بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
النّبيّ يونان والحوت
يُعيّدُ له في ٢١ أيلول

    الله يحبّ كلّ النّاس ويريدهم أن يعرفوه ويحبّوه. لذلك منذ أن خلق الإنسان وهو يعمل دائمًا على ردّ النّاس إليه.

   مرّة نظر الله إلى مدينة نينوى في العراق، وكانت مدينة كبيرة، وأحزنه الشّرّ الكثير الّذي كان يصنعه أهلها، فأمر إنسانًا اسمه يونان أن يذهب إليهم ويَعِظَهم ويحذّرهم بأنّ الله سيدمّر المدينة إن لم يتوبوا ويرجعوا إليه.

   لم يرغب يونان في أن يبشّر هذا الشعب الغريب، فهو لا يعرفهم. لكنّه خاف من الله وقرّر أن يهرب من وجهه. فركب سفينة متّجهة إلى "ترشيش"، وهي في الجهة المقابلة لنينوى. في السّفينة نزل إلى أسفل ونام نومًا عميقًا. لكن هبّت ريح شديدة، وصارت تشتدّ أكثر فأكثر، وارتفعتِ الأمواج من كلّ جهة وصارت السّفينة في خطر الغرق.

   خاف البحّارة وراحوا يلقون أمتعة السّفينة في الماء لتخفيف الوزن، لكن من دون جدوى.  وإذ وجدوا يونان نائمًا في الأسفل أيقظوه قائلين: "ما بالك نائم، قُم اصرخ إلى إلهك علّه يُنقذنا من هذه المصيبة"... ثمّ قالوا فيما بينهم: " لقد حلّت بنا هذه المصيبة، لأنّه لا بدّ أن يكون أحد الرّكاب قد صنع شرًّا، فلنبحث عنه".

   ثمّ ألقوا القرعة ليعرفوا من السّبب في هياج هذه العاصفة، فوقعت القرعة على يونان، فاعترف ولم يُنكر بأنّه هارب من وجه إلهه، خالق السّماء والأرض... خاف البحارة كثيرًا واحتاروا  في أمرهم. فقال لهم يونان: "إن أردتم أن تسكّنوا العاصفة، اطرحوني في البحر".

 لم يُرد البحارة أن يفعلوا ذلك، في بادئ الأمر، وحاولوا جاهدين أن يُنقذوا السّفينة، ولكنْ، إذ عنُفت العاصفة أكثر فأكثر، ألقَوا يونان في البحر،  صارخين: "لا نهلك من أجل هذا الإنسان، ولا تحسبنا اللّهمّ مسؤولين عن حياته، بسبب ما سنفعله، لأنّك أنت يا ربّ تفعل ما تشاء". وما إن أُلقي يونان في البحر حتّى هدأت العاصفة وسارت السّفينة بهدوء، فأحسّ الرّجال في السّفينة بقوة هذا الإله، فسجدوا له.

   وأرسل الله حوتًا ليبتلع يونان وينقذه من الموت. دخل يونان جوف الحوت وبقي فيه ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ، وهو يرفع السّبح والتّمجيد للرّب. ثم أمر الله الحوتَ أن يقذف بيونان إلى الأرض اليابسة. هناك أمر     الله يونان ثانية بأن يذهب وينادي في نينوى ويحذِّر أهلَها أنّهم إن لم يكفّوا عن شرّهم فإنّ المدينة ستنقلب عليهم. في هذه المرّة أطاع يونان الله ونادى شعبَ نينوى أن يتوبوا عن طرقهم الرّديئة قائلاً لهم : "بعد أربعين يوما تنقلب نينوى". آمن أهلُ نينوى وملكُهم بكلام يونان وصاموا وبكَوا وتخلَّوا عن شرّهم وصلّوا إلى الله كي يرحمهم.

   فلمّا رأى اللهُ أنّهم رجعوا عن طرقهم الرّديئة، سامحهم، فحزن يونان جدًا لأنه اعتبر أنّه تعب عبثًا وقال لربّه: "آه، يا رب! ألم أقل لك ذلك وأنا بعد في بلادي؟ أليس لأجل ذلك هربتُ إلى ترشيش؟ لأنّي علمت أنّك إله رؤوف ورحيم ومحبّ للبشر".

   وكان أن ترك يونان المدينة وجلس خارجها كي يرى ماذا سيحدث لها، وصنع مظلّةً يستظلّ بها من الشّمس. وفيما كان يونان جالسًا أعدّ الله له شبه شجرة صغيرة تُدعى "يقطينة"، نمت وغطت يونان، فكان يونان سعيدًا جدًا إذ نَعِمَ بجوٍّ رطبٍ جميلٍ. ثم ّ في الصّباح أعدّ الله دودة ضربت اليقطينة فيبست، وبعث ريحًا شرقية حارّة، فأحرقت الشّمسُ رأس يونان، فحزن جدّاً وطلب لنفسه الموت. فقال الله ليونان: "هل انزعجت لأجل اليقطنية عن حقّ؟" فأجابه يونان: "نعم حزنتُ حتّى الموت"!. فقال له الله: "لقد أشفقتَ أنتَ على اليقطينة الّتي لم تتعب فيها ولا ربَّيتَها، الّتي بليلة واحدة كبُرت وبليلة واحدة يبست، أفلا أُشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة الّتي فيها أكثر من مائة وعشرين ألفًا من النّاس لا يعرفون يمينهم من شمالهم؟". ففهم يونان قصد الله الّذي يشاء توبة الخطأة، وقد بعث بابنه الوحيد يسوع المسيح الّذي جاء إلى العالم لا ليُهلك أنفسَ النّاس، بل ليخلصها. وكما بقي يونان في جوف الحوت ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ كذلك يسوع المسيح بقي في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ وقام في اليوم الثّالث.

   يعلّمنا النّبيّ يونان أوّلاً ألاّ نهرب من وجه الله وتدبيره من أجلنا وأنّ لنا في طاعتنا لله حياة، وثانيًا أنّه ليس بظالمٍ بل يشاء توبة الخطأة وهو رؤوف ورحيم وبطيء الغضب وكثير الرّحمة.


أيقونتان للنّبيّ يونان
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share