روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الحادي والعشرون بعد العنصرة.
أُريد رحمةً لا ذبيحة..!!..

   لماذا أَحْكَمَتِ الكنيسةُ هذا الإنجيل اليوم... ونحن في مسيرتنا إلى الميلاد.؟!...

    ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كلَّه وخَسِرَ نفسه.؟!...

    لن ندخل اليوم، تفصيلاً، في علاقة النّاموسي الآتي ليُجَرِّبَ من يعرِفُ، في سرّه، كلّ شيء.!!.

    الإله بوجه إنسان الإنسانيّة السّاقطة..!!..

    بل نسوق الكلمات إلى تسآل الرّبّ يسوع له: "ماذا كُتِبَ في النّاموس"؟!. وهو إذ قرأ ما عليه، لا يعود بإمكانه إلاّ أن يُطبِّق ما كتبه أولياء الشريعة، فلماذا يُسائل "المعلّم" إذاً؟!. أليمتحنه.؟!. أليفتح حوارًا معه؟! أليُزكّي نفسه أمامه؟!.

    أجابه الرّبّ واضعًا إيّاه في قلب أوَّل الوصايا: "أحبب الرّبّ إلهك من كلِّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك ومن كلّ ذهنك وقريبك كنفسك"!.

    هكذا طوّبه الرّبّ على معرفته. لكنّ النّاموسيّ، إذ لاقى تجاوبًا من "المعلّم"، أراد أن "يتفاخر"، أو "يُزكّي" نفسه بالأكثر ليتعظّم أمامه، فسأله:"ومن قريبي؟!"، فأخبره يسوع القصة الأساس لامتلاك الحياة الأبديّة.!!.

    اليومَ، يحكي يسوع لنا كلّنا كيفيّة السّلوك في الوصايا بالمثل التالي: "إذ كان الطريق موعرًا ومملوءًا لصوصًا نزولاً من أورشليم إلى أريحا... انحدر في تلك الطريق إنسانٌ لعمله، فصار فريسة للأشرار واللّصّوص الّذين كانوا يَؤُمّون تلك النّاحية. وإذ وقع في أيديهم وهو أعزل، عرّوه وجرّحوه وتركوه بين حيّ وميت.!!.

    هذه هي تجربة الإنسان وبدء المسير خارج "أورشليم العلويّة" أي خارج الحياة مع الله.!!.

    ما "أُورشليم".؟!... هي "فردوس الإنسان الجديد" الّذي عاد بعد سقوطه إلى "منزله" العلوي، إلى الملكوت.!!.

    كلّ إنسان لا بدّ له من أن يعود إلى منزله بعد الخروج منه.!...

    لكلّ مولود منزلٌ فيه أبّ وأمّ وإخوة يُربّى فيه، وحين يكبر يغادره عابرًا طريق عمر حياته ولا يعود ينظر إلى الوراء... بل يتخطّى ذاته، أهله وكلّ من عرف الحياة الّتي لا ماضي لها...

    في عبورنا وهاد هذا العمر وطرقه كلّ إنسان يتعب..!!..

    فإلى أين المسير، إلى أين الرّجوع.؟!... إلى أين نعود.؟!...

    أإلى المنزل الّذي غادرناه في أورشليم.؟!. أم نبتني لنا قصورًا من حجارة ما جمعناه من مال هذه الحياة... ناسين أنّ رجعتنا الأخيرة الّتي لا تكون إلا لمنزلنا الأوّل، هي إلى حضن الرّبّ يسوع في الفردوس، أو لنرمي بأنفسنا في الجحيم.!!. جحيم عشق هذا العالم ومسرّاته وكبريائه... لنغتني بسلطته وأمواله حياة تودي إلى هلاك أبديّ.!...

    الإنسان، في سقوطه، يترك إيمانه، بدءًا، ثمّ ينطلق إلى محاكاة عقله، وإرادته الذّاتيّة.!.. ويقول، هذه حرّيّتي أنا..!!..

    أليست هذه هي مسيرة كلّ إنسان على وجه الأرض.؟!.

    هذا ما عرفناه ونعرفه وننساه، لكنّنا نعود لنتعلّمه من تجارب عمرنا، طالت أم قصُرَت... ويبقى الإنسان- كلّ إنسان- في ضياع حتّى يتحطّم ومن ثمّ يهدأ...

    من يتلّقفنا إذا سقطنا.؟!. من يعيننا إذا هاجمنا الشيطان مجرّحًا أجسادنا المشتعلة وأنفسنا بشهوات قلوبنا السّاقطة، عن حبّ الآب أوّلًا ومنزلنا الّذي عشنا فيه وترعرعنا بين جدرانه.!.. الإنسان لا يأمن، لذلك يبقى في دوران حتّى يعي كبرياءه فيسقط.!..

    لذا فالأخ العابر طريقنا.!!. والأخ العائش معنا وبيننا والّذين معه، نحيا في فردوسنا  الأرضيّ، فكيف نبقيهم معنا.؟!. كيف نحبّهم لذواتهم، لا لمقاصدنا نحن فيهم ولهم.؟!...

    كيف نُحِبُّهم بلا زيغ... بلا طمع... كيف يصيروننا.؟!... ومعهم نسعى إلى مسيحنا، إلى الهدأة عند صخرة الحياة... إلى مخلّصنا.؟!...

    ويأتي الوجع الأكبر!...

