<
فقط في الكنيسة بإمكاننا أن نرتشف الماء الزلال الذي يجري من الجنب المطعون للمسيح ليعطي حياة أبدية. كل التعاليم الأخرى إن هي سوى آبار مشقّقة لا تضبط ماء.(القدّيس إيريناوس أسقف ليون).لا تحاربنا الشّياطين، إلاّ عندما نتمّم ميولنا الرّديئة، الّتي هي بالحقيقة شياطيننا الّتي تحاربنا فنهزم أمامها برضانا.(القدّيس بيمن).نعمة التّوبة الفاعلة في المجاهدين هي صفقة إلهيّة وتبادل؛ نعطي فيه ترابًا ونأخذ سماءً.(الشّيخ يوسف الهدوئي).إنّ الاتّحاد الدّائم بالهّ مصدرِ الحبّ لا يمكن أن يبقى غير ملحوظ. لأنّه عندما يخترق الحبُّ الإلهيُّ القلبَ يوقظ فيه قوّة لم تسمع بها أذن من قبل، وإنّما تحسّ بها، فقط، قلوب محبّي الله .(الأم كاترين أفيموفسكي).إن أردتَ الخير لولدك، أقول لك ماذا تفعل: "إصنع لولدكَ لباسًا، واصنع لباسًا آخر لولد فقير. فلأجل ذاك الولد الفقير يُفَرِّحُ الله حياة ولدك". (القدّيس قوزما الإيتولي).
تأمّلات في الإنجيل
الأحد الثّامن عشر بعد العنصرة.
حياةُ البشريّة ورقادُها
في جنبِ السّيّد!!...

   ويأتينا الرّسولُ توما بعد يومَين حاملاً لنا خبرَ لجوئِه إلى جنبِ السّيّدِ، ليحيا فيه ثمّ يَخْرُجَ من حبِّ الإلهِ له، إذ عايشَهُ في جرحِ شكِّهِ وإثباتِهِ لنفسِهِ، أنّه محبوبٌ مثل الإخوةِ، ممتلئًا نعمةً فوقَ نعمةِ، لينتزعَ ذاتَهُ تاليًا من أناه، من ذاتيّتِهِ فيدخلَ عالمَ السّقوطِ البشريّ حيث يسكنُ تُبَّاعُ المسيحِ، والّذين اضطهدوه والّذين رذلوه، والّذين رُبّوا على اسمِهِ...

   في العالمِ الّذي قالَ لنا عنه السّيّدُ: "أنتم لستم من هذا العالم"... كيف يَحيا المؤمنُ الحقيقيُّ الّذي نذرَهُ أهلُه، أو نَذَرَ نفسَهُ للتّلمذةِ للإلهِ، أو دفعتْهُ أحداثُ عمرِهِ إلى التّسآل: "من يخلّصُني من جسدِ الموتِ هذا؟!"... من يموتُ وهو حيٌّ من الموتِ في جسدِ العالمِ للخروجِ منه والرّجوعِ إلى الهدأةِ، ثمّ إلى الموتِ في جسدِ السّيّدِ المعلّقِ على خشبةِ صليبِ حياتِنا على هذه الأرضِ، ثمّ ليبدأَ عمرُنا ويَنتهي، ليبدأَ أيضًا وأيضًا في حضنِ مسرّةِ الابنِ ووالدتِهِ العذراءِ مريمَ الجالسةِ عن يمينِ ابنِها مخلّصِها للعيشِ في عالم من التّفهِ الّذي يحكمُهُ أميرُ وأمراءُ هذا العالمِ بمالِهم وسلطةِ إعتاقِهم خدّامَهم والمحتاجين للعملِ، حتّى يأكلوا خبزَ فريضتِهم لا بعرقِ جبينِهم، بل بالدّمِ القاطرِ من جنبِ يسوعَ المخلّصِ على الصّليبِ ومن قلوبِهم وأحشائِهم وحسِّهم باللّاحبِّ المحاطين به...

