صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
تأمّلات في الإنجيل
أحد الفرّيسيّ والعشّار.
بدءُ الدّخولِ إلى التّوبةِ
بمعرفة الذّات.

   هكذا انشقَّ الكونُ إلى قسمَين... كذا الهيكلُ والإنسانُ...

   وكانتِ الصّلاةُ، مِرْفَقُ الحياةِ، هي ميزانَ الوعيِ والاعترافِ...

   فرّيسيٌّ دخلَ الهيكلَ صاعدًا إليه من منزلِهِ في المدينةِ، كذا العشّارُ...

   وكان اليومُ سبتًا راحةً للصّلاةِ، حيث يدخلُ كلُّ مؤمنٍ يهوديٍّ إلى الهيكلِ ليصلّي، حتّى يكمِّلَ أسبوعَ عملِهِ لاستمراريّةِ البركةِ في حياتِهِ قبلَ مماتِهِ وانطلاقِهِ خارج هذا العمر...

   هذا كان ويبقى المحطةَ الّتي يتوقّفُ فيها وعندها أيُّ إنسانٍ في رحيلِ ورحلةِ عمرِهِ... الهيكلَ!!...

   كثيرون يخرجون خارجَ أنفسِهم ليصعدوا من واقعِهم إلى واقعِ ربِّهم، إلى الإيمانِ، للوصالِ مع إلهِ الكونِ وطلبِ حاجتِهم منه...

   ماذا يريدُ الإنسانُ من الإلهِ؟!... ويبقى التّسآلُ: من هو الإلهُ بالنّسبةِ للإنسانِ؟!... هل يتوارثُ كلُّ إنسانٍ واقعَ الصّلاةِ والانتماءِ الإيمانيِّ، حياةً من تراثِ عائلتِهِ، أبوَيهِ، ليكمِّلَهُ هو واقعًا يتشبّثُ به، مرفأَ أمانٍ لحياتِهِ في هذا الكونِ؟!... وإذا عرفَ الشّخصُ الإيمانَ، هل يودُّ التّعرُّفَ عليه وكأنّهُ سندُهُ وواقعُ حياتِهِ الّذي لا يتزعزعُ، إذ يتمسّكُ به ليحيا ويبني به عقلَهُ، نفسَهُ، الجسدَ، والرّوحَ الّتي هي إطارُ الجسدِ ليصيرَ ذاك الكيانُ كيانًا روحيًّا يتلمَّسُ فيه ومنه حقيقةَ وجودِهِ ليحيا؟!...

   الإنسانُ الفرّيسيُّ... صاحبُ الشّريعةِ وحافظُ النّاموسِ، صعدَ في ذلك السّبتِ إلى الهيكلِ ليصليَ... دخلَ ووقفَ في محلِّهِ، الّذي هو له، بالتّقليدِ اليوميِّ... واعيًا أنّ عينَ الله عليه بدءًا... بالصّلاةِ... لم يطلبْ أيَّ شيءٍ لنفسِهِ... لأنّه كان يملكُ كلَّ شيءٍ... وإذ اخترقَهُ روحُ الرّبِّ كاشفًا له عمقَ أعماقِ قلبِهِ حين وقفَ يصلّي في نفسِهِ هكذا: "اللّهمَّ إنّي أشكرُكَ، لأنّي لستُ كسائرِ النّاسِ الخطفةِ الظّالمين الفاسقين ولا مثلَ هذا العشّارِ"... صمتَ الإلهُ عن الاستجابةِ... لم يعدْ بإمكانِ روحِ الله أن يُصغيَ، لأنّ الله لا ولن يسامحَ المصلّيَ الدّيانَ لأخيه حتّى لو كان واقفًا في هكيلِ قدسِ الإلهِ، يتّهمُ أبناءَ الله مقارنًا نفسَهُ "النّقيّةَ"، بإدانةِ كلِّ الّذين حولَهُ... في سرِّه قطعَ هذا الإنسان الفرّيسيُّ المصلّي كَذِبًا نفسَهُ عن كيانِ الله، عن ناموسِهِ، عن حياتِهِ الّتي يوزِّعُها على عبادِهِ في الهيكلِ وخارجَهِ... الله يطلبُ قلبَ الإنسانِ، لا مناقِبَهُ وما يظنُّه ذاكَ المصلّي له من بركاتٍ تأتيه من إلهِهِ، لأنّه هو بالوراثةِ والمحتدِ، يأتي الهيكلَ ليعرِّفَ ربَّهُ على مناقبيّتِه وأَفعالِهِ، لا باتّضاعِ قلبٍ، بل بتعدادِ ما له وعندَه، بدينونةِ أخيه...

