بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد التاسع عشر بعد العنصرة

    ”وأنا إذا ارتفعْتُ عن الأرض جذبتُ إليّ الجميع“. (وإنّما قال هذا ليدلّ على أيّه ميتةٍ كان مزمعًا أن يموتها). (يو 32:12-33).

     واجه الرّب يسوع المسيح الشيطان في الصّحراء بعد اعتماده في نهر الأردُن وتجربة المجرّب له ثلاثة أيّام!!!.

     هذه كانت قصة غلبة الإله الأولى على الشّرّير المذكورة في الأناجيل، بمواجهته، متّخذًا على نفسه بالكليّة التجربة، الّتي عرف بأنّ الإنسان لن يستطيع أن يثبت في احتضانها، لأنّ القاتول لا يرحم الضعفاء الّذين لم يثبتوا في الحبّ الإلهي وطاعة الكلمة بعد، ليخلصوا هم وجميع أهل بيتهم من اقتدار وربقة الشيطان عليهم.

     في الأناجيل الثلاثة الأولى أي الإزائية، وردت عدّة أخبار عن شياطين دخلوا إلى عمق أعماق البشر ودمّروهم في الصّحة والنّفس والجسد وجعلوهم يزدرون الإله ويتحدُّونه أمام كلّ النّاس، علّهم يُظهرون بشكل من الأشكال وبطريقة من الطرق، قوّة العدو وقهره للإله.

     كورة الجرجسيّين، مكان أتاه يسوع ليواجه الشياطين الّتي بإمكانها أن تسكن البشر لتدمّر حياتهم!!. أكثر من ذلك، أتى تلك المدينة أو ”الزاوية“ ليُري تلاميذه والّذين يتبعونه، اقتدار العدو الشيطان على الإنسان، وعلى الحيوان والطبيعة تاليًا!!. وكانت الرّسالة تحمل الكلمة الأخيرة، أنّ الغلبة في كلّ تلك القصة، هي للإله المتجسّد المقتدر على هكذا كمٍّ من الموت والدّمار الّذي يُحْدِثُه الشرّير بالإنسان إذا تسلّط عليه!!!؟.

     العالم، بعد التجسّد والولادة، دخل في ظلمة كالحة وتحدٍّ ساحق للبرِّ والنّور الحالّ لكشف سرّ الكلمة المتجسّد في العالم.

     هكذا دخل يسوع – مع تلامذته – إلى كورة الجرجسيّين، ليلتقي الرّجل، الّذي تسكن بيت جسده شياطين كثيرة منذ زمان طويل!!. في ذلك الوقت من الزمان الّذي وُجِدَ فيه يسوع، على الأرض، كانت القوى المضادّة، تعمل وجهًا لوجه مع البشر الّذين تود اجتذابهم إليها... أما اليوم، فالرّوح النّجس الخبيث، يتوارى في ستائر حرير القصور ومنازل الأَغنياء وروّاد الليل في المقاهي، في أفلام العنف والموت والدَّعارة وكلّ الأعمال الآلية الّتي تبلورت في قرننا المريض المسكين، الّذي يؤلّه ذاته لكسبٍ أسهل للمال واستقطاب مادّة التخدير الّتي تغطّي وتستر علاقات النّاس بعضها بالبعض الآخر وبالعالم حولها.

     في أيّة كذبة يحيا الإنسان اليوم؟! أليس هو شبيه شخصيّة رجل ”كورة الجرجسيّين“؟! حين يتعاطى الظلم والقمع والسّيطرة والسّيادة وإذلال الشعوب وتفقيرهم، لكسب آبار رزقهم ثم قتلهم؟؟. وإذ يصلون إلى واقع العبادة ينظرون بصقيع إلى دواخل أعينهم ويبصقون على إلههم فيهم!!. ويبقى النّاس، غالبيّة النّاس والشعوب، تصطاد روح الرّب، يسوع القدّوس، غزالاً يهيم على وجهه في البراري والصّحاري والغابات.

     ورأى ساكنُ القبور والشياطين الإلهَ، ”فصاح وخرَّ له وقال بصوت عظيم، ما لي ولكَ يا يسوع ابن الله العليّ. أطلب إليك ألاّ تعذبني. فإنّه أمر الرّوح النّجس أن يخرج من الإنسان لأنّه كان قد اختطفه منذ زمان طويل“.

     أكلّ من يرى الإله يعرفه؟!.

     كانت الشياطين تعرفه وتخرّ له طالبة أن لا يعذّبها، لأنّها تعرف كم آذت من النّاس، ولم ترتدع بل أكملت قتل أولاد الإله، علّها تقتل الإله فيهم؟!.

     قرأنا وسمعنا هذه القولة عشرات المرّات!!.

     صمنا لأجل المعذَّبين من جميع أهل الأرض... بكينا تهاوننا في الحب الإلهي وفي إطعام الفقراء وسقي العطاش وإيواء الغرباء!!. بل استمررنا بالقيام بكلّ عمل صالحٍ، دون سكب روح القلب أمام رجلي الإله ومسحهما بشعور رؤوسنا، علّ، علَّ رأس سيف الحق ينخز القلب السّاجد فيدمى بقيحه، صارخًا، ”لا لنا يا الله، لا لنا، بل لاسمك أعطِ المجد“!!.

     وتبقى البشرية مسمّرة على مجد الصّليب وآلام الموت، حاملة كلّ ما ومن استشففنا فيهم الحياة في الإله وافتقدناهم، ليقولوا كلمة الحق عنّا المختنقة في أفواهنا، الّتي سكرت بالتقاريظ والمدائح، ليبقى القلب يخبط اسم يسوع علّه ينقّي الدّم ويخزن فيه قبح كذبتنا في الحبّ للإله والقريب!.

     قل من تحبّ أنت يا إنسان؟! بالحقّ؟!.

     أُحبُّ أناي، نفسي ورغباتي... فاذهب عني ومني يا شيطان!!!.

     هكذا وهكذا فقط صار الإنسان مسكنًا للشرّير وهو لا يعرف!!!.

     بعبادته لذاته فقط، قتل مسيحه... قتل البشريّة الإلهيّة ليبقى هنا في هذا العالم سبعة آلاف لم يُحنوا ركبة لبعل، سبعة آلاف استعدوا كلّ يوم لتقديم إبنهم، ”إسحاقهم“ ذبيحة محرقة طاعة للإله!!.

     هكذا يصير الصّليب وموت الشهادة، ناموس الّذين وُلدوا من رحم موعد الإله لهم وبحسبِ الوعد، يصيرون أحرارًا من موت الخطيئة!! فيقدّمون أجسادهم خبز حياة للفقير والمسكين والعاجز والمشلول فيأتيهم صوت من طهّرهم: ”تعالوا إليّ يا مباركي أبي“!!.

     ويبقى النطق في الكيان كلمة واحدة: ارحم يا رب عبيدك وسامحهم.

     أما نحن، فنرجع إلى بيتنا، لنحدّث بما صنع الله لنا بعد شفائنا!!.

     هكذا خرج الشيطان وروحه من ذريّة آدم، ليلدوا ابنًا جديدًا لموعد الإله، منتظرًا كلّ لحظة تحقيق الوعد للصارخين: ”ربي يسوع ارحمني أنا الخاطئ“.

 

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 تشرين الأول 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share