روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
سلسلة المعترفين الجدد (١١٩).

الرّاهب "خاريتون" الصّربيّ.

8 تشرين الثّاني 1960– 15 حزيران 1999

    في هذه الأيّام الّتي ابتعد فيها كثيرون عن المسيح، لا زلنا نجد نفوسًا عطشى لاتّباع المسيح بالموت لبلوغ الحياة الأبديّة. هكذا كان الأب "خاريتون".

    أبصر الأب "خاريتون" النّور في عيد رؤساء الملائكة، 8 تشرين الثّاني 1960، في قرية في شمال صربيا. كان من عائلة "لوكيك" الكبيرة. سمّي في المعموديّة "رادوسلاف"(أي الفَرِح). عند اقتباله الرّهبنة، سمّي "خاريتون"، اللّفظة اليونانيّة الّتي تحمل المعنى ذاته. هكذا حمل في ولادته استباقًا روحيًّا لحياته في خدمة الكنيسة، لأنّ الآلام الّتي كابدها لأجل المسيح قدّمت الفرح في السّماء وعلى الأرض.

    قبل دخوله الدّير عمل بجدّ في مساعدة عائلته في القرية. بعد ذلك، درس على نفسه وعمل لعشرين سنة سائقًا رسميًّا. جاهد ليعيش بكرامة وكان يساعد كلّ محتاج.

دير النّهر الأسود.

    في سعيه إلى الصّلاح، حاول أوّل أمره الانتماء إلى الحزب الشّيوعي، لكنّه رُفض، وما لبث أن اكتشف مساوئه. استطاع من خلال هذا الاكتشاف أن يفهم معاناة شعبه تحت نير الشّيوعيّة لسنوات طويلة خلت. ومع أنّه لم يعش حتّى يشهد سقوط هذا النّظام، الّذي كان هو ذاته ضحيّة له، فإنّه اليوم يتهلّل في السَّموات إلى جانب كلّ الّذين قضوا بيد الشّيوعيّين، عالمًا أنّ هذه الغروس الفردوسيّة قُطفت من حديقة الّشعب الصّربيّ.

    فكّر بالزّواج، وكاد يُقدم عليه، إلّا أنّ الرّبّ أراه طريقًا للخلاص مختلفًا وهو طريق الرّهبنة. فكّر في الأراضي المقدّسة، نزل في دير القدّيس "سابا" حاجًّا، لكنّه لم يُقبل فعاد إلى أرضه.

دير رؤساء الملائكة.

    قبل دخوله إلى الدّير بعدّة سنوات، أقام وعمل في "نيس". هناك عرفه المؤمنون لعمله الخيّر مع الجميع. كان لديه دائمًا التّوق إلى الحياة الرّهبانيّة ، وكان ينتظر الوقت المناسب لإتمام رغبته، سائلًا الرّبّ دائمًا في صلاة ملحاحة أن يفتح له طريق الخلاص.  وقد أظهر له الرّبّ  محبّته الجزيلة ودعوته للحياة معه من خلال تدخّله في حياته. مرّة مرض مرضًا شديدًا، فوجّه نظره إلى إيقونة والدة الإله "ذات الثّلاثة الأيدي" ولم يشح بوجهه عنها حتّى نال منها البرء. قوي إيمانه بعد هذه الحادثة، وثبّت قدميه في طريق الرّبّ.

    دخل سنة 1995 دير النّهر الأسود في "ريباريك". جاهد بشجاعة ضدّ إنسانه العتيق. سخّر طاقته الجسديّة لخدمة إخوته في اللّيل والنّهار، مهملًا حاجاته الخاصّة في سبيل تلبية حاجات الآخرين. وببركة رئيس الدّير امتدّت خدمته إلى المرضى والعجزة القاطنين في الجوار. كان دائم الفرح، متحلّيًا بالصّبر والمثابرة، يعطي الانطباع كأنّه آت من عالم آخر. وفيما دخل الدّير راغبًا في حياة النّسك، طُلب منه أن يكون سائق الدّير.

