بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد التاسع بعد العنصرة
يا قليل الإيمان... لماذا شككتَ؟!


     وللوقت مدّ يسوع يده وأمسك به وقال له: يا قليل الإيمان لماذا شكّكْتَ؟!.

     الشكّ هو اللاّحبُّ النّابع من اللاّإيمان!!.

     هؤلاء كانوا تلامذة يسوع الّذين شكّوا! لكنّ، وبرغم ذلك، يسوع سلّمهم كنيسته وقيادتها، للوصول بها كي تغلب بٱسمه وتقوى على كلّ الجحيم الّذي اختلقه الشرّير ورماه بوجه الرّب، ليقوِّض إيمان وحبّ الّذين يحتكمون للمسيح في كلّ تفصيل ولو صَغُرَ إلى حبّة الخردل، في حياتهم.

     المواجهة كانت وستبقى، كما المفارقة بين قايين وهابيل في حياة كلّ منّا.

     كلّ نفسٍ بشريّة تبقى مولودة من سقوط آدم وحواء في الفردوس، إذ ٱنسلّت الحيّة وٱستوطنت حشا حواء حين قبلَت همسها أن تنقُضَ، أن لا تُطيعَ، أن تكسر كلمة الإله: أنّكما بكلمتي، بحبّي لكما، بولادتي لكما منّي ستحييان وتسكنان فردوسي ما دمتما معي!!.

     لكنّ آدم وحوّاء سقطا في اللاّحب، لأنّهما أبعدا قلبيهما عن الإستقرار في قلب وحسّ الإله، لأنّهما أبعدا عقليهما عن سماع نبضِ قلبيهما المنادي في كلّ خفقة تنفّس... ربّنا ٱرحمنا وٱرحم عالمك... فصار اللاّإيمان والد وٱبن اللاّحبّ!!.

     اللاإيمان البدء، كان في نقض آدم وحوّاء ألوهة الآب في الفردوس!! إنّ حركة الحيّة الأولى كانت في زعزعة أُسس بنيان الحبّ الأوّل بين الإله والإنسان ليحتكم الشرّير، ملاك النّور الكاذب، بدل الإله!! أنت لا تؤمن إيمانًا ملء كيانك، إذًا أنت لا تحبّ!. هكذا تداخلت قوى العقل بالقلب بالمنطق، فتحطّمت النّعمة وتناثرت في وعي الإنسان لذاته ولحبِّ الإله له، فسقط في الحزن بدل الفرح!!.

     ما رباط وتوق الإيمان بالحبّ؟! القلب!!.

     هذا ما طالب به الإله الإنسان، يا بني أعطني قلبك!!

     في عملية ٱستعادة الحياة البكر بين ما كان وسقط، وبين ما سيولد من الإله الآب، بالرّوح القدس، أي الإله الإبن يسوع من بطن المصطفاة من بني البشر... المرأة العذراء مريم، عاشت البشريّة في تخبّط مراوحة مكانها رافضة معرفة ذاتها...

     حقيقة ٱستعادة الحياة الإلهيّة الإيمانيّة المحبيّة بين الإله والإنسان، صارت في الميلاد الجديد المتجدّد بين وجه الإله الآب ليصير وجه يسوع الإبن الإله الكلمة، هو مرآة وحقيقة وجه آدم الجديد فيه ومنه، وحوّاء الجديدة من وفي وجه مريم الإمّ، والدة الإله البتول. لتحيا البشريّة عتق سقطتها، عفّة حبٍّ وتوقٍ وحنينٍ للحياة البكر، في قلب كلّ من يُسلم نفسه عن وعيٍ، ليصير الإنسان ذات الإله بالنّعمة المنسكبة عليه من لدن الثّالوث القدّوس في الفردوس.

* * * * * * *

     وٱضطر يسوع تلاميذه أن يدخلوا ويسبقوه إلى العبر ليصرف الجموع.

     ويَستبين هذا القول لنا، أنّ يسوع كان عنده همًّا، أن يوصل التلاميذ إلى معرفة سرّ قلوبهم، مقصدهم، نواياهم وواقع تصرّفاتهم... أيّها الإنسان إعرف نفسك...

     لهذا صرف يسوع الجموع وصعد وحده إلى الجبل ليصلّي... ولمّا كان المساء كان هناك وحده. وكانت السّفينة في وسط البحر تكدّها الأمواج لأنّ الرّيح كانت مضادّة لها...

     أهل يسوع الإله الإنسان بحاجة للصّلاة؟! أن يترك شعبه ويصعد وحده ليصلّي في الجبل؟!.