   كلّنا، نحن الّذين التزمْنا الإيمانَ بالمسيحِ وعيشَهُ نبراسًا وحياةً لنا، نستوقفُ أنفسَنا لنُسائلَ عقلَنا، لماذا نحن مولودون في هذا العمرِ؟!. ما هدفُ حياتِنا؟!... لتنسكبَ كلُّ نعمةٍ وفرحةٍ وهناءِ عيشٍ في مغطسِ الألمِ، حتّى نخْرُجَ منه إلى جراحِ قلوبِنا وعقولِنا طالبين البُرءَ، وليس من طبيبٍ يشفينا في هذا العالمِ...

   قالَ لنا آباؤنا الّذين عبّدوا حياةَ القدّاسةِ أمامَنا، من جيلٍ إلى جيل: "الفقرُ بركةٌ" كذا "الحرمانُ"، فهما ذوقٌ لحياةِ التّطهُّرِ من أدرانِ سقطةِ آدمَ وحوّاءَ في جبِّ لعنةِ اللّاحبِّ الإلهيِّ، الّذي صيّرَ الإنسانَ، بل كلَّ مولودٍ من رحمِ أبيه وأمِّهِ عبدًا لكرهِ الآخرِ والغيرةِ والحسدِ منه للاستيلاءِ على ممتلكاتِهِ، تاليًا، عليه، فلا يعودَ للفردِ شَخْصانيّةُ الإلهِ المتدفّقةُ حنانًا وحبًّا وتضحيةً ورجاءً بمخلّصٍ يُنهضُ هذا الكونَ من سقطتِهِ... ونزلَ الإنسانُ إلى جبِّ نفسِهِ بدلَ الصّعودِ إلى مسيحِهِ المتجسّدِ لأجلِهِ على صليبِ الحبِّ المحكيِّ عنه ولكن بالامّحاءِ في جنبِ الخالقِ والآخرِ الّذي على صورتِهِ ومثالِهِ الّذي لم يصرْ بعدُ نبراسَ وناموسَ حياةِ الإنسانيّةِ...

   الحبُّ يُترجَمُ "بالتّملُّكِ"، والتّملُّكُ بـ"حبِّ الأنا"، و"الدّورانِ حولَ الّذاتِ". هذا يُصغِّرُ الإنسانَ فتتضاءَلُ دائرةُ تحرُّكِهِ حتّى لا يعودَ يلقى بعدَ فترةٍ إلا نفسَهُ، فينهارُ عندها... يَسجُدُ لها، لتبدأَ عبادةُ الأنا تتضخّمُ، لتُفنيَ وتعظُمَ فيلتغي الآخرُ شيئًا فشيئًا، ليبقى الموتُ والمرضُ ركيزتَي حياةِ الإنسانِ.

   وينظرُ الإنسانُ المؤمنُ حولَهُ فيصرخُ أيضًا وأيضًا: "من يخلّصُني من جسدِ الموتِ هذا؟!"... من حرقةِ وضياعِ روحِهِ في حقلِ تجاربِ العالمِ حولَهُ، ليجعلوه مسخًا من مسخيّةِ عَظَمَتِهم... "إلي أين نذهب؟!"... زهقتْ أرواحُنا وضعُفَتْ رؤيتُنا ولا انفراجَ حسٍّ لنا، إلاّ بالنّوحِ والدّموعِ وإذا بدأنا بالصّلاةِ، يدفعُنا الشّرّيرُ الّذي مطرحُهُ في وجدانِنا، إلى الشّكِّ، إلى الإدانةِ، إلى إفقارِ الآخرِ من كلِّ ما يملكُ حتّى من نسيماتِ حبِّ الطّبيعةِ الإنسانيّةِ بفصولِها وخيراتِها، لنرميَ فيها عِلْمَ عقولِنا فتندسَّ السّمومُ في كلِّ ما نأكلُ ونشربُ، ويولدَ لنا، لا جيلُ الفقرِ والحربِ الفتّاكةِ المبيدةِ بالقنابلِ حياتَنا، بل الاستكانةُ لأكلِ كلِّ ما يُقدَّمُ لنا، لنموتَ في انجازاتِ تجاربِنا ويموتَ كلُّ الشّعبِ من مصدرِ عيشِهِ وحياتِهِ على الأرضِ.

