من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
نقاط على الحروف
الألم والموت
في الحياة الرّهبانيّة.

   الألم والموت، في الحياة الرّهبانيّة، تنقية وشهادة. هذا صحيح بالنّسبة لكلّ مؤمن، بالرّوح والحقّ، في الكنيسة، وبالأَولى بالنّسبة للرّهبان والرّاهبات لأنّه مفترض بهم أن يكونوا في طليعة المجاهدين من أجل الخلاص. ثمّة خلاص وجهاد إذًا. ممّ هو الخلاص، ومن أجل ماذا هو الجهاد؟. الخلاص، كما تَعْلمن، هو من الألم والموت. وهذا لا يكون إلّا بالجهاد.

    لنتكلّم، أوّلًا، على الخلاص.

    قلنا الخلاص هو من الألم والموت. ولكنْ، لا يخلص أحد إلّا بالألم والموت. كيف ذلك؟. كيف يمكن الإنسان أن يخلص من الألم والموت، بالألم والموت؟. أليس في الأمر التباس، تناقض؟. طبعًا، في الظّاهر!. ولكنْ، هناك ألم وألم، وهناك موت وموت!. للألم معنيان: المعنى الأوّل هو الهوى. هذا في القاموس الرّوحيّ. والمعنى الثّاني هو المعاناة. هذا هو المعنى الشّائع. كلّ وجع، كلّ ضيق، في مستوى النّفس والجسد، هو ألم. إذًا، نخلص من الأهواء بالجهاد والتّعب، بالصّبر والثّبات. بضيقات كثيرة، ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات، ينبغي أن ندخل الحياة. المعاناة، في النّفس والجسد، هي من الأهواء. ما كان المرء ليعاني لو لم يولِّد السّقوط الأهواء فيه. للهوى، دائمًا، وجه متعويّ ووجه ألميّ. الألم هو الوجه الآخر من المتعة. الخطيئة تصطادنا بالمتعة وتوقعنا في الألم!. هذا في هذا الدّهر. المتعة هي الفرح مشوَّهًا!. الإنسان يظنّ، في قرارة نفسه، أنّه، بالخطيئة، يلتمس الفرح. هذا كذِب، كذِبُ الخطيئة!. لذلك سهلٌ عليه الوقوع فيها. الخطيئة خدعة، خدعة الكذّاب وأبي الكذّاب: الشّيطان!. يتوهّم المرء أنّه يسعى بها إلى الفرح، إلى الهرب من مأساة الألم والموت. لكنّها، هي، بالضّبط، ما يلقيه في الألم والموت. الأهواء هي الآلام، لأنّ بذرة كلّ ألم فيها. والأهواء هي موت لأنّها لا تحيي، ولو أوهمتنا بذلك، بل تقتلنا. الألم الأكبر الّذي يكابده الإنسان أنّه ليس إلهًا!. الأهواء هي التّأليه على طريقة البشر!. في استغراق الإنسان في أهواء نفسه يظنّ أنّه يستغرق في سبل الألوهة. والموت الأكبر أنّه لا يحبّ الله، وتاليًا قريبه. وحدها المحبّة قيل فيها إنّها لا تسقط أبدًا. المحبة أقوى من الموت لأنّها وحدها تحيي إلى حياة أبديّة. على هذا، قال الرّسول بولس: الحياة لي هي المسيح والموت ربح. لاحظن: يقول "ربحًا"!. هنا، يتكلّم على موت الجسد. أهل العالم يعتبرون موت الجسد خسارة، لا بل "الخسارة"!. الرّسول يعتبره "ربحًا. هكذا وجّه كلامه لولده تيموثاوس، في رسالته الثّانية إليه، في الجهاد والموت من أجل المخلّص، الّذي هو إيّاه الخلاص:

    "أمّا أنت فاصحُ في كلّ شيء. احتمل المشقّات. اعمل عمل المبشِّر. تمِّم خدمتك. فإنّي أنا الآن أُسكب سكيبًا - بمثابة ذبيحة محبّة يرفعها لربّه - ووقت انحلالي قد حضر. قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السّعي، حفظت الإيمان. وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ الّذي يهبه لي، في ذلك اليوم، الرّبّ الدّيّان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الّذين يحبّون ظهوره أيضًا" (٤)!.

    ماذا، الآن، عن الجهاد؟.

    وصار لا بدّ من الجهاد، بعد السّقوط. بعرق جبينك تأكل خبزك. هذا اكتماله بأكل المنّ السّماويّ. هنا، في هذا الدّهر، لا راحة. السّعي إلى الرّاحة، في هذا العالم، إيحاء شيطانيّ، بقصد استغناء الإنسان عن الرّاحة الّتي من فوق. يشغلنا إبليس بجمالات الأرض، الّتي يختلسها من الله ليجعلها مقبرة للإنسان؛ فيما قصد الله من هذه الجمالات، أصلًا، هو أن يعبِّر لنا بها عن محبّته بحيث تأتي بنا إليه، لأنّه هو الجميل والجمال، لأنّه محبّة. الجمال، في نهاية المطاف، هو جمال المحبّة. الجمال الدّاخليّ، الجمال الكيانيّ، الجمال الرّوحيّ... كلّ مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا، أمّا الماء الّذي أعطيه أنا، فإن يشرب منه أحد فلن يعطش إلى الأبد!. الرّاحة الحقّ هي الرّوح، روح الرّبّ القدوس!. لا راحة للإنسان إلّا في الرّوح، إلّا إذا سكن فيه روح الله. أنتم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم!. أما تذكرن كلام القدّيس سيرافيم ساروفسكي: الغاية من الحياة المسيحيّة هي اقتناء الرّوح القدس!. الرّوح هو الّذي يحيي. الجسد لا ينفع شيئًا.

