روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
سلسلة المعترفين الجدد (٤٧).

الأب "يوان نيغروتيو".

9 تمّوز 1915 - 22 تشرين الأوّل 2003.




   "لا يتمّ الارتقاء إلى الله إلّا عبر صليب الألم!. ربّنا يسوع المسيح ذاته له المجد أعطانا المثال. والألم... ذاك الألم الأعظم، الأكمل، هو الشّهادة".

    ينتمي الأب "يوان نيغروتيو" إلى جيل الّذين عقدوا العزم على التّضحية بذواتهم لأجل إيمانهم ووطنهم... جيل استشهد للمسيح تحت الحكم الشّيوعي، الّذي حكم على كلّ "رومانيا" بالشّهادة. تمّ تجميع المعلومات عنه من وثائق الكنيسة والمخابرات.

    ولد الأب "يوان" في 9 تمّوز 1915 ،في إحدى قرى الرّيف الرّوماني الفقيرة. عانى المرض الشّديد طفلًا، وهيأوا له تابوتًا وهو في الثّالثة من عمره لكنّ الرّبّ كان يعدّه للعمل في حقله فلم يمت!.

    توفي والداه وهو بعد صغير، وله أربعة إخوة. عاشوا كلّهم في فقر مدقع. يذكر الأب أنّ متسوّلًا أعمى طرق باب بيتهم يومًا. أعطوه مكانًا لينام في الحجرة وما تيسّر من لديهم من طعام. وإذ شاهد هذا الإنسان مدى فقرهم، قضى اللّيل في الصّلاة بدموع لأجلهم.

    يعتبر الأب أنّ صلاة هذا الأعمى رافقته طيلة حياته، صلاة فقير يحنو على معدم!.

    أحبّ "يوان" العلم منذ الطّفوليّة لكنّه تعذّر عليه أن يدرس بسبب الفقر. عَلَّمَتْهُ أخته في البيت وإذ لاحظه مدير مدرسة القرية تبنَّاهُ وأَلحقَهُ بمدرسة الميتم.

    أكمل دراسته وتخرّج من كلّية اللّاهوت. سامه كاهنًا الأسقف المعترف "نيقولا بوبوفيشي". حُكم عليه بالسّجن عشر سنوات كـ"عدوّ للشّعب". سنة 1957، رأى الأب حلمًا رافقه كلّ سنيّ الشّقاء الّتي عاناها.

الأب "يوان" في المعتقل.

    "رأيت نفسي صاعدًا إلى الجلجلة، متعبًا، أتصبّب عرقًا، أسير فوق الحجارة المسنّنة وبالجهد وصلت!.

    كان هناك ثلاثة صلبان. رفعتُ عينيّ خائفًا مرتعدًا، فذهلتُ ولم أفهم ما رأيت!. كان الرّبّ يسوع مسمّرًا وحده على الصّليب، ولم يكن اللّصان معه.

    بكيت وهتفت: سيّدي!. أنتَ وحيدٌ على الصّليب؟!. لا يرافقك أحد في هذا الصّلب الّذي لا نهاية له.؟!...

- لا أحد يا "يوان".

- سامحني يا سيّدي!. هبني إِن شِئْتَ أن أرتفع على أحد هذين الصّليبين..!!.. لأكون معك...حتّى لا تبقى وحيدًا!.

- أفهم ما تريد يا "يوان". هيّا مدّ ذراعيك على أحد الصّلبان.!

- سيّدي. ماذا أقول؟. هل أتّجه نحو اليمين أم اليسار؟!. نحو الخلاص أم الهلاك؟!.

- "يوان" ليس ما تراه هو ما حدث يوم الجمعة العظيمة. اختر أيّ صليب شئت. تعالَ إلى الصّليب هذا بقربي.

توجّهتُ ساجدًا نحو أحد الصّلبان، وفي طريقي لامَسَتْ جبهتي ركبة السّيّد المدمّاة. ناداني السّيّد الحبيب لأشاركه الصّلب!فاستيقظتُ مرتعدًا".

