بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
ولد غليظ الذهن



إيقونة جامعة للقدّيس سرجيوس رادونيج ووالديه القدّيسين كيريللس وماريا

     يُحكى عن القدّيس الروسي سرجيوس (رادونيج) أنه عندما بلغ السابعة من عمره، أرسله والداه إلى المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة. لكن سرجيوس كان غير قادر على الإستيعاب والحفظ، رغم كل الجهود التي كان يبذلها. ذهنه كان غليظاً، لذلك لم يتمكن من تعلّم القراءة والكتابة. وقد كان معلّمه يقاصصه والتلامذة رفقاؤه يضحكون عليه. أما في البيت فكان والداه يوبّخانه، بمناسبة وبدون مناسبة، لأنهما كانا يظنّان أنه لا يقوم بواجبه كما ينبغي. فكان سرجيوس يقضي أيامه ولياليه حزيناً باكياً. الجميع حسبوه كسولاً، أمّا هو فكان عاجزاً. وما زاد في ألمه أنه كان يعرف أنه عاجز مهما حاول ومهما درس.

 

فنظر إليه الشيخ نظرة ملؤها الحنان، ومدّ يده ووضعها على رأسه، وتلا صلاة خاصة عليه. ثم ناوله قطعة قربان وقال له:" لا تحزن يا ولدي! من هذه الساعة سوف يكون بإمكانك أن تميِّز الحروف وأن تقرأ!"

      استمرت حال سرجيوس هكذا إلى أن جاء يوم أرسله فيه أبوه إلى الحقول ليحضر الجياد التي كان قد تركها ترعى هناك منذ الصباح. فخرج سرجيوس حزيناً كعادته. وما إن سار قليلاً في الحقول حتى لفت انتباهه راهب كبير في السن يصلّي تحت سنديانة عتيقة وهو يبكي. فاقترب الصبي الصغير من الراهب بهدوء، ووقف ينتظره أن ينهي صلاته. فقال له الشيخ:"ماذا تريد، يا بنيّ؟". فقال له سرجيوس:"لست قادراً على حفظ ما يعلّمونني إيّاه في المدرسة، يا أبتي، فصلّ إلى الله من أجلي لكي يفتح لي ذهني وأتمكّن من القراءة". فنظر إليه الشيخ نظرة ملؤها الحنان، ومدّ يده ووضعها على رأسه، وتلا صلاة خاصة عليه. ثم ناوله قطعة قربان وقال له:" لا تحزن يا ولدي! من هذه الساعة سوف يكون بإمكانك أن تميِّز الحروف وأن تقرأ!".  وإذ إراد الشيخ أن ينصرف ركع سرجيوس على قدميه أمامه ورجاه أن يأتي معه لزيارة أهله قائلاً له:" إن والديّ، يا أبانا، يحبّان الناس الذين هم مثلك". فابتسم الشيخ وأمسك بيد الولد وقال له:"هلمّ بنا، إذن، إلى بيتكم!".

       استقبل أهل الصبي سرجيوس الشيخ استقبالاً طيباً ودعوه إلى تناول الطعام معهم، فوافق. ولكن، كما جرت العادة، دخل الجميع أولاً إلى الكنيسة الصغيرة في البيت لإداء الصلاة.

فأطاع سرجيوس وفتح الكتاب وبدأ يقرأ. وكم كانت دهشة الجميع كبيرة عندما سمعوا الصبي يقرأ الكلمات بشكل صحيح وواضح دون أيّة صعوبة وكأنه يعرف القراءة من سنين.

فأشار الراهب إلى سرجيوس أن يتقدّم ويفتح كتاب المزامير ويقرأ ما هو معيّن لخدمة الساعات. فاضطرب الصبي وأجاب وعيناه مطرقتان إلى الأرض:"...ولكن لا أعرف القراءة، يا أبتي!". فقال له الشيخ:"لا بل تعرف يا بني! اقرأ. لا تخف!". فأطاع سرجيوس وفتح الكتاب وبدأ يقرأ. وكم كانت دهشة الجميع كبيرة عندما سمعوا الصبي يقرأ الكلمات بشكل صحيح وواضح دون أيّة صعوبة وكأنه يعرف القراءة من سنين.

       وانتهت خدمة الساعات وخرج الجميع فرحين، شاكرين الله. ثم جلست العائلة والراهب إلى المائدة، فأخبروه عن سرجيوس وما جرى له في صغره. أخبروه أيضاً كيف أنه عندما كان بعد في البطن وكانت أمه تحضر القدّاس الإلهي، مرة، أخذ يهتف بصوت مسموع فيما كان الكاهن يقول:"قدّوس، قدّوس، قدّوس رب الصباؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك..."، وقد سمع جميع الحاضرين هتافه وتعجّبوا.

       وبعدما تناول الجميع الطعام، وهمّ الشيخ بتوديع العائلة والخروج من البيت، تطلّع إلى الصبي سرجيوس وقال عنه:"هذا الصبي، سوف يكون مسكناً للثالوث القدّوس، وسوف يأتي بالكثيرين إلى فهم إرادة الله".

 

إيقونة للقدّيس عندما رأى طيوراً عجيبة لا عدّ لها تملأ المكان. وقال له الصوت:"سوف يكون عدد تلاميذك كعدد هذه العصافير"

      وبالفعل، فقد تغيّرت حياة الولد بعد هذه الحادثة، وصار، شيئاً فشيئاً، يميل إلى حياة الرهبنة. وقد أصبح أحد كبار آباء الكنيسة الروسية. يُروى عنه أنه بعدما أصبح راهباً، سمع، مرة، صوتاً يناديه ويقول له:"سرجيوس، سرجيوس!". ففتح نافذة غرفته ليرى من المنادي. وإذا به يرى نوراً غير عادي ينزل من السماء، ويسمع صوتاً يقول له:"يا سرجيوس! انظر أي جمع اجتمع حولك باسم الثالوث القدّوس". فرأى القدّيس طيوراً عجيبة لا عدّ لها تملأ المكان. وتابع الصوت يقول له:"سوف يكون عدد تلاميذك كعدد هذه العصافير".

إيقونة القدّيس سرجيوس رادونيج مع مشاهد من حياته

       أجل، لقد أسّس القدّيس سرجيوس ديراً عظيماً باسم الثالوث القدّوس، ضمّ عدداً كبيراً جداً من التلاميذ. وقد استمر هذا الدير مدة طويلة من الزمن ينير روسيا بأنوار الحياة الرهبانية الملائكية.

       عاش سرجيوس 78 سنة ورقد في الرب في 25 أيلول، لذلك تعيّد له الكنيسة الروسية في هذا التاريخ من كل سنة.

 

 

                      صلواته معنا أجمعين.




النص: عائلة الثالوث القدّوس

الرسم: هاكيا بفيتش



صور إضافية عن القدّيس


لما أراد الدوق ديمتري إيانوفيتش الخروج لمحاربة قبائل التتر، عام 1380، جاء إلى سرجيوس سائلاً البركة فباركه قائلاً: "سوف تنتصر بعون الله وسترجع معافى كريماً". وبالفعل، تمكّن الدوق من دحر أعدائه ورفع عن الشعب الروسي نير مستعبديه القدّيس سرجيوس طفلاً مع الراهب القدّيس الذي شفاه - رسم ميخائيل نيستيروف 1890
   
دير الثالوث القدّوس الذي أسسه قدّيسنا في روسيا
ضريح القدّيس في كنيسة الدير
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share