روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
سلسلة المعترفين الجدد(١١٠).

خفير الإيقونة الأخ "خوسيه مونوز-كورتيز".

13 أيّار 1948– 31 تشرين الأوّل 1997



    وُلد "خوسيه مونوز-كورتيز" في 13 أيّار 1948، لعائلة كاثوليكيّة في "شيلي". في الرّابعة عشرة من عمره، بدل أن يسير نحو كنيسته الكاثوليكيّة اتّفق أن توّجه إلى كنيسة روسيّة أرثوذكسيّة. أسره جمال التّرتيل وكان اليوم عيد رفع الصّليب الكريم.

    أذهله جمال الإيقونات والخدمة الإلهيّة، فأخذ يتردّد إلى هناك بانتظام. بعد عامين، أعطاه أسقف شيلي الأرثوذكسيّ البركة أن يصير أرثوذكسيًّا. تمّ ذلك سنة 1964، واتّخذ في المعموديّة اسم يوسف. درس "خوسيه" الّلاهوت ورَسْم الإيقونات. انتقل إلى كندا حيث تابع دروسًا في المعهد الفنيّ ثمّ علّم تاريخ رسم الإيقونة في جامعة "مونريال". تاق إلى الحياة الرّهبانيّة، لكنّه لم يكن حينها من دير أرثوذكسيّ في كندا.

الأخ "خوسيه" حدثًا.

    سنة 1982، زار جبل آثوس، وفي مشغل الإيقونات التّابع لإسقيط الميلاد، جذبته إيقونة لوالدة الإله. أراد شراءها لكنّها لم تكن برسم البيع. صلّى الحاجّ الشّاب لوالدة الإله طالبًا منها أن تذهب معه إلى كندا. عند مغادرته، أقبل إليه رئيس الإسقيط فجأة وسلّمه الإيقونة قائلًا: "يجب على الكلّيّة النّقاوة أن تغادر معك".

    في طريقه إلى مرفأ الجبل، شعر بصوت داخليّ يحثّه على الاتّجاه إلى دير الإيفيرون لمباركة إيقونته الجديدة بإيقونة الدّير العجائبيّة الّتي حمت جبل آثوس على مدى قرون، وكانت إيقونته نسخة عنها. أطاع "خوسيه" الصّوت. وفي عودته إلى "مونريال" وضع الإيقونة في غرفته وكان كلّ ليلة يقيم أمامها خدمة المديح.

    في 24 تشرين الثّاني 1982، استنشق "خوسيه" رائحة طيب في غرفته. وإذ نظر إلى الإيقونة وجد عليها قطرات من سائل. لم يهتمّ للأمر في البداية، لكنّه إذ أخذ بمسحها لاحظ أنّها أصل الرّائحة الطيّبة، فتيقّن أنّ الإيقونة تنضح طيبًا. مذ ذاك أخذت الإيقونة تنضح بالطّيب دون توقّف، كلّ الأيّام ما عدا الأسبوع العظيم.

الأخ "خوسيه" إلى جانب الإيقونة العجائبيّة في غرفته.

    اجترحت هذه الإيقونة عجائب عديدة كانت أعظمها، في نظر "خوسيه"، أنّها كانت تعيد النّاس إلى التّوبة.

    أخبار الإيقونة المباركة كانت مصدر عزاءٍ كبير للرّوس الّذين كانوا، إلى ذلك الحين، ما يزالون تحت الحكم الشّيوعي، وكانوا يتناقلون أخبارها وينشرونها عبر الإذاعة الخاصّة بهم. ويروي أحدهم:

