الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثلاثين بعد العنصرة
الظهور الإلهي... الخلق والمعموديّة!!


     كلّ مخلوق مولود من حشا امرأة العهد الجديد بكلمة الرّوح ونعمة الآب القدّوس، يُدعى نذيرًا لله، ويُسمّى يوحنّا – حنّان الله – الّذي ما فتئ الآب يرسله إلى الكون، ليصير شاهدًا للإله الّذي في كيانه وشهيدًا للحبّ الّذي جمع الثالوث حول مائدة الحبّ، الّذي هو كنه الحضرة الإلهيّة وجوهرها.

     أي حبٍّ هذا الّذي هو جوهر الخالق، الّذي ذاقه الإنسان في وصال المعرفة الّتي ربطته بالإله؟!. الّذي هو في فكر الإله واحدًا معه قبل بدأة الخلق، وقبل أن يُتصوّر في الجسد، الّذي هو في قلب الآب منذ الأزل، منذ أن كان الزمان الّذي لا يُنْطَق به، ولا يُعْرف بالحسّ ولا بالعقل، بل بالحبّ، الّذي للآب والابن والرّوح القدس، للمخلوق الّذي اسمه ”الإنسان“.

     أي إنسان هو هذا الّذي كان في فكر الله منذ بدء إدراك ووعي المخلوق لخالقه؟!.

     مّنْ نَطَقَ به؟؟ من سَمّاه؟؟ من وَعاه؟؟...

     هو هو ذاك المولود من أحشاءٍ بتوليّة، بالرّوح القدس النّازل من قبل الدّهور من حشا الإله الآب، إنسانًا بالنّعمة ليحفظ وجه الآب فيه، فيجدّد الكون ويبدّد قتام الخطيئة!!.

     واشتاق الإبن بناسوته لأن لا يحيا وحيدًا، فطلب من الآب أخًا وأختًا يحملان معه ألطاف محبّة الآب... وهكذا كان!!.

     أولد الآب لآدم معيناً سكنت معه الفردوس، ومنهما انحدرت امرأة عذراء في بتوليّة محبّتها وطاعتها للثالوث فتصبح وحدها أمًّا لله!!.

     واندرجت الحياة من الخالق، في وعي وحسِّ وفكر الأخ والأخت للإبن، فلم يطلبا، بل لم يكن لهما مشيئة غير المُعْطاة لهما بالنّعمة، لسكنى الفردوس.

     هكذا كان في فردوس الثّالوث والحبّ المُغْدَق على الإبن ورفيقيه... صار الفردوس وعد الأبدية!! وعد الحبّ الّذي لم يكن قبله ولا بعده حبٌّ... صار اسم الآب والإبن والرّوح القدس، الحبّ الثّالوثي... الّذي لا بداءة له ولا إنتهاء.

     وبعد أن نظر الإله الآب أنّ كلّ شيء حسنٌ، نور من النّور الّذي لا يغرب، أطلق ملائكته ليبنوا، بكلمته، عرش ابنه على الأرض الّتي أبدعها له ولرفيقيه ولنسلهما إلى الأبد.

     وفرح الآب أنّ نسل الإله سيغطّي وجه الأرض!! نسل الحبّ الإلهي... نسل الطاعة، نسل إخلاء الذات، نسل الوداعة، نسل الفرح والعفّة بالغسل الإلهي.

     * * * * *

     لكن نجمة الصّبح ملاك النّور، سقط من علياء سماء الخالق!!. كيف تندثر وتتحرّك، بل كيف تتفكّك الأجرام من دون إرادة الإله مبدعها؟؟؟.

     سقطت نجمة الصّبح، الملاك الأجمل من كلّ أهل السّماء والأرض، لأنّها لم تُطِعْ خالقها ولا شعرت أنّها هي بعمق بهائها، من صنع وأعمال يديه، وأنّه هو خالقها.

     وانثلم عمل الإله في أجمل وأبهى ما خلق، فسقط عندها في الكون، لأنّ نجمة الصّبح، الملاك الشيطان، صار العدو، إذ عصى رافضًا حبّ الإله له، فأمات الحبّ والطاعة، والطهر، والعفّة، والجمال، فصار الكون بحاجة إلى معموديّة جديدة... إذ سكنه الملاك الشيطان.

     ”في ذلك الزمان أقبل يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنّا ليعتمد منه. فكان يوحنّا يمانعه قائلاً: أنا محتاج أن أعتمد منك أوَ أنتَ تأتي إليّ فأجابه يسوع قائلاً: دَعِ الآن. فهكذا  ينبغي لنا أن نُتِمَّ كلّ برِّ“.

     وصار البرُّ بإحناء الإله المتجسّد يسوع المسيح، كلمة الآب، رأسه تحت يدي سابقه يوحنّا، مُرسَلاً من الآب ليعمِّد ابنه الحبيب الّذي سُرَّ به، عن آدم السّاقط، الّذي قَطَّع جذوره الإلهيّة بتصديقه وعد كذبة الشرّير ليُقيمَ نفسه ربًّا له، مبعدًا إيّاه عن الإله الحقّ خالق السّموات والأرض وتاليًا، بل قبلاً، خالقه هو، ”الإنسان“.

     وانقلبت مفاهيم الحبّ والطاعة والاتضاع!!. صار كلُّ برِّ بعيدًا عن متناول يد أخ المسيح، الإنسان الّذي صار إلهًا بالنّعمة، لا بالخِلْقَة، كما في بدء حكاية الخلق والإبداع بالحبّ، إذ تحوّل ليصير إنسان الخطيئة.

     وصار الغسل الإلهي معمودية، يصرخ فيها كهّان العليّ ”استقسامات“ طرد إقتدار الشيطان على المولود من الماء بالرّوح القدس.

     صار الحبّ كلّه مكتوبًا بدموع التوبة والبكاء على الخطيئة في الكيان ليجَدِّد الإنسان السّاقط عن وعي الانتماء للإله المتجسّد، الرّب يسوع المسيح، وللثالوث وعده الجديد والمتجدّد للإله، بأنّ الشرّير لن يقوى عليه، بل سيعود هو إلى الإله بملء إرادته، وإلى زرع الحبِّ في كيانه ومنه، إلى تحقيق صورته وختمها بختم الألوهة.

     فإلى معموديّة الحبّ الإلهي، إلى معمودية التوبة، إلى معمودية الغرس الجديد بالشهادة والصّليب، يعود الإنسان ليتجدّد بغسل الرّوح والحق، بالمياه، وغسل المسيح ربّه لأَرجلِ تلاميذه ولنا بكلمة الحياة الحق، والانتظار، لرحض كلّ واحدٍ منّا أقدام الّذين يأتونه لأخذِ ”جوهرة“ الرّوح وأَكلها، ليصير كلّ الكون وجه يسوع وإخوته المصلوبين والمختومين بختم اللاّخطيئة واللاّموت، بل بالحياة الأبدية. آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

8 كانون الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share