من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد السابع بعد العنصرة.
يسوع والعمى.

                   هذا نهار جديد!!... ونحن لا نراه لأَنّنا أَعميان... من يخلّصني من جسد الموت هذا؟!...

    نتبعك يا يسوع أَينما ذهبتَ، حتّى لو طردنا تلامذتك... النّاس لا يحبّون النّوح أو الحزن أو الموت أو الاستعطاء... ماذا نريد نحن يا رب؟!... يا ربّنا... أن نرى وجهك يا الله...

    وجهك يا رب أَنا أَلتمس (مز 26: 8).

    نور وجهك يا رب ليضيء دربنا!!...

    نحن خطئنا وأَثمنا ولسنا بأهل لأن نرفع أَعيننا إلى علوّ السّماء... لكن لا تقصي حبَّك عنّا فينا...

    أنت خلقتنا على صورتك، نفخت فينا لهث روحك...

    أريتنا في عمى أَعيننا أَن نتبع نورك الّذي نصرخه لنطلب منك البصر!!. الرّؤية!!...

    لا لنا يا الله... لا لنا... بل لاسمك أعطِ المجد!!...

    اليوم نصْرُخُكَ: ارحمنا يا ابن داود... وارتجّت الأَمداء بزعيق الصّوت الصّارخ من عتمات قلبَي، روحَي، وجسَدَي الأَعميين.

    هذا أوان الرّضى يا الله... هذا أوان الرّدّة إليك... هذا أوان طلب النعمة من الخالق ليعيد جبلّتنا...

    ليخلقنا من جسده ودمه الكريمين على الصّليب... أبي يعمل وأنا أيضًا أعمل (يو4: 17) أَمِنْ على الصّليب؟!...

    ليس من حدود للبدايات الّتي كانت في الثّالوث...

    الكلّ كان وهو كائن وسيكون...

    لا جديد تحت الشّمس(جا 2: 9)!!... هذا نطق الّذين أَلحدوا لكنّهم، وبعد أن عرفوا... ارتدّوا إلى برارة الإِله ونطقه...

    أنا هو الطّريق والحقّ والحياة(يو 14: 6).

    من آمن بي وإن مات فسيحيا(يو 11: 25) وتكون له الحياة الأبديّة...


فلمّا دخل البيت دنا إليه الأَعميان فقال لهما يسوع: هل تؤمنان أَنّي أَقدر أن أَفعل ذلك؟!...

    فقالا له: نعم يا ربُّ... حينئذٍ لمس أعينهما قائلاً: كإيمانكما فليكن لكما... فانفتحت أعينُهما...


عميٌ كثرٌ تبعوا يسوع إِذ عرفوا عنه أَنّه هو النّبيّ الآتي ليخلّص النّاس من خطاياهم... ويَشْفيَهُمْ...

    أهل فرَّق الإله بين إِنسان وإِنسان... بين رومانيّ ويهوديّ، بين عبدٍ وحرٍّ؟!... أراد أن يجمع كلَّ خرفانه حوله...

    أراد الجميع أَن يُشفَوا به هو الإِله المتجسِّد اللاّبس ضعفنا ليرفعنا من جُبِّنا وحمأتنا إليه هو الإله والسيّد والختن... كان يسوع في حركة مسير طويل دائم حتّى يبلغ كلّ الّذين أتى ليبشّرهم بخلاصهم ليؤمنوا به...

    فلماذا قال للأَعميَين: أنظرا لا يعلم أَحدٌ؟!... فلمّا خرجا شهراه في تلك الأَرض كلِّها...

    العمى ترك الأَعميين مجروحَي القلبِ والحسِّ بكرامتهما... لا يقدران أَن يعملا ليكسبا حياتهما... تُركا للاستعطاء من الفقراء والأغنياء وكلِّ المارّة... لم توجد وقتها المآوي... بل الفراغ!!.

    والفراغ صحراء رمالها حارقة دون أن توجد فيها بئر ماء... أو ينبوع ماء... أو حتّى ساقية ولو مملوءة بالطّحلب ليستقيا منها...

    كانت حياتهما خواءً وصقيعًا، انتظار ضجرٍ ومرارةٍ...

    فلمّا خرجا شهراه في تلك الأَرض كلِّها...

    الأعميان عرفا أنَّ يسوع هو ابنُ داوُدَ... وإذ دخل البيت الّذي يقال أنّه كان بيته... والإنجيليُّ متّى لم يحدّد...المهمّ له من سَرْد هذا الشّفاء أنَّ الأَعميين كانا يعرفان يسوع وعنه، لذلك تبعاه، إذ عرفا من الجموع أَنّه مجتاز من تلك النّاحية... وأَن يشفي الأعميين، بإِيمانهما به...