    في الغد أُطلِقَ سراحُهُ، لكنّه اقتيد إلى الإقامة الجبريّة في أحد المعتقلات الجماعيّة. اقترح عليه المطران "يوستينيان" أن يغادر لكنّه آثر "الشّقاء مع شعب الله"... على حرّيّته..!!..

الأب "يوان" بعد خروجه من المعتقل لأوّل مرّة.

    ولسبب يجهله، خرج الأب "يوان" قبل سنة من انتهاء مدّة حكمه في معتقل القناة، سنة 1957. في الغد كان سيغادر، فصلّى ونام.

    صباحًا تمّ إطلاق سراحه، فأخذ يفتكر في المكان الّذي عساه يتّجه إليه. اتّجه شمالًا، بين حقول الذّرة. بعد ساعة من السّير، سمع جلبة سيّارة خلفه. كانوا من المخابرات، فتح القائد الباب وحيّى:

- إيه يا أب "يوان"، زوّار محظوظون.!!..

- خاصّة إذا كان لديهم خوف الله، رَدَّ الأب  مبتسمًا...

- هلمَّ أيّها الأب، لدينا مهمّة!. فلنسرع!.

- صعد الأب متمتمًا: "لتكن مشيئتك يا ربّ".!!.

عبرت السّيارة الدّانوب ووصلت ظهرًا إلى سهل "كالموتيو"، حيث كان مخيّم لمواطنين تمّ استياقهم من أنحاء "رومانيا" وخاصّة من منطقتَي "بانات" و"مقدونيا". بعضهم عاش في خيم، أو بيوت مرتجلة من خشب، وآخرون في مخلّفات ألمانيّة من الحرب... عائشين منفيّين كفي معتقل مفتوح.

    صرخ قائد المخابرات: "لقد جلبتُ لكم كاهنًا. لن تستطيعوا من الآن فصاعدًا أن تتذمّروا لعدم وجود من يدفنكم، أو يعمّد أولادكم... بإمكانكم الآن أن تموتوا قدر ما تشاؤون. إليكم من يدفن!".

من مظاهر الشّقاء في ذلك المخيّم- المعتقل.

    تحلّق الجمع حول الأب: قل لنا حقًّا، أأنتَ كاهن؟، أجاب الأب: إذا شئتم صدّقوا، أمّا أنا فلن أقوم بشيء لإقناعكم. أجاب أحدهم: ها نحن يا أبتِ نحو 400 عائلة نعيش هنا كالبهائم!.

    قدّموا له مكانًا في تخشيبة فارغة، ولم يطل به المقام حتّى أدرك لماذا أرسله الله إلى هذا المكان. كانوا يراقبونه بداعي الفضوليّة، يعمل بمفرده، صانعًا أحجارًا كبيرة من اللّبن، من الطّين المتوفّر. ولدهشة الجميع صنع منها حائطًا فصل فيه التّخشيبة جاعلًا منها كنيسة!!.

    في اليوم التّالي، 14 تشرين الأوّل، كان عيد القدّيسة "باراسكيفا" الرّومانيّة، فرفع الصّلاة: "يا ربّ، بمعونتك، يوم عيد قدّيستك "باراسكيفا" أقمتُ مكانًا لعبادة هؤلاء المساكين الّذين عَهَدْتَ بهم إليّ، آزرني لأشيد الجدران الباقية حتّى لا يتصدع المكانُ بعواصفِ الشّتاء". وهكذا أكمل الأب القدّيس بناء هذه الكنيسة المتواضعة، وأَرْسَلَ أسقف "غالاتي" الأدوات اللّازمة لتكريسها وقدّم مؤمنون الجرس.