    سنة 1984، فيما كنتُ أحاول أن أضبط الراديو على موجة الإذاعة الّتي تقدّم برامج دينيّة لألتقط برنامج الأب "بوتابوف" "صوت أميركا"، وجدتُ صعوبة في ذلك لأنّ الحكم الشّيوعيّ كان يجهد في التّشويش علينا لمنعنا من التقاط موجات المحطّات الدّينيّة. في تلك اللّيلة فرحتُ لمّا سمعتُه يُخبر عن إيقونة لوالدة الإله يحفظها شاب من "شيلي"، تَدْفُقُ طيبًا. لكنّي، بسبب رداءة الصّوت لم أستطع تبيّن التّفاصيل سوى أن ما أفرحني، بالإضافة إلى العجيبة ذاتها كان أنّ إنسانًا آخر من  "تشيلي" أصبح أورثوذكسيًّا مثلي، وحافظًا لإيقونة والدة الإله".

    بعد أن تحرّرت روسيا أخيرًا من نير الشّيوعيّة، كان للشّعب الرّوسيّ تكريم خاصّ جدًّا لإيقونة الإيفيرون لسببين: أوّلهما، في تاريخ هذه الإيقونة، أنّ جنديًّا جرحها فسال من خدّها دم حيّ، وثانيهما أنّه عند رؤيته ما حصل تأثّر الجنديّ وتاب وصار راهبًا في دير الإيفيرون. بالنسبة لخوسيه، بالإضافة إلى نضح الطّيب من الإيقونة لديه الّذي كان العام 1982، تمّ في السّنة عينها، في الكنيسة الرّوسيّة خارج الحدود،  إعلان لعدد كبير من القدّيسن الجدد، شهداء الحقبة الشّيوعيّة. كان خوسيه يكنّ تقديرًا خاصًّا للقدّيسة اليزابيت الدّوقة الّتي كانت تزوره وكان يحتفظ برفاتها المفيضة للطّيب.

    لم يكن "خوسيه" يحبّ الكلام عن نفسه، لكنّ كلّ من عرفه كان يشهد لنقاوته. البعض دعوه زنبقة ملكة السّموات. كان يداوم الصّلاة أمام الإيقونة، وفي الكنيسة يتوارى كراهب حقّانيّ. بعض الشّبان التقوه في سيناء. قال لهم إنّه من "كندا". أخبروه أنّهم سمعوا عن إيقونة لوالدة الإله تفيض طيبًا، فقال لهم إنّه سمع عن الإيقونة هو أيضًا!.

    جمع في شخصيّته الانفتاح والتمسّك بالإيمان المستقيم، يجتنب المماحكات ويمضي وقته في الصّلاة. كان يتألمّ في داخله، إذ يرى بين المؤمنين قلّة الإيمان والمحبّة. مرّة كتب في مذكّراته أنّ ذلك يجعله حزينًا جدًّا.

الأخ خوسيه مع بعض المؤمنين.

    فيض الطّيب من الإيقونة أعطاه نعمة الصّلاة الحارّة. كان عرّابًا لـ48 ابنًا في المعموديّة وكان يصلّي لكلّ واحد منهم يوميًّا. وليس فقط لأجلهم إذ كانت لديه لوائح لا تنتهي من أسماء الأحياء والأموات. كان يصلّي لأجلهم جميعًا وخاصّة أمام إيقونة والدة الإله لتجعل "من الشبّان والشّبات رجالًا ونساءً لله" بحسب تعبيره.

    كان خوسيه دائمًا ما يتوارى وراء الإيقونة. إنسانًا بسيطًا، متّضعًا، ودودًا، عاديًّا كسائر البشر مع الفارق الوحيد أنّ المعجزة زارته... الآن وقد اختفت الإيقونة، ظهر ما كان عليه هذا الإنسان. صلاته الدّائمة أمام الإيقونة استدعت سيل الطّيب، نعمة من والدة الإله. جال العالم بالإيقونة متخطّيًا الصّعاب العديدة بما فيها ضيق ذات اليد وقلّة محبّة البعض الّتي تبعته حتّى النّهاية. كان قانون صلاته اليوميّ صلاة يسوع بدءًا بـ1000 مرّة في اليوم، بالإضافة إلى الصّلوات الأخرى ورسمه الإيقونات... لم يكن لديه الوقت لأيّة حياة شخصيّة. كان النّاس يقصدونه، ويراسلونه، طالبين العون والصّلاة... وكان يصلّي للجميع.

