إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثاني والعشرون بعد العنصرة

     ...”ومن قريبي؟! قال النّاموسيّ مريدًا أن يزكّي نفسه ليسوع“...

      ومن قريبي سيّدي؟!.

     هل في سؤالي تجرؤ عليكَ كما فعل النّاموسيّ إذ ساءلك ”ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية“؟!.

     أنا لا أقاربُكَ مجرِّبًا يا معلّم... لأنّي أعرفك إلهًا وإنسانًا معًا !! .

     إلهًا في ملء ألوهة الآب والرّوح القدس، متّحدًا بهما في بنوّتك الّتي نزلْتَ بها إلى البشريّة، لتصير معها واحدًا بالجسد وتحيا معها، فيها، وبها تصعد إلى أبيك الآب السّماوي، مميَّزًا في الأقنوم عنه ومُتَّحدًا به في الجوهر لتصيرَ واحدًا وآدم الّذي خلقته!.

     كلّ ما قرأناه، كلّ ما سمعناه، كلّ ما عشناه، كلّ ما أتيتَنا به يا الله منذ بدء الخليقة، كان لتضمّ الإنسان الّذي جبلته من تراب الكون الّذي أبدعْتَه، نافخًا فيه روحَكَ القدّوس، وآتيًا به فيكَ إلى الثالوث القدّوس، لِتَضَعَهُ معكَ، فيكَ على مائدة الحبّ الّذي كان من قبل إنشاء العالم.

     بكَ صار الإنسان بالنّعمة إلهًا من إله، جالسًا معكَ في وَهَجِ حبِّ الثالوث، وأَلَقِ شعاع النّور الّذي لا يُدنى منه.

* * * * *

     لكن كان لا بدَّ أن يُكتَب النّاموس.

     لماذا؟! لأنّ الإنسان شكَّ بالإله!.

     لأنّه لم يُدرك بحسّ قلبه، حبَّ الثالوث له!!!.

     وماشى الإلهُ الإنسان المفروزَ منه، مسيرة شكّه به، رغم كونه مفروزًا في كيانه، لأنّه إذ خلقه، خلقه من نفحة روحه، الّتي أخرجها من حشاه، ليملأ تاليًا حشا الإنسان من حشا الإله.

     وكان على الإله، آنها، أن يُرسِلَ كتبة النّاموس والشريعة وبَعْدُ، العقيدة الإلهية السّماوية الآبائية، ليكتبوا إسم الله الجديد القديم الأيام، فيعرفوه كما عرفه موسى لمّا ساءله ”ما اسمك“، بل من أنتَ، فقال له الإله بل أجابه: ”أنا هو الّذي هو“ (الخروج 14:3).

     لا إسم للإله، إلاّ ”الإله“، ولنا، أنّه هو الآب والإبن والرّوح القدس في ثالوث واحد في إله واحد بثلاثة أقانيم... لذا كان على الإنسان آدم المفروز في حشا الإله، أن يعرف، أن إسمه من اسم ربّه وإلهه.

     هو الإنسان الملاك المرسل من لدن الله ليبشِّرَ به كارزًا بلاهوته، فيعرف آنَها أن يقرأ النّاموس والأنبياء وملء اللاّهوت: ”أحبِبْ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك ومن كلّ ذهنك وقريبك كنفسك“.

     ”إعْمَلْ ذلك فتحيا“!!.

     من قريبي يا سيّدي، يا ربّي وإلهي؟!.

     ونزل الرّب يسوع من صمت الأُلوهة، من ترنيمة حبّ الثالوث ”وقال: كان إنسانٌ منحدرًا من أورشليم“...

     وكان هو الرّب يسوع ذلك الإنسان المنحدر من أورشليم!!!.

     هو هو المولود من قبل إنشاء العالم، من الآب ومعه، بالرّوح القدس، آخذًا الإنسان في كيانه ليبقى ملتصقًا به، بأناه الإلهية والإنسانية الّتي لبسها من جبلة يديه: آدم الأوّل الّذي به صار إنسانًا.

     وبدأ سرّ الولادة الجديد، أن يصبح ناموس الحياة الجديدة!!.

     كلّ ما كان قبلُ، ضمّه يسوع إلى قلبه، فنطق القلب الجديد بالحياة المنشقّة من تراب الموت إلى التربة الّتي نفخ فيها الإله روحه القدّوس ليصير هو هو آدم الكوني، آدم الجديد، آدم القيامة الجديدة الحقّ بالرّوح القدس.

     ما كان ممكنًا أن لا يكون آدم السّماوي مع حوّائه، الكنيسة، قبل تجسّد الإله، الّذي أخذ جسد الخليقة الّتي هو أبدعها، لِيَلْبَسها على الأرض.

     هذا أربَكَ البشرية!... كيف يكون الإله إنسانًا، عائشًا في أرض الأحياء، ولابسًا حياة لا يفهمها الّذين عايشوه، لكنّهم كانوا قد سمعوا اسمه من تسلسل الوجود الإلهي الكوني بالحبّ والكلمة في نقش الصّخر والألواح والكتب؟!. وقارب الإله الإنسان خليقته، لكنّ الإنسان لم يَحْنِ رأسه، ليدخل حشا سرّ القلب، قلب إلهه. لذا لم يفهم سرّ خلق الكون ولا التجسّد ولا الألوهة.

     ومات الحبّ، والرّحمة تفتَّتَتْ، من نكران المخلوق لحبّ الخالق!!.

     ”من أنتَ“؟!. أنا هو الّذي أنت فيه ومنه... أنا أنتَ!!.

      وتثبَّتَ الوعد الّذي أعطاه الله لنوح بعد نقله من مياه بطن الأرض، لتنحسر عن وجه القيامة البكر الجِدّةُ وصمت الإله في أرض جديدة وأورشليم علوية، فيها يحيا الإنسان منذ مولده وحتّى صعوده بالحبّ الّذي هو نغمة الرّوح... لا جسد فيه ولا هوى ولا تحرّق ولا تشوّق، بل ينابيع سواقي المياه الصّامتة النّابعة من الّذي كان، وهو كائن إلى الأبد وحتّى ما بعد القيامة، الّتي أُفرغ فيها كلّ الحبّ والنّور ومياه جرن جنب الإله الرّب يسوع، الحامل فيه الثّالوث وكلّ ما كان وهو كائن وما سيكون إلى الأبد، آمين.

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

13 تشرين الثاني 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share