الأخ "خاريتون" يوم سيامته راهبًا.

    كان مظهره الخارجيّ يوحي بأنّه جدّيّ وصارم جدًّا. لكنّه في العمق تميّز بمحبّة كبيرة وبذل للذّات، وهذا عبّر عنه بالأفعال لا بالأقوال. كان دائم الانتباه لحاجات من معه، دائمًا ما يقدّم الآخرين على نفسه.

    انشغل بقراءة سير القدّيسين وتعاليم الآباء القدّيسين. جاهد على هذا النّحو، لسنتين، كمبتدىء في دير النّهر الأسود، ثمّ، وبطلب من أبيه الرّوحيّ، انتقل للمساهمة في إحياء دير رؤساء الملائكة في كوسوفو.

    كعادته لم يوفّر جهدًا في العمل. كان أوّل من يأتي إلى الكنيسة، رغم العمل المضني في النّهار، وينتصب فيها كالشّمعة حتّى نهاية الخدمة.

ثياب الأب "خاريتون" الّتي قُتل وهو يلبسها مع مسبحته وجواز سفره.

    في 10 آب 1998، في سهرانيّة عيد القدّيس "نيقولاي فيليميروفيتش"، نال السّيامة الرّهبانيّة. على الأثر ضاعف جهاداته الرّوحيّة مع انكبابه على العمل في جلب حاجيّات الدّير، وتأمين المواصلات للمطران وطاقمه، وتوفير كلّ مساعدة لهم، رغم وجود المخاطر على الأرثوذكس في تلك المنطقة. مثلًا، ذات ليلة، بينما كانت القوّات المدعوّة "قوّات تحرير كوسوفو" تشنّ هجمات شرسة، كان مستعدًّا للانطلاق في نصف اللّيل إلى منطقة في الجوار ليحمل الماء المقدّس لأخ مريض. لكنّه بالزّخم ذاته الّذي كان منطلقًا فيه، أطاع بهدوء الأمر للبقاء في مكانه.

    آثر دائمًا التّواري، لذلك،  وبكلّ خفر، رفض السّيامة الكهنوتيّة. بالنّسبة لأمراضه، كان دائمًا يتذكّر شفاء والدة الإله له، فلم يطلب الشّفاء من أيّ طبيب أرضيّ.  مرّة أُصيب بالتهاب في الكبد. دخل قلّايته وشرع يسأل الشّفاء من الطّبيب السّماويّ. مكث بضعة أيّام دون طعام، ثمّ خرج سليمًا معافى.!..

الأخ "خاريتون" مُستقبلًا كشهيد في ديره.

    من الشّهادات عن محبّته الأخويّة، ما اعترف به أحد الإخوة الّذي اعتاد الأب "خاريتون" مساعدته. كان الجميع يعتقدون أنّ الأب "خاريتون" يساعد هذا الأخ في أعمال طاعته لأنّه يفرح بذلك، لكنّ الحقيقة كانت أنّ الأخ كان يُثقل على الأب "خاريتون" فوق الطّاقة حتّى إنّ هذا الأخير اعترف مرّات لأبيه الرّوحيّ إنّه كاد ينتهر الأخ، ومع ذلك كان يستمرّ في خدمته له بمحبّة كبيرة.