    كان ديدنه صرف ما يصل إلى يده من مدخول قليل من رسم الإيقونات، بإعطائه للفقراء، إلى حدّ أنّه كان أحيانًا يحتاج إلى ثمن أدويته وحاجاته القليلة.

    وُجدت في مذكّراته ملاحظة دوّنها سنة 1985، تُظهر كم كان من الصّعب عليه أن يكون حارسًا لإيقونة مفيضةٍ للطّيب، وأنّه يشعر بدنّو يوم استشهاده.

    "يا ربّي يسوع المسيح، يا من نزلتَ من السّماء متجسّدًا لأجل خلاصنا، واحتملت الآلام مختارًا والصّلب لأجل خطايانا، أعطِني القوّة لأحتمل آلامي، الّتي سيوقعها بي لا أعدائي بل إخوتي. يا رب!. لا تحسب لهم هذه الخطيئة!".

الشّهيد خوسيه في النّعش وتبدو عليه آثار التّعذيب.

    مرّة أسرّ لأحد أصدقائه أنّه ذات ليلة شعر أنّه مقيّد اليدين ومُبكَمُ الفم، لم يستطع لا أن يصرخ ولا أن يستغيث... عرف أنّ ذلك من عمل قوّات الظّلمة، فأخذ يردّد صلاة يسوع ذهنيًّا، ولمّا تنحلّ وثقه حتّى انبلاج الصّبح!. هذا حدث قبل سنة تمامًا من استشهاده، ولم يكن حلمًا.

    في آخر مقابلة له نشرت في مجلّة "الرّاعي الرّوسيّ" تحدّث خوسيه كمن يشعر بدنوّ أجله:

    "يجب أن يكون المؤمنون مستعدّين للموت لأجل الحقّ، ولا ينسوا أنّهم إذا ما كان لديهم أعداء لهم هنا، فسيكون لهم ملكوت السّموات... المؤمن، في الأمور الصّغيرة، سوف يكون مؤمنًا في الأمور العظيمة، عندما يُطلب منه ذلك. فإذ نُعطى الفرصة لنعترف باسم المسيح، علينا أن نحافظ عليها. إذ نخسر الحياة الأرضيّة، نجد السّماويّة. يجب ألّا نخاف الموت لأجل المسيح".

    الغرفة الّتي قُتل فيها الأخ "خوسيه" كانت غرفة جانبيّة لها شرفة، مطلّة على مبنى قريب. أشارت الأدلّة إلى أن بابها كان موصدًا من الدّاخل. وبحسب تقرير الطّبيب الشّرعي، تمّ الاعتداء عليه من قبل ثلاثة أشخاص. واحد أمسكه، وواحد قيّد يديه ورجليه وآخر انهال عليه بالضّرب. على الأرجح، أراد القتلة معرفة كلّ شيء عن سرّ الإيقونة المفيضة الطّيب الّتي اختفت تلك اللّيلة ولا أحد يعرف مصيرها حتّى اليوم. ما زال مجهولًا كيف استُدرج الأخ إلى تلك الغرفة. ويضيف الطّبيب الشّرعيّ أن كلّ الدّلائل تشير إلى أنّ الشّهيد لم يُبد أدنى مقاومة. وُجد راقدًا بجانب السّرير، وعلامات التّعذيب تغطّي وجهه، وذراعيه، ويديه، وصدره. وأظهر الطّبيب أيضًا الصّورة المريعة لجسد الشّهيد المعذّب الّتي أخذتها الشّرطة وأظهرت أنّه مات ببطىء ووحيدًا.

الشهيد خوسيه مصوّرًا إلى جانب القدّيس يوحنا مكسيموفيتش وقدّيسين روس آخرين في حائطيّة.