*  *  *  *  *  *  *

   وكان المسيحُ... وكان توأمُهُ توما...

   لنصيرَ نحن الّذين أُحببنا من المسيح فأحببناه بحبِّ توما معلّقًا على الصّليبِ...

   ويبقى التّسآل:

   أين صليبُ الموتِ المميتُ للشّيطانِ؟!. صليبُ الحبِّ والخوفِ والشّكِّ واليأسِ والتّرجّي، إذ يلقى الإنسانُ، كلُّ إنسانٍ، عديلَ روحِهِ، نفسِهِ، والجسدِ، مصلوبًا على النّهاياتِ الّتي لم تبدأ له في كيانِهِ، بل ورثَها هو من أبوَيه، وأجدادِهِ، تراثَ حياةٍ لا يعرفُ أين بدأت، بل يُدركُ واحدةً، أنّهُ إن عاش فللموتِ...

   هكذا يسربُ  الشّيطانُ بلعنِهِ احتيالَ ذكائِهِ إلى قلبِ وضميرِ الإنسانِ الحيِّ ليُسائلَ: كيف أماتَ "يسوعُ المصلوبُ" الموتَ بالموتِ؟!... وكيف أماتَ "الرّسولُ توما" الشّكَّ بالإلهِ معطي الحياةِ بإصبعِهِ الّذي غرسَهُ في جنبِهِ حتّى يصرخَ، بكلِّ من مات وهو مائتٌ وسيموتُ  بضعفِهِ يائسًا وممتدًا إلى حياةٍ أبديّةٍ: لا تموتوا!!. فإلهُنا ماتَ عنّا ليقومَ فينا ويقيمَنا معه من وعلى صليبِ حبِّهِ الّذي لا يحدُّ... والّذي لا ابتداءَ ولا انتهاءَ له.

   اليومَ في تذكارِ رقادِ الرّسولِ توما بالجسدِ، يضعُ كلُّ محبٍّ للمسيحِ وللآبِ والرّوحِ القدسِ حياةَ كيانِهِ في جنبِ السّيّدِ والمعلّمِ، ليجرؤَ صارخًا بانصهارِهِ في كيانِ الرّبِّ، تملّكَ المعرفةِ الخبريّةِ الوحيدةِ الحقيقيةِ في الكونِ: "أنت ربّي وإلهي"....

   اليومَ نُدركُ أنّنا كلَّنا "توما"، إن أحبَبْنا من كلِّ الكيانِ والقدرةِ والنّفسِ والعقلِ إلهَنا الرّافعَنا معه إلى صليبِ حياةِ حبِّهِ لنا وقيامتِهِ في سقوطِنا وخيانتِنا للإطاحةِ بكلِّ مَن عاشَ وعلّمَ، إذ غالبيّتُنا ما تزالُ تشكُّ لا بالإلهِ فقط، بل بالأخِ والقريبِ والعائشِ معنا من وجدانِ إلهِنا وحياتِنا، إذا أردْنا وارتَضَينا أن نقولَ له: "النّعمَ!".... قبل أن يسألَنا، لأنّنا عرفناه، في حسِّ قلوبِنا، وارتضَيْنا اتّباعَهُ مثل "توما" لنصيرَ وإيّاهُ واحدًا بعزمِ ورجاءِ قلوبِنا، باحثين عنه في رداءةِ نوايانا ولهوِنا عن الإلهِ الكلمةِ.