    يقول "فيرجيل مكسيم"، رفيق درب العديد من المعترفين:

    "كنّا مبعثرين في الزّنزانة، اثنان أو ثلاثة بحسب تعليمات القيادة، على أسس غير مفهومة أبدًا. كنّا نتعرّف على أصدقاء جدد. التقيت بالأب "يوان نيغروتيو". كان إنسانًا طيّبًا إلى أبعد الحدود، متّضعًا وصبورًا. مرّة عمل مع إنسانٍ إنجيليّ وأثّر فيه عميقًا، فاعترف بضلال إيمانه وخطاياه، وكيف كان من خلال المال، والطّعام، والعطايا المادّيّة الأخرى يستميل المؤمنين ليُفرِغَ الكنيسة الأرثوذكسيّة. وإذ عاد إلى الإيمان القويم طلب نقله إلى زنزانة الأب "يوان".

صورة الأب "يوان" على غلاف أحد كتبه.

    في نهاية العام 1958، ظهرت موجة جديدة من الاعتقالات واكتُشفت بحوزة الأب "يوان" قصيدة للشّاعر "رادو جير" فاتُّهم على الأثر بإقامة علاقات مع الخارج، وحثّ المؤمنين على التمرّد في عظاته، فحُكم عليه بالأشغال الشّاقّة في "إيود"، حيث التقيتُه.

    يا أبتِ "يوان" الحبيب، التقيتُك فأريتني إشارة الصّليب، الّتي كلّلت هامتك، ويدك الّتي لامست ركبة السّيد المدمّاة. صلِّ لأجلي يا أبتِ الحبيب".

    تحرّر الأب "يوان" إثر مرسوم العفو العام سنة 1964، وعمل بجدّ كبير في مختلف المجالات الكنسيّة من رعاية وتعليم ونشر. هيّأ العديد خدّامًا للعلّيّ، من خلال مثاله الشّخصيّ وكتاباته الّتي كان أشهرها حواره مع الأب "يوانيكي بالان"، وأطروحة الإجازة في اللّاهوت وعنوانها: "الرّؤية المسيحيّة للقرون الثّلاثة الأولى"، وأهمّ ما قدّمه كان شهادته لما عانى في السّجون الشّيوعيّة، إذ يقول في هذا السّياق: "مئات وآلاف من نخبة البشر. كلّ المؤسّسات المكوِّنة لمجتمعنا تمّ سحقها: أعضاء من الأكاديميّة الرّومانيّة، والجامعات، والكلّيات، وكلّيات اللّاهوت، ممثّلو الحكومات السّابقة، الإكليروس، الرّهبان، طلّاب المدارس، العمّال، والفلّاحون، الّذين رفضوا أن يبيعوا أنفسهم للشّرّير...

    كان الهدف محدّدًا: الإبادة البطيئة، وإفراغ الأشخاص من الدّاخل من خلال سحق شخصيّتهم، وتجريد الإنسان بالكامل، من خلال محو صورة الله من الإنسان بتحطيمه الكامل".

    انتمى الأب "يوان" إلى الإكليروس البالغ عددهم 1725، كان بينهم 31 كاهنًا، وكانوا من رتبته، وقد رقدوا في ظروف غامضة، وعبروا بالمعتقلات، والسّجون، والإقامة الجبريّة...

دير "تيميساني" حيث رقد الأب "يوان".

    بسبب السّنوات المضنية الـ16 الّتي قضاها في المعتقل تدهورت صحّة الأب، وبات سنة 1996 طريح الفراش، تعتني به راهبات من دير "تيميساني"  في قلّايته المتواضعة، وكان دائمًا محاطًا بمحبّيه وتلامذةٍ نهلوا المعرفة من تعليمه. حوّل هذا الدّير إلى منارة روحيّة لاهوتيّة ما زال تأثيرها بادٍ إلى اليوم...

    رقد الأب "يوان" في 22 تشرين الأوّل 2003، وتمّ دفنه في مدفن دير "تيميساني" . شفاعته تعضدنا. آمين.

 

المرجع:

https://www.fericiticeiprigoniti.net/ioan-negrutiu

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share