الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
تأمّلات في الإنجيل
أحد الظّهور الإلهيّ.
الخلق والمعموديّة..!!..

 

 

     كلّ مخلوق مولود من حشا ٱمرأة العهد الجديد بكلمة الرّوح ونعمة الآب القدّوس، يُدعى نذرًا لله، ويُسمّى يوحنّا حنّان الله ذاك الّذي ما فتئ الآب يرسله إلى الكون مع إخوته زرافات ووحدانًا، ليصيروا كلّهم شهودًا للإله الّذي يحيون في كيانهم منه، الّذي اجتمع ثالوثًا حول مائدة الحبّ، الّذي هو كنهه والحضرة الإلهيّة في جوهرها...

     أي حبٍّ هذا الّذي هو من جوهر الخالق، الّذي ذاقه الإنسان في وصال المعرفة الّتي ربطته بالإله؟!. الّذي كان في فكر الإله واحدًا معه قبل بداءة الخلق، وقبل أن يُتصوّر في الجسد، الّذي هو في قلب الآب منذ الأزل، منذ أن كان الزمان الّذي لا يُنْطَق به، ولا يُعْرف بالحسّ ولا بالعقل، بل يُلْتَمَسُ بالحبّ، الّذي للآب والابن والرّوح القدس، مهدىً للمخلوق الّذي اسمه الإنسان.!!..

     أي إنسان هو هذا الّذي كان في فكر الله منذ بدء إدراك ووعي المخلوق لخالقه.؟!.

     مّنْ نَطَقَ به.؟؟. من سَمّاه.؟؟. من وَعاه.؟؟!!...

     هو هو المسيح عمّانوئيل، المولود من حشا بتوليّ، بالرّوح القدس، النّازل، قبل الدّهور، من حشا الإله الآب؛ إنسانًا بالنّعمة ليحفظ وجه الآب فيه، فيجدّد الكون ويبدّد قتام الخطيئة.!!.

   هذا كان منذ البدء وبدونه لم يكن أيّ شيء ممّا كان... ونحن الآن نحيا من بركاته... 

   واشتاق الإنسان في الفردوس، لكي لا يبقى وحيدًا، إلى معينٍ يحمل معه ألطاف محبّة الآب... وهكذا كان!!.

     وأولد الآب لآدم معيناً سكنت معه الفردوس، ومنهما انحدرت ٱمرأة عذراء في بتوليّة محبّتها وطاعتها للثالوث لتصبح وحدها أمًّا للإله المتجسّد الآتي والكائن من قبل الدّهور...

     وٱندرجت الحياة من الخالق، في وعي وحسِّ وفكر الأَخ والأُخت، فلم يطلبا، بل لم تكن لهما مشيئة غير المُعْطاة لهما بالنّعمة الإلهيّة، لسكنى الفردوس.

     هكذا كان في فردوس الثّالوث والحبّ المُغْدَقِ على آدم وحوّاء... فصار الفردوس وعد الأبدية..!!.. وعد الحبّ الّذي لم يكن قبله ولا بعده حبٌّ... صار ٱسم الآب والإبن والرّوح القدس لهما، "الحبّ الثّالوثي"... الّذي لا بداءة له ولا انتهاء...

     وبعد أن نظر الإِله الآب أنّ كلّ شيء حسنٌ، وأنّه أَبدع النّور... من النّور الّذي لا يغرب، أطلق ملائكته ليبنوا، بكلمته، عرشَ ٱبنه على الأَرضِ الّتي أَبدعها له ولرفيقيه ولنسلهما إلى الأبد.

     وفرح الآب أنّ "نسل الإله" سيغطّي وجه الأرض..!!.. نسل الحبّ الإلهي..!!.. نسل الطاعة، نسل إخلاء الذات، نسل الوداعة، نسل الفرح والعفّة بالغسل الإلهي...

         لكنّ فرح روح الآب لم يبقَ فرحًا إلى الأبد... بل انثلم بوقاحة إبليس ملاك النّور السّاقط حين ساوى ذاته بخالقه دون أن يسأل: من خلقني.؟!.

     هكذا سقط نجمة الصّبح ملاك النّور، سقط من علياء سماء الخالق!!. كيف تندثر وتتحرّك، بل كيف تتفكّك الأَجرام من دون إرادة الإله مبدعها.؟؟!!...

وصَمَتَ الآب..!!.. لا..!!.. لن يكشف سرّه لمن لا حبَّ في قلب روحه...