   بدءًا، فرزَ الفرّيسيُّ الغيّورُ نفسَهُ عن شعبِهِ، معظِّمًا نفسَهُ أمام خالقِهِ... وانتظرَهُ ربُّهُ حتّى يرعويَ... حتّى يغيِّرَ لهجتَهُ، حتّى يخترقَهُ روحُ الرّبِّ المعزّي، الحافظُ بدءًا الفقيرَ والمريضَ واليتيمَ والطّفلَ والتّائبَ، هؤلاء الّذين ليس لهم معينٌ ومعيلٌ في هذا العمرِ غيرُ رحمةِ ربِّهم...

   الإنسانُ تركَ الإنسانَ يموتُ أمامَ عينَيه ويفتقرُ وينوجعُ، وكان هو غائبًا بالكليّةِ عن شرائعِ الإلهِ الّتي تأمرُ كلَّ من يدّعي الإيمانَ بأن ينظرَ لا إلى نفسِهِ، بل إلى رفيقِهِ وجارِهِ وحتّى عدوِّهِ مؤذيه، ليشدَّه إلى الرّجوعِ لمعرفةِ ربِّهِ ببرِّهِ هو الصامتِ والباكي على فقرِ أخيه وصديقِهِ وجارِهِ وصُنْوِهِ في حياتِهِ...

   "أيُّ إلهٍ عظيمٌ مثل إلهِنا؟!"... لتبقَ عظمةُ الله "الصّبرَ" على جميعِ مخلوقاتِهِ كيفما عاشوا ومهما فعلوا... منتظرًا أن يأتيَهم من يحبُّهم ليتوِّبَهم، رادّهم إلى بكارةِ الحبِّ والمشاركةِ وليعلِّمَهم أنّ إلهَهم عظيمٌ بحبِّهِ ومساواتِهِ لأعمالِ يدَيه...

   كيف لم يعِ الفرّيسيُّ هذا النّاموسَ في حياتِهِ النّاموسيّةِ؟!. لأنّ النّاسَ بالنّسبةِ إليه كانوا أقلَّ منه مستوى ومعرفةً ومركزًا ومالاً... ظانًّا أنّ الإلهَ لا يعرفُ حقيقةَ النّفسِ البشريّةِ ليدينَها بالحبِّ، فيملأَ جرارَها وداعةً وعطاءً وبركةَ حياةٍ، أو يقفَ بالمصلّي مستمعًا لاستخدامِهِ الإيمانَ لإدانةِ الإنسانِ الآخرِ، تاليًا، إدانةِ الله الّذي خلقَ، مُبدعًا غيرَهُ في هذه الحياةِ...

   "وبالشّكرِ تدومُ النِّعمُ"!!... الفرّيسيُّ لم يشكرِ الله على كلِّ عطاءاتِهِ، له وللآخرين... بل فرزَ نفسَهُ عنهم معظِّمًا ذاتَه، وساحقًا الآخرين، كلَّ الآخرين تحت سلطةِ أحكامِهِ... واستبانَ وجهُ الإلهِ وحقيقتُه سوداء، لا حبَّ فيها ولا رجاءَ ولا تعزيةً...

   هكذا أقامَ الفرّيسيُّ نفسَهُ فوق الله، ديّانًا ومُلغيًا حكمةَ وأحكامَ إلهِهِ كما الآخرَ...

   وادّعى الفرّيسيُّ أنّه ليس ظالمًا ولا فاسقًا... هكذا جرّدَ شريحةَ البشرِ رافعًا نفسَهُ فوقَ كلِّ شخصٍ آخرَ... ونظرَ حولَهُ في الهيكلِ، فرأى العشّارَ الّذي لم يرفعْ رأسَهُ ولا قلبَهُ ولا عينَه لتنظرَ الحاضرين وتحاكِمَهُم، أو لتتعلّمَ من وقفتِهم التّوبةَ وخفرَ الصّلاةِ وصمتَ العقلِ عن التّفكيرِ للإدانةِ، بل الاستكانةَ في صعودِهِ إلى المراقي الإلهيّةِ ليدينَ نفسَهُ...

   وأشارَ الفرّيسيُّ للعشّارِ أمام ربِّهِ... "هذا العشّارُ" وفي قلبِهِ قالَ وسمّاه الحقيرَ، السّارقَ وأَدانَهُ بتعدادِ فضائلِ صومِهِ وتعشيرِهِ هو.

   ويأتينا التّسآلُ... هل أحسَّ العشّارُ بادّعاءاتِ الفرّيسيِّ واتّهاماتِهِ له؟!... هل أدانه لأنّه أحسَّ بوهجِ احتقارِهِ له فصلّى له حتّى يتوبَ؟!. أم كان غارقًا في إدانةِ نفسِهِ وصلاةِ توبتِهِ حتّى يخلصَ؟!...

