<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
الطّفلُ الّذي تلقّن الإيمان من الله

"القدّيس الشهيد فيلوثاوس الأنطاكيّ"
(القرن الرّابع للميلاد)


   ولد فيلوثاوس لأبوين وثَنيَّين. اسمُ والدِه "فالنتيوس" ووالدتِه "ثيودوسيا". وكان هو ابنَهما الوحيد. تميَّزَ بالطّاعة واللّطفِ والبراءةِ. عبدَ والداه العجلَ وكانا من الأثرياءِ وعليّةِ القومِ في أنطاكيةَ العظمى. عمِلا للعجلِ عقدًا من الذّهبِ لعنقِه وأساورَ لقدميه وأقاما رجلَين يخدمانه، فكانا يقدّمان له، مرتَين في اليوم خبزة ساخنة مغمّسة بالزّيت والعسل.

   عندما بلغَ فيلوثاوسُ التّاسعةَ أو العاشرةَ من عمرِهِ طلبَ منه أبوَيه أن يقدِّمَ للعجلِ فروضَ العبادةِ لكي تطولَ سنو حياتِهِ، فأجابهما باستغرابٍ: "كيف لحيوانٍ آكلِ عشبِ أن يصيرَ إلهًا؟!. وكيف له أن يُغْني النّاسَ؟!. بل أظنُّ يا أبي أنّ الّذي صنعَ السّماءَ والأرضَ والبحرَ وكلَّ ما فيها هو إيّاه وحدَه الإلهُ الحقّ..." فوبّخَهُ أبوه قائلاً: "أنتَ ولدٌ ولا تعرفُ ما ينفعُكَ!". وتركَه لمناسبةٍ أخرى.

   في اليوم التالي، استيقظَ فيلوثاوس من النّوم، عندَ الفجرِ، فنظرَ الشّمسَ وقد بانت، فخاطبَها هكذا: "أستحلفُكِ يا شمسُ بالقوّةِ الّتي تضيءُ كلَّ الأرضِ أن تقولي لي: هل أنتِ الإلهُ، لأنّي أرى صلاحُكِ على كلِّ الخباثةِ المنظورةِ." فما إن تفوّهَ بهذا القولِ حتّى جاءَه صوتٌ من السّماءِ: "لا، لستُ أنا الإلهَ، يا فتًى محبوبًا عند الله، بل خليقةٌ خادمةٌ لله. فإذا شئْتَ أن تعرفَ الله، فهذه الليلةَ يظهرُ لكَ بقوّتِهِ."

وإذا بملاكٍ يتراءى له قائلاً: "قُمْ يا فيلوثاوس وعاينْ مجدَ الله الّذي تبحثُ عنه!". فقامَ فيلوثاوسُ المغبوطُ ورفعَ عيْنَيْهِ فرأى الرّبَّ يسوعَ المسيح، ابنَ الله، جالسًا على عرشٍ عالٍ وحولَه الآلافُ من القوّاتِ السّماويّةِ.

   وحلَّ المساءُ، وفيلوثاوس منتظرًا... وإذا بملاكٍ يتراءى له قائلاً: "قُمْ يا فيلوثاوس وعاينْ مجدَ الله الّذي تبحثُ عنه!". فقامَ فيلوثاوسُ المغبوطُ ورفعَ عيْنَيْهِ فرأى الرّبَّ يسوعَ المسيح، ابنَ الله، جالسًا على عرشٍ عالٍ وحولَه الآلافُ من القوّاتِ السّماويّةِ. فلمّا عاينَ الرّؤيا، وقعَ على وجهِه. فأمسَكَ الملاكُ بيدِهِ وقال له: "انهضْ يا فيلوثاوس، ولا تخفْ، لأنّ هذا هو الإلهُ الحقُّ الّذي من أجلِهِ امتلأْتَ حُبًّا له... كُن متّضعًا وتشدّد، ومن الآن فصاعدًا، الله سيكون دائمًا معكَ، وباسمِهِ ستصنعُ آياتٍ وعجائبَ في حياتِكَ. ثم بعد الموتِ، تأخُذُ الإكليلَ من المسيح. وستهدي والدَيْكَ إلى الله، وبسببِكَ يتبلبلُ ذيوكليسيانوس الأمبراطورُ الأثيمُ. إذ ذاكَ تقتبلُ إكليلَ الشهادةِ لأنّ الله قد بارَكَكَ حتّى من بطنِ أمِّكَ وأعطاكَ اسمَ "فيلوثاوس" الّذي تفسيرُهُ "المحبوبُ من الله"."

   مذ ذاك أخذ فيلوثاوس في الصّوم والصّلاة، وكان يُعطي ما تصلُ إليهِ يداه إلى الفقراءِ والمساكين.