    الرّب لم يُرِدْ قطعًا أن يرُدَّ طالب عونٍ... خاصّة إِذا كانت تلك المعرفة الّتي يطلبها أيُّ مريض ستعطي النّاس معرفةً بمسيحهم...

    هذا هو إلهنا... وآخر سواه لا نعرف واسمه نسمّي...

    شفاء أعمى أريحا إبن برتماوس، جعل كثيرين يؤمنون بيسوع ويخبرون عن حادثة الشّفاء فتبعته الجماهير تاليًا...

    والآن نجد أنَّ شفاء الأَعميين هذين، جعل النّاس تتهافت على يسوع لتكون معه وحوله إِذ شفى آخرين...

    ويردف الرّسول متّى في إنجيله هذا، أَنّه بعد خروج الأَعميَين، قدّم النّاس، أو رسله له أَخرَسًا به شيطان. فلمّا أُخرج الشّيطان تكلّم الأَخرس...

    هكذا، وهنا أيضًا تعجّب الجموع قائلين: لم يظهر قطّ مثل هذا في إسرائيل.

    يا أُورشليم... يا أُورشليم... يا قاتلة الأَنبياء وراجمة المرسلين إِليها... كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادكِ إليكِ كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا... هوذا بيتكم يُتْرَك لكم خرابًا... لأنّي أقول لكم إنّكم لا ترونني من الآن حتّى تقولوا مبارك الآتي باسم الرّب(مت 23: 27-28).

    البسطاء كانوا أكثر إيمانًا من الفرّيسيين وسيبقون...

    المشكلة كانت وستبقى أَنّ ذوي المعرفة والمال والسّلطة يظنّون أنّهم رؤساء قومهم... هؤلاء لم يُسْلِموا قلبهم إلى يسوع المسيح... بل حكموا بعقولهم والرّب قال مخاطبًا أولاده والخُلَّص الّذين تبعوه وما زالوا ينشدون الحقيقة...

    يا بنيّ... أعطني قلبك...(أم 23: 26).

    أورشليم مدينة الملك الّذي صلبته دون أن تدرك أَنّه هو ملكها... الّذي انتظروه أجيالاً وأجيالاً، من يوم إدراكهم أَنّه عليهم أن يطلبوا الملك المنتظر...

    إفتحوا الأبواب ليدخل ملك المجد... من هو هذا ملك المجد؟!... إِفتحوا الأبواب ليدخل ملك المجد... من هو هذا ملك المجد؟!... القويُّ في القتال... هذا هو ملك المجد...(مز23: 7-10).

    وانفتحت أبواب الجحيم المغلقة الحافظة في مساكنها شياطين المجدِ الأرضيّ والغنى وعشق الأَنا والتّسلّط... وبقيت الجموع المسيحانيّة خارج الأسوار...

    وسأل القدّيس: أهذه هي المدينة الّتي قتلت ربّها، ملكها، وإلهها؟!. نعم!!. إذًا لن أدخلها إلى الأبد!!. وعاد القدّيس إلى خبائه...

    ويعود كلُّ أطفال البيعة الجديدة ليولدوا في مذود الحيوانات... في معلف البقر والغنم والجداء...

    هؤلاء يكونون عائلة الإله الجديدة الّتي لا مال لها ولا جمال لننظر إليهم... لنشتهيهم... مضروبون... ذوو عاهات... وإِذ يبتسمون يظنّهم رائيهم أنّهم يبكون... نعم هؤلاء هم الّذين يذرفون الدّموع الغاسلة خطايا آبائهم وأمّهاتهم وأجيال حكّامهم، الّذين يدوسون عليهم ليقطعوا البحر الأحمر قبل أن تُقْفِلَ عليهم أمواج بحار الموت...

    الفرّيسيّون لم يحبّوا... لذلك لم يؤمنوا... ولن يؤمنوا!!!... لذا قالوا عن ربِّهم وإلههم ومليكهم، أنّه برئيس الشّياطين يُخرج الشّياطين...

    أنا هو الّذي هو( خر3: 14).

    صدِّق أو لا تصدِّق يا إسرائيل... لأنّك أَنت أغبى أهلِ الأرض... لأنّك أسلمتَ ذاتك لطبّ وأطبّاء هذا العالم الّذي ما زال بعيدًا عن التّوبة، للرّجوع إلى إلهه وربِّه...

    وكان يسوع يطوف المدن كلَّها والقرى ويعلِّم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كلَّ مرض وكلَّ ضعف في الشّعب...

    فيا ربّي تعال!!. تعال!!...

   

الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

23 تموز 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share