   اليومَ، "توما" الّذي لم يلمسْه أحدٌ من الّذين أحبّوا المعلّمَ، يُسائلونه: أيقبلُنا إلهُنا إن أتيناه من سقوطِنا وخطايانا أم يقولُ لنا: "اذهبوا عنّي، لأنّي لا أعرفُكُم"...

   "وضعونا نحن كلَّنا في جبِّ أسفلِ السّافلين"... كما وضعوا ربَّنا وسيّدَنا... أمّا توما ، فأين كان حين قبضوا على المعلّمِ؟!...

   كان يقفُ بعيدًا متنكّرًا في زيٍّ غريبٍ، لأنّه عرفَ أنّ لاحياةَ له في ذاتِه، وأنّه إذا لامسَ جنبَ المعلّمِ أبطلَ المعلّمُ معرفتَهُ لذاتِهِ... محا يقينَهُ في أنّه يعرفُ... تركَهُ نسيًا منسيًّا... أسلمَهُ لعدمِ الثّقةِ بذاتِهِ... أبحثَهُ عن الإلهِ، عنه فيه...

   وصارَ "توما" جديدًا في حبِّهِ... لم يعدْ يرى في الآخرِ إلاّ الرّحمةَ وغنى الملكوتِ الإلهيِّ... أشعرَهُ الإلهُ أنّه لم يعدْ وحيدًا حتّى يبحثَ عن أيٍّ كان... وأطلقَهُ... أطلقَ الرّبُّ "توما" إلى أقصى أقاصي الأرض حتّى يبنيَ هياكلَ الرّبِّ بالشّعوب الّتي لم تعرفْ في حياتِها، حسَّ الآخرِ غيرِ المحبِّ، بل بقيَتْ تنتظرُ جمعَ المسيحِ جميعَ متفرّقاتِ الأرضِ وكلَّ الّذين لا يعرفون الإلهَ، حتّى يعرفوه بلمسِةِ وعيهم له، أنّهم من دون العيشِ في جنبِ السّيّدِ لاغترافِ الحياةِ الحياةِ الّتي لا مثيلَ لها إلاّ في فردوسِ حبِّ المسيحِ للإنسانِ، وكشفِ جنبِهِ حتّى يلامسَهُ فيَدخلَهُ كلُّ طالبٍ للمعرفةِ الحقِّ والحبِّ النّقيِّ الخالصِ والصّبرِ على الآخرِ واحتضانِهِ حتّى لا يسقطَ في يأسِ وكبرياءِ ولعنةِ الشّيطانِ...

   اليومَ يقفُ أمامَنا السّيّدُ المصلوبُ والقائمُ من أسفلِ دركاتِ الجحيمِ رافعًا بين يدَيهِ، لا والدتَهُ العذراءَ مريمَ في رقادِها، إليه، بل رسولَهُ وسميَّهُ وصفيَّه وحبيبَهُ "توما" الّذي يبقى هو، وكلُّ من أحبَّ الإلهَ، فأتكأَ روحَهُ وكيانَهُ على صدرِ معلِّمِهِ السّيّدِ الرّبِّ، ليرقدَ وينامَ ثمّ يقومَ إلى الاشتراكِ في سريّةِ عشائِهِ الثّالوثيِّ العظيمِ...

   اليومَ، كلُّ البشريّةِ المؤمنةِ إن أحبَّتِ الإلهَ كما "توما" أحبَّه، تخلصُ، فتتنادى شعوبُ الأرضِ الهافّةُ وراءَ سيّدِها قائلةً: هيّا، قُمْ من كبوتِكَ يا إنسانُ، لأنّ إلهَنا ينتظرُنا... آمين.

   فيا إلهَنا، ربَّنا وسيّدَنا، أهِّلْنا أن نحبَّكَ كما توما، فنأتيكَ لتضعَ أنتَ إصبعَنا في جنبِكَ لنصرخَ بصوتِ الرّسولِ: أنتَ ربُّنا وإلهُنا وآخرَ سواكَ لا نعرفُ واسمَكَ نُسمّي... آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

4 تشرين الأول 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share