     ترك شعبه وحدهم وصعد إلى الجبل!! تركهم ليكتشفوا كم وكم هم بحاجة إليه في أزمنة المفارقات وتضاد الأرياح العاصفة الّتي بإمكانها أن تخبط سفينتهم – الكنيسة – بلادهم – جسدهم، قلبهم والعقل، أي كلّ الكيان البشريّ.

     كان الرّب يسوع يصعد وحده إلى الجبل كي يتضرّع إلى الآب، أن يرأف بالإنسان (شعبه) الّذي إذ عاش معه، متيّقنًا كم هو ضعيف في إيمانه وفي ثباته في حبِّ ربّه، وكم هو متقلقِلٌ بوجه القوى المضادّة الّتي تواجهه في هذا العالم، وكم صار للعالم الأثر الكبير عليه كإنسان، ليبعده عن إنسانيّته، عن لطفِ قلبه وحبّه، عن إيمانه وعن خالقه!!.

     وخاف المسيح على شعبه وأبناء جلدته!! فٱبتعد عنهم ليعيدهم بالصّلاة والصّمت والتضرّع إليه... كان يريد، ومازال، أن يستعيد قوّة الإنسان الأولى الّتي فرغت منه لابتعاده عن قوى الإله الّتي هي الإيمان والحبّ للإله والتسليم الكامل له.

     القوى البشريّة تضعف بل تزول، من ٱقتدار الشرّير على هذا العالم!! كان ومازال همّ الشرّير الأساس أن يقوِّض العمارة، عمارة الإيمان بالله والتسليم له.

     هكذا سقط بطرس في البحر إذ شكّ بنفسه بدءًا وبٱقتداره على أن يبلغ إلى يسوع وسط العاصفة وخبطها للموج.

     ويحي ويحي!! إنّ جسد الموت هذا يقوى عليّ! هكذا صار عقل الإنسان ومنطقه حاجزًا له، كي يمتدّ به قلبه إلى الإيمان بالحبّ!!.

     توقّف فهم الإنسان بالرّوح وإدراكه حقائق الأمور ومكنونات نفسه والإيمان الحقّ، لأنّه أسلم قياد قلبه وحسّه وحبّه للمنطق والعقل!!.

     وصرخوا إذ رأوا يسوع!! ظنّوه خيالَ عدوٍّ آتيًا لقتلهم!! ماجت الرّؤيا!! أعتمت عين القلب عن معرفة الحبيب والحسّ به في الظلمة وظلال الموت الّتي تكتنف الإنسان ساعات الضعف!!.

     أنا مؤمن يا رب فأعِن عدم إيماني.

     ولم يجزع الإنسان من كبريائه أنّه هو العارف فتحدّى الإله... إن كنتَ أنت هو فمُرني أن آتي إليك على المياه...

     فظيع وحقير ومدّعٍ هو ذاك الشيطان المحتكم بقلب الإنسان، الّذي ينزع منه ضعف ٱعترافه بخوفه، ليحوِّل خوفه إلى ٱدعاء كبرياءٍ وتحدٍّ!!..

     ونزل الإله الإنسان بوداعة إلى مستوى الإنسان الشيطاني بتحدّيه الإله وشكّه به، غير معترف أنّه وهو الإنسان يبقى ضعيفًا، لأنّه حامل ختم السّقوط، علامةً ودمغةً على جبهته بدل ختم نور وشعاع الصّليب.

     وقال يسوع لبطرس: تعال!!... أراده يسوع أن يأتيه، ليصبح خاصّته، الّتي لن تنكره عند أخذه إلى حَمْلِ صليب ضعف الإنسان!.

     لكنّ الإنسان بقي وسيبقى ضعيفًا، لأنّه أسلم إلهه إلى موت الصّليب!! وسقط بطرس في بحر الأهواء والخطايا والضعف، سقط في عنف وٱضطراب موج أهواء هذا العالم وقلبه فصرخ: يا ربّي أعنّي!!.

     من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!.

     وصارت صرخة الرّسول بولس هذه، تاليًا، علامةً، أنّ الإنسان سيبقى ميتًا في خطاياه حتّى يُصلب عنها، بل يصلبها واعيًا على الصّليب الّذي قدّمه للإله الإنسان يسوع، حتّى يُصلب عليه هو عنه!!.

     هذا هو الموت الطوعي الّذي يختاره الإنسان واعيًا، بل طالبًا لنفسه بالموت القيامة من ضعفه، من حقارته ودونيّته، ليقول لنفسه أوّلاً وللمسيح الإله تاليًا: أنا لكَ فخلّصني يا إلهي من جسد الموت هذا، بصلبه على صليبكَ ليبلغ بي موتي إلى قيامتك!!        آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

25 أب 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share