<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
النّاسك وصديقه الأسد

القدّيس البار جراسيموس الأردني


القدّيس جيراسيموس الأردني

       عاش، منذ زمن بعيد، راهب ناسك اسمه جراسيموس في لافرا (دير كبير) أسسه قرب نهر الأردن. كان محبًّا لله، تقيًّا جدًا ويصلّي كثيرًا.

       ذات مرّة كان يتمشّى على ضفة النهر فدنا منه أسد يزأر متوجّعاً . كانت قدمه تؤلمه وكان يمشي بصعوبة. فإن رأس قصبة اخترقها واستقرّ فيها. كانت القدم منتفخة وممتلئة قيحاً. فلمّا عاين الأسدُ الرّاهبَ دنا منه وأراه قدمه المجروحة. وكان كأنه يبكي ويسأل العون. فلمّا رآه جيراسيموس على هذه الحال جلس وأخذ القدم في حضنه، ثم فتح الجرح وأخرج القصبة والقيح، وبعدما نظّف الجرح ولفّ القدم بقطعة قماش تركه لينصرف. لم يشأ الأسد الانصراف بل بقي مع الراهب كتلميذٍ جديدٍ له. فقبله الرّاهب، فأخذ الأسد يرافقه في دخوله وخروجه. مذ ذاك أخذ جيراسيموس يطعمه الخبز والخضار المسلوقة.

رأى جيراسيموس الأسد على هذه الحال فجلس وأخذ القدم في حضنه، ثم فتح الجرح وأخرج القصبة والقيح، وبعدما نظّف الجرح ولفّ القدم بقطعة قماش تركه لينصرف.

       وكان في اللافرا حمار يستعين به الإخوة على نقل حاجتهم من المياه، من نهر الأردن. وقد اعتادوا ان يسلّموا الحمار إلى الأسد لكي يهتمّ به. فكان الأسد يخرج بالحمار إلى ضفة النهر ليرعى ثم يعود به إلى اللافرا.

وكان في اللافرا حمار يستعين به الإخوة على نقل حاجتهم من المياه، من نهر الأردن. وقد اعتادوا ان يسلّموا الحمار إلى الأسد لكي يهتمّ به.

       وحدث، في أحد الأيام، أن كان الحمار يرعى بحراسة الأسد، فابتعد قليلاً ولم يلاحظه الأسد، ربما لأنه غفا قليلاً، فمرّ جمّالون آتون من الصّحراء العربية فوجدوا الحمار فأخذوه وذهبوا.

       بحث الأسد عن الحمار فلم يجده فعاد إلى الدّير حزيناً مطأطئ الرأس. فظنّ جيراسيموس أن الأسد عاد إلى وحشيته وافترس الحمار فقال له:"أين الحمار؟" فصمت الأسد وأحنى رأسه، فقال له الرّاهب: هل افترسْتَه؟ إني باسم الله المبارك أقول لك، إنّ ما اعتاد الحمار فعله عليك أنت أن تفعله من الآن فصاعداً. من تلك اللحظة أخذ الأسد يحمل الآنية الأربعة للمياه جيئةً وذهابًا.

>فقال له الرّاهب: هل افترسْتَه؟ إني باسم الله المبارك أقول لك، إنّ ما اعتاد الحمار فعله عليك أنت أن تفعله من الآن فصاعداً. من تلك اللحظة أخذ الأسد يحمل الآنية الأربعة للمياه جيئةً وذهابًا.

       بقي الأسد على هذه الحال ردحاً من الزمان. وذات يوم مرّ عسكري بالمكان فرأى الأسد يحمل المياه فتعجّب وسأل عن السبب. فلما أُخبر بما جرى أسف لحاله وأخرج ثلاث قطع فضيّة أعطاها للرّهبان ليشتروا حماراً ويطلقوا سراح الأسد. فكان كذلك وانطلق الأسد حراً. وما إن مضى بعض الوقت حتّى حدث العجب. كان الأسد يتنقّل حراً فإذا به يجد نفسه وجهاً لوجه أمام الحمار الضائع. الجمّال الذي أخذه كان عائداً إلى المدينة المقدّسة ليبيع قمحه، فمرّ من هناك. عرف الأسد صاحبه للحال فانقضّ عليه وعضّه في عنقه، كما كانت عادته وجرّه، كما جرّ معه ثلاثة جمال كانت مربوطة الواحدة إلى الأخرى فإلى الحمار يتقدمها. فلما وصل الأسد إلى الدير بحث عن جيراسيموس وقدّم له الحمار. إذ ذاك عرف الرّاهب أنه اتهم الأسد ظلماً، فسمّاه، مذ ذاك، أردن. وعاش الأسد مع جيراسيموس في اللافرا خمس سنوات لا ينفصل عنه.

       فلما رقد قدّيسنا بالرب ودفنه الآباء، حدث أن الأسد، بتدبير من الله، لم يكن موجوداً. فلما عاد أخذ يبحث عن صديقه فلم يجده. وإذ رآه ساباتيوس، تلميذ الأنبا جيراسيموس، قال له: يا أردن، لقد غادرنا راهبنا يتامى إلى الرّبّ، ولكن تعال وكُلْ. فلم يشأ الأسد أن يأكل. كان ينظر يميناً ويساراً باحثاً عن صاحبه وهو يزأر كمن لا يطيق الفراق. حاول ساباتيوس والآباء التخفيف عن الأسد. قالوا له: لقد ذهب الراهب إلى الرّبّ. تركنا. لم يعد هنا. لا شيء خفّف عن الأسد لوعته. كان يزداد زئيراً وأنيناً. إذ ذاك قال له ساباتيوس: تعال معي يا أردن. طالما لا تصدّقنا فسأريك أين وضعناه. فجاء ساباتيوس والأسد إلى القبر على بعد نصف ميل من الكنيسة. فلما بلغاه قال ساباتيوس: هنا يرقد راهبُنا، ثم جثا على ركبتيه. فلما رآه الأسد جاثياً ضرب رأسه أرضاً وزأر زئيراً عظيماً وسقط عند القبر مائتًا.

فلما رقد قدّيسنا بالرب ودفنه الآباء، عاد الأسد وأخذ يبحث عن صديقه فلم يجده...فدّله ساباتيوس على مكان رقاد القدّيس وجثا على ركبتيه. فلما رآه الأسد جاثياً ضرب رأسه أرضاً وزأر زئيراً عظيماً وسقط عند القبر مائتًا.

       نُشير إلى أنّ ما جرى للأسد كان لا يعني أنّ للأسد نفساً ناطقة بل لأن الله أراد أن يمجّد الذين يمجّدونه، لا فقط في مدة حياتهم ولكن بعد موتهم أيضاً، وكذلك أن يبيّن كيف أن البهائم كانت خاضعة لآدم قبل أن يتعدّى الوصيّة ويُطرد من الفردوس.

       يعيّد للقدّيس جيراسيموس الأردني في 4 آذار.

صلواته تكون معنا. آمين


النص: عائلة الثالوث القدّوس

الرسم: هاكيا بفيتش


إيقونتان للقدّيس جيراسيموس الأردني


 
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share