    لم يكن يحبّ القنية. كان يحتفظ بعدد قليل من الكتب في قلّايته، وثلاثة إيقونات فقط. بسيط المظهر، نظيفًا. لم يكن مظهره الخارجيّ ليسترعي الانتباه سوى أنّه كان صيفًا شتاءً يلبس صندلًا وجوارب. يكتفي في مأكله بالقليل شاكرًا على كلّ شيء. في خدمته للضّيوف لم يكن يفرّق بين البشر، يخدم الجميع بكلّ اتّضاع، حتّى للـ"شكيبتاري"(الألبان المسلمين) لم يكنّ حقدًا بل يردّ أعمالهم لفساد النّظام الملحد. ورغم تألّمّه على أيديهم، وتعرّضه لمحاولات اغتيال عدّة بينما كان ينقل الحاجيّات إلى الدّير فيما كان الوضع الأمنّي متوتّرًا، لم يتردّد يومًا في عرض المساعدة على الفقراء المسلمين منهم في الجوار. خلال حزيران 1999، كان يقلّ رئيسه إلى "بريزن" كلّ يوم، مرورًا بجماعات من ال"سكيبتاري" الهائجين المعلنين ظفرهم على الصّرب. مرّة كان وحيدًا ينقل إنسانًا جريحًا إلى المستشفى، وعبر بهذه الجماعات، "جاز في وسطهم ومضى هكذا". وعند عودته أخبر أباه الرّوحيّ إنّه لا يشاء أذيّة أحد، وأنّه سيستمرّ هكذا سواء بقي حيًّا أم مات على أيديهم.!..

مدفن الشّهيد الجديد المزيّن بالأزهار.

    وبالفعل، في 15 حزيران 1999، تلقّى آخر أمر طاعة في حياته على الأرض. في السّاعة العاشرة والنّصف، وصل بسيّارة الدّير إلى مقرّ الأبرشيّة، ثمّ تابع سيره إلى منزل إحدى العائلات الّتي حضّرت للأسقف وجبة غذائيّة، لكنّه لم يعد.!.. اعترضته عصابة واستاقته إلى مكان للتّعذيب.

    حاول أهل الدّير الاتّصال بجميع الجهات، لكنّهم لم يقعوا له على أثر. وفي ما شاء معذّبوه أن يبقى ذكره مطمورًا، لم يشأ الرّبّ أن يُنسى عبدُه الرّاهب "خاريتون". وكما كانت  للشّهداء الدّالّة على الاتّصال بأهل الأرض، ظهر الرّاهب "خاريتون" في الحلم لإخوته وأخبرهم بأنّه قُتل.!..

من إيقونات القدّيس "خاريتون".

    لم يتحقّق الرّهبان من حقيقة هذه الأحلام سوى بعد سنة من الحادث، عندما اكتُشف جسده خلف مستشفى مدينة "توسوس" في "بريزرن". تمّ التعرّف على الجسد من خلال لباسه الرّهبانيّ، ومسبحته، وأوراقه الثّبوتيّة. جسده المهشّم كشف عن طريقة التّعذيب الّتي كابدها: تحطّمت أضلاعه ويده اليسرى. وكانت هشمات من خنجر قرب قلبه. رأسه مفقود، والعديد من فقرات رقبته أيضًا. عُرف أنّه كابد تلك الميتة لأنّه لم يقبل بإنكار إيمانه، ولأنّه مسيحيّ وراهب.!..

    في 11 تشرين الثّاني 2000، استلم أبوه الرّوحيّ بقاياه وقام بنقلها إلى الدّير الّذي انطلق فيه الشّهيد في حياته الرّوحيّة قال في كلمته للمؤمنين: "أيّها الأب "خاريتون"، لقد استقبلناك منذ عدّة سنوات كمبتدىء، وها نحن اليوم نستقبلك كشهيد". كان جسد الشّهيد "خاريتون" أوّل جسد يدخل مقبرة الدّير. وها هو الآن يشتعل كقنديل دائم الإنارة على مذبح الرّبّ، منيرًا الدّرب لكلّ إنسان طالب وجهه تعالى، في ظلمة هذا الدّهر. شفاعاته تعضدنا. آمين.





المرجع:

https://pemptousia.com/2017/11/monk-hariton-the-new-martyr-of-kosovo/

ترجمة عائلة الثّالوث القدّوس. دوما. لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share