    ثلاثة عبروا طريق الأخ المجرّح من اللّصوص، لصوص شياطين سقوطنا وخطايانا، وكلّنا في هذا المثل جرحى!... إثنان منهم لم يقفا، بل أبصرا المجرَّح وعبرا..!!.. كيف ذلك.؟!.

    ونُسائِلُ أَنفسنا: من يخلّصني من جسد الموت هذا.؟!...

المــــــوت.؟!...
    مَن أخي.؟!... مَن صديقي.؟!... مَن أنا.؟!... مَن يرحمني.؟!... إذا أنا شردتُ وخطئت.؟!...

    وأُسارع: من هذا الكاهن.؟!... أهو رجل الرّبّ أو رجل أَهوائه وعشقه لأَناه وسلطته.؟!..

    وأَنا أجزع من قساوة قلبَي الكاهن واللّاوي.!!.

    أَين إله هذين المسلَّطَين باسمه، وهو الرّبّ، على حياة الأنام.؟!. على حياة أولاده.؟!.

    أَنحن لا نعتبر.؟!... أما زلنا في سقطة حبّ الذات هذه إلى النّهاية.؟!.

    أما زال الأبناء والإخوة غرباء، لنسلّمهم إلى براثن الوحوش تمزّقهم وتلتهم لحمهم.!!.

    أَرجوكم... خلّصوني.!.. من براثن موت العالم..!!..

    أمّا "الكاهن" فباع خدمته بالسّرعة والانشغالات الدنيويّة!..

    نظر ابنه أو أخاه، مغيّبًا قلبه عنه ولم يهتم، لكنّه ربما تمتم صلاة قائلاً: "يا إلهي أعِنْه!"، وتابع مسيره المملوء إنجازًا وأنانيّة وحبًّا للذات حتّى قساوة القلب.!... كيف وأنتَ مُسَلَّطٌ من قبل النّاموس والشّريعة الإلهيّة تتهرّب من مساعدة أخيك.؟!...

    "واللاويّ"، ابنُ ذاك السّبط الّذي يَخْرُجُ منه كهنة وخدام هيكل الله، ماذا فعل.؟!. أيضًا أبصر الأخ المجرّح وجاز عنه!.

    فكيف أنت يا أيّها الّذي ستؤتَمَنُ على رقاب وقلوب وحياة شعب الله تجوز بالإنسان المعتدى عليه، المجرَّح، المتألّم، المتروك على قارعة الطريق بين حي وميت؟!. ألم يخطر ببالك أنَّ ربَّكَ سيحاسبَك.؟!. أم نسيتَ يوم الدّينونة.؟!...

    أين سُكنى الإله فيكما؟!.. يا أيّها الكاهن واللّاوي.؟!...

    أين المشيئة الإلهيّة، الّتي منذ أوّل الدهور، والّتي أتتنا نحن في الوصايا الإنجيليّة، تدلُّنا على أن نحبّ إلهنا، من كلّ قلبنا وقدرتنا وأَخينا كنفسنا.؟!...

    أمّا الإِعراضُ عن المتألّم والمطروح على طرقات هذا العمر، فهو إعراضٌ بدءًا عن المسيح الّذي تجسّد ليخلّص ويشفي ما قد هلك.!..

    حذار أن نصير عملاء للشّيطان الّذي فرّق الإخوة إذ قتل "قايينُ هابيل" أخاه حسدًا.!!..

    اليومَ، يسائلني فكري: ألسنا، نحن أيضًا، نحيا في هذه القسوة القلبيّة بإزاء الإخوة والفقراء، والمعذّبين من لصوص عمرهم وتجاربهم... ونحن كلّنا نُجرّب ونُسلب كلّ يوم عفة حبّنا للمسيح ولا نلقى من يعيننا غالبيّة الأيام على البدايات الجديدة... في حياتنا.!...

     "لا جديد تحت الشّمس"..!!.. قال سفرُ الجامعة.!!..    

    اليومَ، الرّبّ أرسل غريبه الّذي هو هو الإله الّذي تجسّد وسكن الأَرض ليخلّص ما قد هلك... أَسامريًّا كان أم غريب الجنس، أم أيّ متروك ليضمّ جراحات أخيه إليه ويداويه فيصير قريبه لا بالعائليّة أو الوراثة أو المشرب الديني، بل بالحبّ الإلهيّ الغارس الرّحمة في قلبه!. صارخًا: "أعطني هذا الغريب!"...

    ويبقى الغريب وحده هو المسيح وكلّ فقير إلى الحبّ والحنان والنّقاوة والمسير الطّويل.!!..

    إلى أين.؟!... للوصول إلى المسيح.!... فيصير إلهنا.!..

    ليصير هو أَنا وأَنا هو.!..

    هكذا لا نعود نسقط في عشق أَنفسنا... بل نحيا فيه... في حشا يسوع... في الحبّ... حبّه هو.!...

    هكذا يا أيّها "الكاهن" الخادم الإله و"اللّاوي"، بإمكانكَما إن أردتما أن تصيرا "قريبين" للمسيح في كلّ مجرَّب ومجرِّب، أَن تفعلا الرّحمة، فتصيرا ممتلِكَين قلب الإله مشتركًا معه في خلاصكما وإلاّ فهلاك الجحيم يصير أَقرب إليكما من إلهكما.!!.

... والسُّبح لله دائمًا...



 

الأمّ مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

10 تشرين الثاني 2019

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share