     سقط "نجمة الصّبح"، الملاك الأجمل من كلّ أهل السّماء والأرض، لأنّه لم يُطِعْ خالقه ولا شَعَرَ أنّه هو، بعمق بهائه، هو من صُنْعِ الخالق، وأنّه هو مخلوق تاليًا..!!.. مخلوق إلهيّ... وإذ رفض، تحوَّلَ محوِّلًا الأرض كلّها إلى عتمات وشكٍّ وتردٍّ وخوف...

     وٱنثلم عمل الإله في أجمل وأبهى ما خَلَقَ، فأسقطه إلى العالم... لأنّ نجمة الصّبح، الملاك الشيطان، صار العدو، إذ عصى رافضًا حبّ الإِله له، فأمات الحبّ والطاعة، والطهر، والعفّة، والجمال، ليصبح الكون خاطئًا وبحاجة إلى معموديّة جديدة..!!.. إذ سكنه روح الملاك الشيطانيّ..!!..

 * * * * *

     ”في ذلك الزمان أقبل يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنّا ليعتمد منه. فكان يوحنّا يمانعه قائلاً: أنا محتاج أن أعتمد منك أوَ أنتَ تأتي إليّ فأجابه يسوع قائلاً: دَعِ الآن. فهكذا  ينبغي لنا أن نُتِمَّ كلّ برِّ.

     اليوم يولد البرُّ، بإحناء الإله المتجسّد يسوع المسيح، كَلِمَةَ الآب، رأسه تحت يد بشريّ، أي سابقه يوحنّا، مُرسَلاً من الآب ليعمِّد ٱبنه الحبيب الّذي سُرَّ به، عن آدم السّاقط، الّذي قَطَّع جذوره الإلهيّة بتصديقه وعد كذبة الشرّير ليُقيمَ نفسه ربًّا له، مبعدًا إيّاه عن الإله الحقّ خالق السّموات والأرض وتاليًا، بل قبلاً، خالقه هو، الإنسان..!!..

     اليوم انقلبتْ مفاهيم الحبّ والطاعة والاتضاع.!!. صار كلُّ بِرِّ بعيدًا عن متناول يد أَخِ المسيح، الإنسان الّذي كان معَدًّا ليصير إلهًا بالنّعمة، لا بالخِلْقَةِ، كما في بدء حكاية الخلق والإبداع بالحبّ، إذ تحوّل ليصير إنسان الخطيئة بغواية كذبة الشّيطان للإنسان؛ أَنّك إن تبعتني أَجعلُكَ إلهًا من الإِله لأنّي أنا مساويه في العزّة والكرامة الفردوسيّة.!!!...

     وصار الغسل الإلهي معمودية، يصرخ فيها كهّان العليّ ”استقسامات طرد إقتدار الشيطان على المولود من الماء بالرّوح القدس.

     اليوم يصير "الحبّ" كلّه مكتوبًا بدموع التوبة والبكاء على الخطيئة المعشّشةِ في الكيان ليجَدِّد الإنسان السّاقط عن وعي، للانتماء للإله المتجسّد، الرّب يسوع المسيح، وللثالوث وعده الجديد المتجدّد، بأنّ الشرّير لن يقوى عليه، بل سيعود هو إلى الإله بملء إرادته، وإلى زرع الحبِّ في كيانه ومنه، لِيَصِلَ إلى تحقيق صورته وختمها بختم الأُلوهة.

اليوم نأتي بملء كياننا المتجدِّد الّذي لمسه الإله بنوره لنشفى من لَسْعَةِ سُمِّ الحيّة الشّيطان..!!..

     فإلى معموديّة الحبّ الإلهي، إلى معمودية التوبة، إلى معمودية الغرس الجديد بالشهادة والصّليب، ليعود الإنسان فيتجدّد بغسل الرّوح والحق، بالمياه. اليوم يغسل المسيح بمعموديّته أرجل تلاميذه في المياه الّتي اغتسل هو فيها بجسده الإلهيّ الطّاهر، ليولِدَ الإنسانَ المنقّى من كذبة الشّيطان له، أنّه سيملّكه ملكًا أبديًّا لا يفنى...

     وكان الملاك المشار إليه وٱسمه يوحنّا، هو المرسل من الله ليعبّد الطرق الوعرة بالصّوت الصّارخ:"أعدّوا طريق الرّبّ وٱجعلوا سبله قويمة"... جال في اليهوديّة كلّها، في البريّة، في القفار، ضاربًا بعصاه الأرض الصّلدة المحجرة، ليُخْرِجَ منها ماء الوعد الجديد. وصرخ النّبيّ ٱبن النّبيّ الكاهن زخريا، بصوت الحق الّذي تنزّل عليه من إرث أبيه وأَجداده أن: "بَشِّرْ بالكلمة"... وكانت الكلمة تتنزّل عليه من فمِ العليّ، لأنّ الإله كان قد تعب من شعبه متردّيًا في الخطيئة، في الفحشاء، في الكبرياء، في القتل، في الطمع، في الحسد، وفي فرض وجوده السّاقط على أحكام إلهه، فصرخ الإله بصوت وبفمّ النّبيّ والنّبيّ في القفر وفي الشعب، أعدّوا طريق الرّبّ: "عصا ملكك عصا ٱستقامة يا الله"...