   وقوفُ العشّارِ بعيدًا، لأنّه عرفَ قدرَهُ أمام ربِّهِ وإلهِهِ، جعلَهُ يرى ويحملُ كلَّ الّذين أمامَهُ وحولَهُ بصلاتِهِ التّائبةِ المعترفةِ بنتنِ نفسِهِ وعدمِ اقتدارِهِ على الخروجِ من دائرةِ حياتِهِ المُفْرَغَةِ للخلاصِ، إلاّ بالتّوبةِ...

   الإلهُ لم يُقصِ العشّارَ... بل دعاه دعوةً سرّيّةً للمجيءِ إلى الهيكلِ حتّى يُقدِّمَ ذبائحَ توبتِهِ، قارعًا صدرَهُ ومخليًا قلبَهُ من كلِّ شرٍّ ونجاسةٍ وحسِّ استكبارٍ يحملُ في طيّاتِهِ الإدانةَ للآخرين...

   "لا تدينوا لكي لا تدانوا"...

   هكذا ظهرَتْ صلاةُ يسوعَ، أو الصّلاةُ ليسوعَ من أجلِ خطايانا وجهالاتِ الشّعبِ الواقفِ فينا، معنا وحولَنا، لامّةً كلَّ إنسانٍ لم يأتِ به حالُهُ إلى التّوبةِ والصّلاةِ في هيكلِ قدسِ الإلهِ...

   "اللّهمَّ ارحمْني أنا الخاطئَ"... أتُرى تأتي التّوبةُ دائمًا من الخطأةِ إلى ربِّهم ولا تشملُ الفرّيسيّين الواثقين بأنفسِهم، المتعظّمين بسرِّ قلبِهم، العابدين ذواتِهم، والمدّعين معرفةَ الله بالصّلاةِ وكثرتِها والتّبخيرِ لذواتِهم قبلَ التّبخيرِ لربِّهم متى وقفوا أمامَ وجهِهِ؟!...

   ويأتي الجوابُ منذ البدءِ، بادّعاءِ البرِّ حيث كان الإنسانُ في الفردوسِ...

   هذه كانت تقدمةَ ملاكِ النّورِ الشّيطانِ السّاقطِ والمُسقِطِ معه ذريّةَ الإلهِ... وهذا كان انتقامَ الشّرّيرِ الحيّةِ من الله، لأنّه أنزلَ حسَّ الاستكبارِ ورَذَلَ القلبَ، بل شوَّهَهُ ليحيا الإنسانُ بعد طردِهِ، بل طَرْدِ نفسِه من حبِّ إلهِهِ إلى جحيمِ أناه، ليخدمَ ذاتَهُ، فيحيا لذاتِهِ حتّى يلملمَ لقمةَ عيشِهِ، لا متَّكلاً في وجودِهِ وأَكلِهِ وشربِهِ على خالقِهِ، ليتفرّغَ هو إلى العبادةِ... عبادةِ وجهِ خالقِهِ ليحيا قربَهُ... إذ كلّما قَرُبَ حسُّ معرفتِهِ للألمِ الّذي سبّبَهُ لإلهِهِ، يَحْزَنُ ويعودُ إلى نواحِهِ على نفسِهِ، لأنّه خسرَ حبَّ وحنانَ وعطاءاتِ ربِّهِ، ساجنًا نفسَهُ في مشيئتِهِ هو... فيرتدُّ إلى الدّعاءِ  والتّرجّي أن: "ارحمْني يا ربّي أنا الخاطئَ"... ولا تُخزِني من رجائي بكَ، بل خلّصْني بعظيمِ وداعتِكَ ورحماتِكَ...

   واستجابَ الرّبُّ الإلهُ القادرُ على كلِّ شيءٍ... استجابَ صرخةَ العشّارِ، وسُمِعَ وقعُ قرعِهِ على صدرِهِ في الهيكلِ وكأنّه طبولُ الحربِ ضدّ الشّرّيرِ والأنانيّةِ والكبرياءِ تدقُّ ليتناقلَها الصّدى عبرَ الأرضِ، فيقولَ الرّبُّ للبشريّةِ: "اخرجوا مبرَّرين بالتّوبةِ وإدانةِ النّفسِ إلى ملكوتِ ربِّكم، إلى بيوتِكم، ولا تستكبروا أو تسمعوا نداءَ إداناتِ العشّارِ فتهلكوا، لأنّ كلَّ من رفع نفسَهُ اتّضع ومن وضعَ نفسَهُ ارتفعَ"... آمين.


الأمّ مريم (زكّا)
رئيسة دير القدّيس يوحنّا المعمدان
دوما – لبنان

21 شباط 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share