    لمّا لم يثبت الإنسان في راحة جنّة عدن، وعصى ربّه، نُفي إلى الأرض. صارت الأرض له منفى، مطرحًا للتّعب. صار عليه، من جهة، أن يكابد الحرمان، ومن جهة أخرى، أن يتعب ويجاهد، ليستعيد عشرته لله. لا أنفع من الحرمان!. ولا أنفع من أن يحرم الإنسان نفسه، بالنّسك، من الرّاحة النّفسانيّة الجسدانيّة الشّيطانيّة الكذوب، لأنّه، إن فعل، انفتح في داخله، فردوسٌ، من حيث لا يدري، فردوسُ قلب الله. في الرّوحيّات، في المحبّات، لا يقيم الإنسان في مكان، ولو أقام. مُقامُه يكون في الله، في الثّالوث، آبًا وابنًا وروحًا قدسًا، ومُقام الله فيه. نصير في الملكوت أي في قلب الملك، الّذي ما كانت جنّة عدن سوى رمز له وإيقونة.

    هنا، نحن في التّعب، ولكنْ، التّعب المريح، الحزن البهيّ!. هي حكمة الله الّتي يعتبرها جهلًا الّذين لا يعلمون، والّتي يقول فيها الرّسول بولس: "كلمة الصّليب عند الهالكين جهالة. أمّا عندنا نحن المخلَّصين فهي قوّة الله. لأنّه مكتوب سأُبيد حكمة الحكماء وأرفض فَهْم الفهماء... ألم يجهِّل الله حكمة هذا العالم؟... فإنّ جهالة الله أحكم من النّاس، وضعف الله أقوى من النّاس [ما يظنّه النّاس جهالة وضعفًا]" (١كورنثوس ١)!.

    التّعب صار لا بدّ منه من أجل محبّة يسوع. لا محبّة دون تعب، دون ألم من أجل مَن نحبّ. الصّليب هو العلامة الّتي تجمع الألم والفرح، الموت والحياة؛ أو بتعبير أدقّ، الصّليب هو الخبرة الإلهيّة البشريّة الجديدة الّتي تجعل الفرح، الفرح الّذي لا يُنزع منّا، مقيمًا في ألمنا، والّتي تجعل الحياة مقيمة في موتنا، الحياة الأبديّة!. المسيحيّة، بهذا المعنى، صليب!. وإلّا لا محبّة في الرّوح، أي لا محبّة من محبّة الله، من الله المحبّة!. من دون حكمة الله في الصّليب، المسيحيّة عواطف ومشاعر وأفكار وشعارات وطقوس!. مأساة البشريّة أنّها تعتبر الصّليب لعنة أو جهالة، لأنّها لا تنظر، فيه، إلّا للألم، ولا تنظر إلى المسيح المصلوب، إلى الرّوح الّتي استودعها الصّليب، إلى حضورِه فيه، إلى حياته، إلى محبّته الّتي جعلت صليب ألم البشريّة وموتِها قرينَ روح الله، وحضور الله، وحياة الله، ومحبّة الله!.

    المحبّة موجعة!. قبل أن أختبر الفردوس في الله وفي أخي وأختي، أختبر الجحيم فيه وفيها!. شيء فيّ ينبغي أن ينكسر أوّلًا!. أُهلك نفسي، أتخطّى نفسي، أكفر بنفسي!. أجازف بنفسي لآخذها جديدة!. هذا لا أتمكّن منه من غير عون الله. بالنّعمة أنتم مخلَّصون. المهمّ: أتريد أن تُشفى من ألمك وموتك؟. يكفيك أن تريد وأن تثبت في ما تريد!. اعمل ما في طاقتك، والباقي يُكمله ربّك فيك!. كم من مرّة تصرخ: لا أستطيع أن أتابع المسير؟!. رغم ذلك استمرّ!. متى استنفدت قواك قوّاك ربّك من عنده!. لا تخافوا أنا قد غلبت العالم!. مسيحك تعب وانتصر وأنت تدخل على تعبه وتشترك في الظّفر!.

    أخي هو حياتي. هذا متى صار السّيّد حياتك!. قبل ذلك تخور وتتعب!. ولكنْ، لا تستسلم!. من الخور والتّعب، يخرج بك إيمانك وثباتك إلى ربّك فيشدّدك ويقوّيك، من حيث لا تدري. المهمّ أن تثبت. ومَن يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص!.



الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ - دوما

(حديث إلى راهبات دير القدّيس يوحنّا

المعمدان في كارياس - اليونان، بالإنكليزيّة،

في ٢٠١٧/١٠/٢٠).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share