   تضايقَ القدّيسُ على جهالةِ والدَيهِ وعبادتِهم للعجلِ فصلّى إلى ربِّه قائلاً: "أيّها الرّبُّ يسوعُ المسيح، يا خالقَ السّماءِ والأرضِ والبحرِ وكلِّ ما فيها، لكَ يليقُ التّسبيحُ مع أبيكَ والرّوحِ القدس، يا من تنازَلْتَ فظهرْتَ لي، أنا المسكينَ البائسَ، أسألُكَ متضرِّعًا... لا تحسبُ على أبويَّ أفعالَهما الشّرّيرة لأنّهما جاهلان ولا يدريان ماذا يفعلان." وما إن انتهى فيلوثاوس من صلاتِهِ، حتّى انقضَّ العجلُ بشراسةٍ على والديه، كما لو كان شيطانًا، ومزّقهما إربًا. لكنَّ الرّبَّ الإلهَ تعطّفَ على الشابِ وأعادَهما إلى الحياةِ. فآمنَ أبواه واعتمدَ الثّلاثةُ لدى كاهنٍ في المدينةِ كان مستترًا. بعد ذلكَ، وزّعَ والدا فيلوثاوس أموالَهما على المساكينِ وأعتقا عبيدَهما وأعطياهم ما يحتاجون إليه من مالٍ ومتاع. وبعدَ سنتَين رقدا بسلامٍ في الرّبِّ.

   أما فيلوثاوس، فقام عليهِ بعض عابدي الأوثان ونقلوا خبرَهُ إلى ذيوكليسيانوس، فأمرَ بالقبضِ عليه وسوْقِهِ لديه. فلمّا وقفَ القدّيسُ الشّابُ في حضرةِ الملكِ ورأى ما أحاطَ به من مظاهرِ الأبّهةِ والمجدِ، قال لهُ: "لا يليقُ بكَ أيّها الأمبراطورُ أنْ تكفرَ بمن أسبغَ عليكَ مجدًا هذا مقدارُهُ، أعني به إلهَ الكون، وأنْ تلجأَ إلى أصنامٍ بُكْمٍ". فردَّ  عليه ذيوكليسيانوس: "ولكنّ الآلهةَ هي الّتي أعطتني النّصرةَ على أعدائي!" فقال له فيلوثاوس: "ليستْ الأصنامُ هي الّتي نصرَتْكَ كما تظنُّ. إنّما هي الّتي تُثير عليكَ الحروبَ!". فأجاب ذيوكليسيانوس مستهجنًا: "كيف لا تخجلُ يا هذا، وتحتقرُ آلهتي؟!" فأجابَ فيلوثاوس: "إنَّ من تدعوهم آلهةً لا يستحقّون الإكرامَ بل الاحتقارَ والازدراءَ لأنّهم بطّالون كَذَبَة، لا أصالةَ فيهم. والّذين لم يخلقوا السّماء والأرضَ يبيدون"... فقال ذيوكليسيانوس: "تخلّ عن موقِفِكَ وقدِّمِ الذبيحةَ لـ"أبّولون"، الإلهِ العظيمِ، فأكرِّمَكَ وأعظِّمَ اسمَكَ!". فردَّ المغبوطُ بحدّةٍ: "حاشا لي أن أكفرَ بإلهي، خالقِ السّماءِ والأرضِ، وأنحني أمام تماثيلِ أصنامٍ من صنعِ أيدي البشر."


فقال ذيوكليسيانوس: "تخلّ عن موقِفِكَ وقدِّمِ الذبيحةَ لـ"أبّولون"، الإلهِ العظيمِ، فأكرِّمَكَ وأعظِّمَ اسمَكَ!". فردَّ المغبوطُ بحدّةٍ: "حاشا لي أن أكفرَ بإلهي، خالقِ السّماءِ والأرضِ، وأنحني أمام تماثيلِ أصنامٍ من صنعِ أيدي البشر."

   فأمر الأمبراطورُ بإحضارِ تمثالٍ من الذّهبِ، وأرغم فيلوثاوس على السّجودِ له... إلا أنّ فيلوثاوس هتفَ بالتّمثال فهوى وتدحرجَ على الأرضِ، ثم صلّى إلى الله: "أيّها الرّبُّ يسوعُ المسيح ابنُ الله الحيّ، يا من ذكرَ خادمَهُ إيليّا بالنّارِ، اذكرْني أنا أيضًا في هذا اليومِ، وأنزِلْ نارًا من السّماءِ لتلتهِمَ هذه الأصنامَ لكي يؤمنَ هذا الشعبُ المجتمعُ لشهادتي!!". ولما قالَ هذا، إذ بنارٍ تهبطُ من السّماءِ وتأكلُ الأصنامَ. فلما عاينَ الجندُ الآيةَ هتفوا قائلين: "بالحقيقةِ، عظيمٌ هو إلهُ فيلوثاوس!!." وأعلنوا كلُّهم إيمانَهم بالمسيح.

   وحدثَتْ بلبلةٌ في حضرةِ الملكِ، فأمر بقطعِ هامةِ الجنود المؤمنين، أما فيلوثاوس فجُلدَ وعذِّبَ وسُجنَ فأتاه ملاكٌ من عند الله مشدِّدًا... في آخر المطاف طعنوه بالحراب فأسلَمَ الرّوحَ. ورأى النّاسُ الحاضرون الملائكةَ يأخذون روحَه إلى السّماءِ بمجدٍ عظيمٍ. ولما شاءَ الجلاّدون أن يحرقوا جَسَدَه، تعطّلَتِ النّارُ فلم يحترِق. ثمَّ إنّ مؤمنين أتوا سرًّا وأخذوه.

   صلواتُهُ تكون معنا.

   تُعيِّدُ له الكنيسة في 12 كانون الثّاني.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share