بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
فتاة البرج

القديسة بربارة


إيقونة للقدّيسة بربارة

       منذ زمن بعيد، أكثر من ألف وخمسمائة سنة إلى الوراء، كان النّاس ما زالوا يعبدون الآلهة الوثنيّة. وفي آسيا الصّغرى، في ذلك الزمان، كان يعيش رجلٌ غني شريف النسب عظيم الشأن إسمه ديوسقوروس، متعصّب لوثنيّته. هذا كان له ابنة جميلة جدًا إسمها بربارة. أحبّ ديوسقوروس ابنته كثيرًا ولكن بأنانيّة... لم يشأ أن يراها أحد سواه أو من ظنّهم أهلاً لمعرفتها. لذلك بنى لها برجًا عاليًا رائع الجمال لتعيش فيه، ومنعها من الخروج من هذا البرج أو التكلّم إلى أيٍّ كان سوى من اختارهم هو لها.

       لم تكن بربارة حزينة لكونها وحدها دون أصدقاء. أحبّت برجها. أحبّت الصعود إلى أعلى دور فيه متأمّلةً بكلّ ما يحيط بها. كان باستطاعتها رؤية قمم الجبال الّتي بدت كأنّها تطال السّماء الزرقاء، ورؤوس الأشجار الخضراء تتمايل مع الرّيح وتلوّح للغيوم البيضاء العابرة الّتي كانت تأخذ أشكالاً جميلة متعدّدة. وكانت الشمس تدفئ بربارة، وتظهر كلّ الأشياء برّاقة بهجة. وإذ كان يُقبل المساء، كانت السّماء الزرقاء تأخذ لونًا داكنًا إلى أن تظلم بالكليّة، وتعود لتستنير من جديد بالنّجوم؛ عندئذٍ كانت بربارة تنظر ملايين النّجوم البعيدة جدًا والفائقة الجمال، رغم أنّ القمر كان يظهر الأشياء كلّها غامضة وهادئة.

أحبّت بربارة الصعود إلى أعلى دور فيه متأمّلةً بكلّ ما يحيط بها. كان باستطاعتها رؤية قمم الجبال الّتي بدت كأنّها تطال السّماء الزرقاء، ورؤوس الأشجار الخضراء تتمايل مع الرّيح وتلوّح للغيوم البيضاء العابرة الّتي كانت تأخذ أشكالاً جميلة متعدّدة. وكانت الشمس تدفئ بربارة، وتظهر كلّ الأشياء برّاقة بهجة.

       كانت بربارة تتأمّل وتتعجّب – تتعجّب من كلّ الجمال الّذي كان باستطاعتها رؤيته وتتعجّب من كلّ الجمالات الّتي لم يكن باستطاعتها رؤيتها. كانت تسأل نفسها: ”من خلق هذا العالم، هذا الفضاء اللامتناهي، المليء بالنّجوم، والقمر، والشمس، وهذه الأرض مع بحارها وغاباتها وطيورها“. الجوّاب الّذي قدّمه لها المعلّمون الوثنيّون لم يُشبعها. أخيرًا بعد تفكير كثير، أدركت بربارة أنّه لا بدّ أن يكون هنالك خالقٌ أوحد، حكيم، كليّ القدرة، معطي الحياة.

       عندما بلغت بربارة سنّ الزواج، قدّم لها والدها الكثير من الشبّان، آملاً أن يعجبها أحدهم. إلا أنّ بربارة لم تشأ أن تتزوّج، فظنّ والدها أنّها إن تعرّفت إلى مطربات الحياة الإجتماعيّة فسوف تغيّر رأيها.

       سمح لها ديوسقورس بمغادرة البرج والاختلاط بالنّاس، فبدأت تلتقي فتيات من عمرها. بعضهنّ كان مسيحيًّا. ومنهنّ تعرّفت بربارة إلى الرّب يسوع المسيح وتعاليمه، وآمنت بأنّها وجدت الديانة الحقيقية، فاعتمدت.

فعوض النّافذتين، أصبح هنالك ثلاث نوافذ، وصليب حُفر في الرخام

       مرّة سافر والد بربارة، ولدى عودته، لاحظ تعديلاً في بناء الحمّام الّذي كان يشيّده لبربارة: فعوض النّافذتين، أصبح هنالك ثلاث نوافذ، وصليب حُفر في الرخام. لم تُخْفِ بربارة عن والدها أنّها أصبحت مسيحيّة، وأنّها أعطت تعليمات جديدة للبنّائين. فقد طلبت منهم بناء ثلاث نوافذ للإشارة إلى الثالوث القدّوس. وقد رسمت بنفسها الصّليب لطرد الأرواح الشرّيرة. اغتاظ والدها مما قالته له حتّى إنّه حاول قتلها بسيفه. لكنّها استطاعت الفرار بعيدًا عنه والاختباء في جبل قريب.


استطاعت بربارة الفرار بعيدًا عنه والاختباء في جبل قريب. بحث عنها ديوسقورس فوجدها وحبسها بضعة أيام

       في اليوم التالي، بحث عنها ديوسقورس فوجدها وحبسها بضعة أيام، لكنّه عندما رأى أنّها لن تتخلّى عن إيمانها الجديد، أرسلها إلى الحاكم، مرقيانوس، ليقضي عليها كما كان يفعل بكلّ المسيحيين في ذلك الزمان. حاول مرقيانوس أن يُعيد بربارة إلى رشدها. كلّمها بلغة المنطق، لكنّها تمسّكت بإيمانها المسيحيّ، الّتي عرفت في أعماق نفسها أنّه الإيمان الحقيقيّ. أسلمت بربارة نفسها طوعًا لعذابات متعددة، موقنة أنّها بهذه العذابات تستطيع إظهار حبّها الكبير لخالق السّماء والأرض.

في آخر المطاف، إذ امتلأ والدها غيظًا أبى إلا أن يكون هو نفسه جلادها، فقطع رأسها بالسّيف

وقد بان حبّها للمحيطين بها بالصّلاة الّتي رفعتها قبل موتها، وهي أنّ كلّ من يذكر عذاباتها بالصّلاة لا يموت فجأة من دون توبة ومن دون أن يتناول القدسات. لذلك نراها في الكثير من إيقوناتها حاملة الكأس المقدسة بيديها.

       في آخر المطاف، إذ امتلأ والدها غيظًا أبى إلا أن يكون هو نفسه جلادها، فقطع رأسها بالسّيف.

       استشهدت القدّيسة بربارة في السّنة 236، وتُعيّد لها الكنيسة المقدّسة في 4 كانون الأوّل.

 



النص: عائلة الثالوث القدّوس

الرسم: هاكيا بفيتش


أيقونات للقدّيسة بربارة

 
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share