    رافق الأب "ألكسندر إيفاسيفيتش" الأخ خوسيه إلى اليونان وكان شاهدًا على آخر أيّامه وتحدّث عنها:

    "لم نستطع النّوم في تلك اللّيلة. تحوّل حديثنا الّذي طال، إلى اعتراف متبادل... استعرض الأخ خوسيه حياته كلّها. عندما اتّجه كلّ واحد نحو غرفته قال لي: "سامحني يا أبي على كلّ الأمور الخاطئة الّتي بدرت منّي، والّتي جرحتك، أسأل غفرانك من أعماق قلبي". قلت له: "سامحني أنت أيضًا يا خوسيه". انحنينا واحدنا للآخر، وضممنا بعضنا... "فليحمك الرب"... "ليباركك الرّبّ"... هذه كانت كلماته الأخيرة قبل رحيله بساعتين. وعند زيارتنا لدير في اليونان قبل ذلك، أخذت إيقونة لوالدة الإله تذرف دموعًا وقال خوسيه: "أنا متأكّد يا أبي أنّ سوءًا ما سيحدث لا أعرف ما هو لكنّني متأكّد أنّه سوف يحدث!".

    تمّ دفن خفير إيقونة والدة الإله، بعد ثلاثة عشر يومًا من موته. كان من المقرّر إتمام الدّفن والجسد موضوع في صندوق مغلق، لكنّ الله أراد غير ذلك، لم يغلق الصّندوق وبدت ظاهرة للعيان آثار التّعذيب، ولم يُبد الجسد الممدّد أيّ أثر للانحلال!.

أثاء إقامة تريصاجيون على قبر القدّيس، يبدو تدفّق الطّيب من إيقونة "هاواي".

    تدفّقت حشود المؤمنين إلى "جوردانفيل" وامتلأ المكان "بالحضرة الإلهيّة". أحد الرّهبان المشاركين في الدّفن وصف ذلك بقوله: "خال لي أنّني أشارك رتبة جنّاز المسيح... واقفًا أمام الإيبيتافيون، والمؤمنون يتأملّون بدهش وتأثّر آلام الرّبّ الخلاصيّة متذكّرين دفنه. شعرنا بالسموّ الرّوحيّ والحزن البهيّ في الوقت عينه. طبعًا، ذُرفت دموع كثيرة لم تستطع العيون كبحها، لكنّنا كنّا ننظر إلى ذلك الجسد الممدّد أمامنا الحامل آثار التّعذيب ذي الوجه المرهق، مزيّنًا بالجراح كلآلىء إلهيّة. رأينا يديه الّتي بدت عليها آثار التقييد والضّرب".

    كثيرون شهدوا لقداسة الرّجل في حياته، واليوم ما زالوا يتحدّثون عن حضوره في حياتهم ومساعدته لهم.

    بعد استشهاده واختفاء الإيقونة تساءل كثيرون: هل ستعود الإيقونة يومًا؟.

    برحمة الله ونعمته، في 6 تشرين الأوّل 2007، في السّنة الّتي تمّت فيها الوحدة الرّسميّة بين الكنيسة الرّوسيّة خارج الحدود مع الكنيسة الرّسميّة، أخذت نسخة عن إيقونة الإيفيرون موجودة في "هاواي" تفيض طيبًا بغزارة غير اعتياديّة، عُرفت مذ ذاك بإيقونة "هاواي". هذه كانت جوابًا للمتسائلين عن عودة الإيقونة وفرحًا لكلّ من كانوا يوقّرون الإيقونة الإيفيريّة الّتي كان الأخ "خوسيه" حارسها وخفيرًا عليها طيلة حياته. بركة والدة الإله وصلواته تشملنا أجمعين. أمين.







المرجع:

https://eadiocese.org/news_171115_2

ترجمة عائلة الثّالوث القدّوس. دوما. لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share