       ولم يكن الشعب مستقيمًا أمام الله... لا في سماعه الوصيّة، ولا في حفظها، ولا في تطبيقها...

       وأتى يوحنّا، مرسلَ الإله، مؤدّبًا للفحشاء في هيرودس وللاحتيال والسّيطرة الدّنسة في هيروديا وللبرّ الكاذب في الكهّان، فانتفضوا لا مدافعين عن الحق ولكن قاتليه.!!!. وماتت الحكمة، مذبوحة ومنزّهة بأيدي أبنائها. نحروها، أولئك الّذين ٱدّعوا معرفة الحق... وهرع يوحنّا إلى البريّة حيث تَسْكُنُ الطيور والأيائل والبهائم حيث وُلِدَ المسيحُ في مغارة.!!!.

          كل ما كان وكل ما سيكون، كان محفورًا بأيدي الكتبة والفريسيّين على صحائف أحجار البريّة: ٱقتلوه ٱقتلوه..!!..

         ودفع يوحنّا الجزية بحياته ودمه بعد غسل الدنس بالماء.!. لكن الخطيئة عادت تتصعّد من عمق أوكار الحيايا المعشّشة لتلدغ الأطفال المولودين للحياة بجرثومة المرض العضال والموت. وٱرتاع هيرودوس بقتل يوحنّا بعد بشارته وتعميده الشعب بالماء معلنًا عن مجيء الآتي، المرسلِ طفلاً من الله، وارتعب هيرودوس من سلطة "الطفل"، خاف قلبُه من ٱبن الله، حاملاً في ذاته الرّوح القدس الآتي ليخلّص ما قد هلك.!...

       وكان العهد الجديد مخبوءًا للعالم في سرّ الإله، حتّى يجدّد الإله الإنسان منتشلاً إيّاه من لعنة الخطيئة، من النّاموس، من الحياة المغمّسة بالموت.!. مرسلاً نبيَّهُ يوحنّا ضاربًا أرض القلوب الجوفاء بعصا الإله ليجازوه بالقتل وقَبْلَه الأطفال.!!. ثم ليرسل ٱبنه، كلمته، شعاع نوره الّذي لا يغرب، فأخفتوا النّور، لأنّهم شعب يحبّ الظلمة الّتي تستر خطاياهم مدّهنين بالبرّ الكاذب حتّى لا تفوح روائح نتن خطاياهم فيهرب محبّوهم منهم.

ثم وصل الآتي الّذي بعد يوحنّا، الّذي كان قبله، الّذي قال عنه: "إنّه يأتي بعدي من هو أقوى منّي وأنا لا استحق أن أنحني وأحلّ سير حذائه. أنا عمّدتكم بالماء وأما هو فيعمّدكم بالرّوح القدس."

       وتحوَّلَ الماءُ دمًا قاطرًا من جسد الإله حاملاً الرّوح القدس وَعْدًا للذين سمعوا النّداء وتقاطروا من أرجاء المسكونة ليقولوا نعم.!. نعم.!. للحمل المذبوح عنهم لخلاصهم.

       هكذا تمّت الولادة لابن الخليقة البكر من الدّم المهراق على الصّليب...

          هكذا يبقى الفداء صليبًا مرفوعًا في جلجلة النّفس البشريّة للتّوبة والتطهير ومعمودية الحزن البهيّ والدّموع النّقية المهراقة عن خطايا كلّ إنسان مؤمن والعالم.

       بواحد يبرّر الله المدينة كما بواحد خلّص الكون.!...

بمعمودية الحبّ الإلهيّ وحدها يصعد الإنسان إلى سماء السّموات، ليجلس عن يمين الله الآب مع الابن والرّوح القدس، فيخلّص ما قد هلك.

       هذا ما كان في البدء والّذي سيكون لكلّ الشعوب النّاطقة باسم يسوع المنتظرة بعد الولادة، الختانة لكلّ قلب اختار أن يُعَمَّد بالظهور الإلهيّ، على ٱسم الآب والابن والرّوح القدس، في بريّة هذا العالم ليقوى على تجربة الشرير، لإهلاكه.

 

الأم مريم (زكّا)

رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان

7 كانون الثّاني 2018

عيد جامع للسّابق

 

 
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share