... ليَتَساوى فعلُ الخير الّذي هو الوجود الحقيقي للإنسان، مع الشرّ، الّذي هو بدعة وصرعة وجمال الحضارات الجديدة الفاسقة الكاذبة المستعليّة على الإله.

    اليومَ، أَماتَ الإنسانُ خالقه الّذي أبدعه، وٱتبع ما غرسه الشيطان في وهم فكره، الّذي أحسَّ من خلاله أَنّه ذو جسد حيّ، يَغْوي ويُغوى، يُمثِّل الحبّ وهو ينفث السّمّ الزعاف في ٱبتسامة الكذبة، حتّى يُسقِطَ  الإله من كلّ إنسان أَحسَّه مصلّيًا لأجله وعابده بالرّوح والحق!!.

    هكذا أيضًا ٱنقسم الحبّ!!... تجزّأ الرّوح وعمَّ سقوطُ الخليقة بأسرها!... وكان لا بدّ أن يصرخ الإله!!... ”تعالوا إليّ يا أيّها المتعبون والثّقيلو الأحمال وأنا أُريحكم“ (متى 28:11).

    أين كان الإله؟! لماذا تأخّر في الإستجابة لسماع النّداء، حتّى يخلِّص ما قد هلك؟!.

    البشريّة كلّها هَلَكَت والإنسان عَبَدَها، سَيّدَها على روحه، على سلام قلبه.

    لذلك أتى الإله يسوع المسيح إلى "كورة الجرجسيّين".!..

    فخرج النّاس لاستقباله في مجنونين خرجا من مسكنهما، من الموت، من القبور!!.

    مَنْ يسكن القبور إلاّ الحيّات والدّود والعفونة؟!... قطعوا الطريق على المارّة حتّى لا يمرّوا بها... أحرقوا الأرض، مَقْدِسَ الإله، زارعين فيها كُلَّ ما ورثوه من نجاسة ساكِنِهِم... وإذ أَطَلَّ يسوعُ عرفاه، بل عرفته جمهرة الشياطين السّاكنة في الرَّجُلَين.!.. فصاحا بالإله: "أجئت إلى ههنا قبل الزمان لتعذّبنا".؟!.

    كانوا يعرفون الزمان والإله خالق الزّمان والمكان والإنسان.!.. لكنّهم قلبوا معايير الحياة إلى موت جهنّميّ، لا وعد قيامةٍ ولا حياة جديدة فيه... لماذا.؟!...

    أيّتعذّب الإنسان الحيّ المولود من روح الإله إذا شُفي؟! ”ويل لي من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!“ (رومية 24:7)...

    الإله وحده!!. وصدحت أصواتُ كلّ المُعَذَّبين من أهل الأرض بصراخِ هذين الرّجلين... عذابهم كان أنّهم عرفوه، بل أَحسّوا بشيطانيّتهم بوجه المسيح الآتيهم بروح الحق... أدركوا أنّ ٱختفاءهم بل لبسهم أَجساد البشر وتخليص الإله للأجساد المائتة بهم، لن يميتهم لذا صرخوا: إن كنتَ تُخرجنا، فائذن لنا أن نذهب إلى قطيع الخنازير. ٱذهبوا. فخروجوا وذهبوا إلى قطيع الخنازير فإذا بالقطيع كلّه قد وثب من على الجرف إلى البحر ومات في المياه.

    "الشيطان" حيٌّ منذ السّقوط لحظة أنكر الإنسان ربوبيّة الإله عليه، لذا هو يدخل وعاء الجسد البَشَرّي، أَو فكره، أَو قلبه، أَو كيانه بكليّته وضميره، ليُخَرِّبَ هذا البيت، مَسْكِنَ الإله في الإنسان الّذي دخله... وإذ يطرد الإِله الشّرير، يَرْحَلُ مُنتظرًا أن يعود.!!... وإذ يعود، يجد المنزل مكنوسًا مزيّنًا، فيذهب ليرجع بسبعة شياطين أشرّ منه...

    الشيطان مكانه هذا الكون، كماالإنسان!!... أننسى أنّه واجه الرّب يسوع بعد ٱعتماده في نهر الأردن ليُركِعَهُ لسلطته وفَشِلَ؟!.

    وإذ دخل في قطيع الخنازير، وَثَبَ كلّ القطيع من على الجرف وغرق في البحر!!.

    هل ماتت الشياطين مع الخنازير في مياه البحر؟؟؟. هي لا تموت إلّا لتتوالَدَ، كالعفن... حتّى ذلك اليوم..!!..

    ٱشتكى الرّعاة لأَهل المدينة!!.. فخافت المدينة من فعل الإِله، لأنّه إذا مات قطيع الخنازير من سكنى الشياطين فيه، فماذا سيكون لهم إذا طَرد الإلهُ الشياطينَ منهم هم؟!.. فكر راودهم؟!... واحتاروا حيرة مُرّة..!!..

    فإنّ خسارة قطيع الخنازير كان أهمّ من خلاص الرّجلين، وتحرّرهما من الموت الأبدي ومن العذاب اليومي،  وخسارة الحياة الحقّ الّتي أَعطاها يسوع المسيح  فيه ومنه هو ليخلّص كلّ ذي جسد مولود من بطن الأمومة بمريم..!!...

    مات حِسُّ الحياة في ”تلك المدينة“، و”الكورة“، حتّى بوجود الإله فيما بينهم شافيًا.!.

    الإنسان رفض الخلاص حتّى من موته القسريّ المذلّ له.!!.

    فتركهم الإله مجتازًا إلى مدينته... إلى أورشليم الأرضيّة حتّى يصلبه شعبها، فيرقى من موته عن البشريّة لخلاصها، إلى أورشليم السّماويّة موطن الآب والابن والرّوح القدس...

    وأبرار الإله... والقدّيسين وكلّ من اتّبع كلمة، تعاليم، وجه ويسوع المسيح..!!..

... آمين...

 

الأمّ مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

21 تموز 2019

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share