<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
بورفيريوس والملك



        لا شك أنكم سمعتم بالملك قسطنطين الكبير. الملك قسطنطين الكبير هو أحد القدّيسين المعروفين في الكنيسة. والكنيسة تكرّمه لأنه اعترف، في زمانه، بحق المسيحيين في أن يكونوا مسيحيين، بعدما كان ذلك ممنوعاً عليهم. قبل قسطنطين، كانت، الدولة، ولو من وقت إلى آخر، تتّهم المسيحيين بالخيانة العظمى وتلاحقهم. لماذا الخيانة العظمى؟ لأنه كان لزاماً على كل سكان المملكة أن يعبدوا الملك وآلهة المملكة، وإلا اعتبرتهم الدولة خونة وأعداء. لذلك كل من عصى، كان يعرّض نفسه للإضطهاد والنفي والتعذيب، وأحياناً كثيرة للموت. هذا وإن عدداً كبيراً من المسيحيين، قبل قسطنطسن، ماتوا لأنهم رفضوا أن يعبدوا الملك وآلهة المملكة، وتمسّكوا بعبادة المسيح، وآخرون تعرّضوا للضرب والتعذيب والنفي. فلما جاء قسطنطين، أصدر مرسوماً أعطى فيه المسيحيين الحق في أن يعبدوا المسيح إلاههم بحماية الدولة.

يوليانوس الجاحد يشن حملة اضطهاد على المسيحيين

        ولكنْ، بعد قسطنطين بحوالي خمسة وعشرين سنة، اعتلى العرش ملك اسمه يوليانوس كان يكره المسيحيين وكان يريد أن يعود بالبلاد إلى ما كانت عليه قبل قسطنطين. وقد لقّبته الكنيسة بيوليانوس الجاحد، لأنه تربّى في الكنيسة، ومع ذلك لما كبر وصار ملكاً كفر بالمسيح. كان همّ يوليانوس أن يشجّع الوثنيين لينشطوا من جديد. كما كان همّه أن يُعيد العبادات الوثنية ويبطل العبادة المسيحية. لهذا كان يضطهد المسيحيين ويسخر من أسرارهم المقدّسة.

        وصادف، مرة، عيد ميلاد الملك، فأراد أن يتسلّى ويسلّي الجمهور. فدعا مهرّجاً مشهوراً اسمه بورفيريوس وطلب إليه أن يقلّد المسيحيين وهم يقومون بتأدية أسرارهم الكنيسة.

القدّيس بورفيريوس ساجداً للملك قبل تقدّمه للإداء بدوره التمثيلي

       اجتمع في ذلك اليوم جمهور كبير من الناس ملأوا كل مدرّجات المسرح. ووقف الممثّلون بثيابهم المستعارة. هذا لبس ثوب اسقف وذلك لبس ثوب كاهن وذاك ثوب شمّاس. أما بورفيريوس فوقف في الوسط شبه عريان. لماذا؟ لأن موضوع المسرحية كان المعمودية. كيف يقيم المسيحييون سرّ المعمودية؟ كان من المفترض أن يمثّل بورفيريوس دور من ستجري معموديته، أي طالب المعمودية. كلّ الناس كانوا يضحكون ويقهقهون ويلوّحون بأياديهم، ويصفّقون ويصفّرون. ربما في زاوية من زوايا المسرح، كان يقف مسيحي متخفيّاً ينظر المشهد حزيناً ويرسم إشارة الصليب على نفسه ويستغفر الله دون أن يدع أحداً يلاحظه.

اجتمع في ذلك اليوم جمهور كبير من الناس ملأوا كل مدرّجات المسرح...موضوع المسرحية كان المعمودية...ووقف الممثّلون بثيابهم المستعارة. هذا لبس ثوب اسقف وذلك لبس ثوب كاهن وذاك ثوب شمّاس. أما بورفيريوس فوقف في الوسط شبه عريان.

        وبدأت المسرحية.

