بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
فردوس عدن


         يُحكى أن قرية من قرى فلسطين تعرّضت، قديماً، لغزو إحدى قبائل البدو، وكان هناك بالقرب من هذه القرية دير معروف باسم القدّيس ثيودوسيوس، يلجأ إليه الناس في أوقات الشدّة لأن أسواره كانت عالية، وكان صعباً، في الأحوال العادية، على رجال القبائل أن يتسلّقوا من فوقها. فحالما شعر سكّان القرية باقتراب رجال القبيلة منهم حتى فرّوا من بيوتهم، على عجل، طالبين الدير لينجوا بحياتهم. وبلغ الغزاة القرية وأعملوا فيها سلباً ونهباً. ثم في صباح اليوم التالي، باكراً، تركوا المكان بعدما أخذوا معهم كل ما خفّ حمله وغلا ثمنه.

القدّيس كوبريوس طفلاً كما وجده الرهبان متروكاً

         وهدأت العاصفة، وساد في تلك الأنحاء سكون تام، فأخذ الناس يعودون من حيث أتوا ليفتقدوا قريتهم وما تبقّى من بيوتهم وأرزاقهم. واستعد الرهبان لأخذ قسطهم من الراحة بعدما سهروا الليل كله يعزّون الناس ويهتمون بأمورهم. ولكن، طرقت أسماعهم صرخات طفل في الجوار، فراحوا يبحثون عن مصدر الصوت. وإذا بهم يكتشفون طفلاً مولوداً جديداً لم تتمكن أمه من بلوغ أسوار الدير. فأخذوه ودخلوا به إلى الداخل وعرضوه على رئيس الدير. فاحتار رئيس الدير ماذا يعمل به. وكاد أن يرسله إلى أهل القرية ليعتنوا بأمره، لكنّه قرّر، في اللحظة الأخيرة، أن يحتفظ به في الدير معتبراً إيّاه هدية وأمانة من عند الله. وهكذا أسماه كوبريوس ودفعه إلى أحد الرهبان، فصار يهتم بأمره ويسقيه من لبن الماعز كل يوم.

فجاء القدّيس إلى الدب بسرعة، وأخذه بأذنه ووبخّه وطرده من الحديقة

         كبر كوبريوس وبلغ سن الشباب، فجعله الرهبان راهباً مثلهم. وكان رئيس الدير يحبّ هذا الشاب الصغير كثيراً لأنه كان بسيطاً وبريئاً جداً. كانت صورة الله محفوظة فيه حفظاً جيّداً، وكان يتقدم في الحياة الملائكية، أي في الحياة الرهبانية، بخطى ثابتة. وقد أعطاه الله نعمة خاصة لبراءته. أعطاه أن يكون له سلطان على الحيوانات كما كان لآدم في فردوس عدن، قديماً.

         يُروى عنه أنه فيما كان، مرّة، يقوم بخدمته اليومية، لاحظ دباً يأكل الخضار التي تعب الرهبان في زرعها في حديقة الدير، فجاء إليه بسرعة، وأخذه بأذنه ووبخّه وطرده من الحديقة قائلاً له:"إياك أن تعود إلى ههنا مرة ثانية، وإلا عاقبتك، وصليت للقدّيس ثيودوروس لكن يؤدبك".

قبض كوبريوس على الدب وساقه إلى حيث كان الحمار مطروحاً وقال له:"لن أدعك تذهب قبل أن تعمل عمل الحمار الذي جرحت...وهكذا كان

         ومرة أخرى، ذهب إلى الجبال بقرب الدير ليُحضر الحطب على ظهر الحمار. وفي الطريق، هجم دب على الحمار وطرحه أرضاً وتسبّب في جرحه. فقبض كوبريوس على الدب وساقه إلى حيث كان الحمار مطروحاً وقال له:"لن أدعك تذهب قبل أن تعمل عمل الحمار الذي جرحتَه. وستبقى تعمل عمله حتى يستردّ هو عافيته". وهكذا كان. ظلّ الدب يعمل عمل الحمار إلى أن شفي الحمار تماماً.

 

فما كان منه سوى أن أدخل كلتا يديه في الماء المغلي وأخذ يقلب الخضار دون أن يحسّ بشيء أو يصيبه أي أذى

         ومرة أخرى، كان كوبريوس يؤدّي خدمة معينة. وإذا بالوعاء الذي وضعه الطبّاخ على النار يغلي ويخرج منه الماء الساخن وتسقط الخضار الموضوعة على الأرض. فتطلّع كوبريوس يميناً ويساراً يريد أن يجد ما يحرك به ما بداخل الوعاء، فلم يجد. فما كان منه سوى أن أدخل كلتا يديه في الماء المغلي وأخذ يقلب الخضار دون أن يحسّ بشيء أو يصيبه أي أذى.

         عاش كوبريوس في الدير حتى بلغ التسعين من العمر، يسلك في الفضيلة ويستغرق في الصلاة ويرضي الله في كل أمر.

         وقد أحصته الكنيسة المقدّسة في عداد قدّيسيها وجعلت عيده في اليوم الرابع والعشرين من شهر أيلول من كل عام. ألا كانت صلواته معنا أجمعين.

 

النص: عائلة الثالوث القدّوس

الرسم: هاكيا بفيتش 

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share