        فتح الحاضرون عيونهم لينظروا جيّداً فلا تفوتهم حركة أو كلمة. وبين الحين والحين، كان الجمهور ينفجر ضاحكاً، ساخراً، صائحاً، ملوّحاً، متمايلاً. ثم يهدأ لينفجر من جديد، إلى أن حانت لحظة النزول إلى المياه...

        هنا، أصغى الجمهور جيّداً. فدنا يروفيريوس إلى الأمام واستعدّ. وإذا بأحد الممثلين يقول بصوت عالٍ: "يُعمَّد عبد الله بورفيريوس باسم الآب والإبن والروح القدس"، ويدفع بورفيريوس إلى المياه فيسقط فيها. ويسمع الحاضرون صوت انكسار بورفيريوس في المياه. وينظرون زخّات المياه وكتلها تعلو وتتطاير في الهواء، فتعلو معها، إذ ذاك، صيحات الجمهور ويتطاير الناس من شدّة الضحك والقهقهة والإثارة. يا له من مشهد بديع (!) فظيع (!) مريع (!)

        وما هي إلا هنيهات قليلة حتى خرج بورفيريوس من المياه، فتوقّف الجمهور عن الضحك وأصغى. أصغى إلى ما سيقوله بورفيريوس...

        وللحظة ساد في المكان صمت عميق. وَجْهُ بورفيريوس وحده كان يحكي، ووجهه كان مضروباً بالدهش. في لحظة، في طرفة عين، قَلْبُ بورفيريوس تغيّر...     

خرج بورفيريوس من المياه...كان قَلْبُه قد تغيّر، وهالة من النور تحيطه...وكان معرضاً بوجهه عن الملك الذي كان ساجداً له في السابق

   وبعد طول انتظار، فتح بورفيريوس فمه وقال: "أنا أؤمن بأن يسوع المسيح هو الرب والسيّد، ولا سيّد آخر سواه..."

        وانفجر الجمهور ضاحكاً من جديد. كان الجميع يظنّون أن هذا مقطع من المسرحية. لكنَّ وجه بورفيريوس لم يتغيّر ولا تغيّرت نبرة صوته. وأعاد الكلامَ ذاته: : "أنا أؤمن بأن يسوع المسيح هو الرب والسيّد، ولا سيّد آخر سواه..."

        إذ ذاك وقف الناس مشدوهين مضروبين بالصمت، وارتجّت نفوسهم وأبدانهم. وتحوّلت الملهاة إلى مأساة. لقد دخلت النعمة الإلهية قلب بورفيريوس رغماً عنه، وصار مسيحياً!!!

أَمَر الملك جنوده بقطع رأس بورفيريوس وهو على المسرح، ففعلوا

        وانتهت المسرحية، ولكن، على غير ما كان متوقّعاً: أَمَر الملك جنوده بقطع رأس بورفيريوس وهو على المسرح، ففعلوا.

        هكذا اختَتم الملك الإحتفال بعيد ميلاده، واحتفلت الكنيسة بعيد ميلاد قدّيس جديد اسمه بورفيريوس- شهيد المسيح – ما زالت الكنيسة تحتفل به في اليوم الخامس عشر من شهر أيلول من كل عام.

       هذه عبرة لمن يظن أن بإمكانه أن يتسلّى بالكلام الإلهي ليمزح ويضحك. الكلام الإلهي لا نتفوّه به إلا بخوف ورعدة لأن الله حاضر فيه. بورفيروس صار قدّيساً، ربما لأنه في أعماق قلبه لم يكن شرّيراً. لم يكن يعرف المسيح. لكنه دفع حياته ثمناً للكلام الإلهي الذي تفوّه به باطلاً. ترى، نحن الذين عرفنا الرب يسوع المسيح، أي ثمن ندفعه لو استخففنا بكلامه؟!

        ألا كان القدّيس بورفيريوس عبرة لنا وكانت صلاته معنا، آمين.

 

النص: عائلة الثالوث القدّوس
      الرسم: هاكيا بفيتش 

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share