<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
نقاط على الحروف
من الاعتراف بالخطيئة
إلى معرفة الصّليب!.

❖   اسمحوا لي أن أؤدّي اعترافًا علنيًّا عن نفسي، وربّما عنكم أيضًا. أنا أعرف المسيح لأنّي ذقته. بالأحرى، هو أذاقني نفسه. هكذا مجّانًا. لا لأنّي صالح بل لأنّه هو صالح. يريدني أن أخلص. أعرف، أيضًا، أنّه يتابعني. لا يتركني. لا يتخلّى عنّي. بخفر كبير يقاربني، ولكن بثبات كبير. ألمحه مرّات عديدة. أكثر الأوقات، حين لا أنتظره. يستوقفني ولا أستطيع أن أستوقفه. يعبر. مسيح الرّبّ ليس مشكلتي. مشكلتي نفسي. هو لطيف ولا ألطف، أمّا أنا فقاسي القلب. ما أريده لست أفعله، وما لست أريده إيّاه أفعل!. ويحي!. مَن ينقذني من جسد الموت هذا؟!. ما أفعله لست أنا مَن يفعله بل الخطيئة الّتي فيّ!. محبّة الآب تشدّه إليّ، وخطيئتي تشدّني عنه!. هنا بيت القصيد: خطيئتي آمرتي كأنّها إيّاي وأنا أنصاع لها. صارت لديّ طبيعة ثانية تتحكّم بطبيعتي. لذا تراني أريد الله وأريد خطيئتي!. في قرارة نفسي، أخشى، بعد كلّ هذه السّنوات، أنّي لا زلت أحبّ خطيئتي ولا أحبّ الله!. أكنّ له بعض المشاعر، طبعًا، لكنّي لا أشاء، في العمق، أن أتغيّر بصورة جذريّة. خطيئتي لا زالت مستبدّة بي، وأنا أخاف أن أُغادرها!. هي تعزيتي وفراغي معًا. أهرب منها ولكنْ إليها. وفي حركتي صوبها أجدني أزداد ضعفًا حيالها. كأنّي صرت بلا إرادة. مشاعريّ أكثر ممّا أنا كيانيّ!. إرادة الخطيئة حاضرة فيّ أبدًا، أمّا إرادة الله فلست أجدها حقًّا!. الإرادة تكون أو لا تكون!. طبعًا، أدّعي ما أدّعيه، وأبرِّر نفسي كلّ حين، لكنّي، في العمق، خليط من صدق وتمثيل!. أخشى أن أقول إنّي أكذب باستمرار!. صحيح، هناك كذب أمجّه، ولكنْ هناك، فيّ، كذب، يجري في كياني، كما يجري الدّم في عروقي!.

   

❖   خطيئتي تجعلني كتلة عقد!. أحبّ ولا أحبّ. أرحم ولا أرحم. أرأف وأقسو. أبرِّر هذا وأرنو إلى ذاك. تقولون لي: "تبْ"!. ليتني أعرف كيف؟!. أتراني أقدر أن أتوب؟. لا أظنّني!. ما لم يتوّبني الرّبّ إلهي، فلا يمكنني أن أتوب!. "توّبني فأتوب، لأنّك أنت الرّبّ إلهي"، قال إرميا (31: 18)!. ثمّ، ما التّوبة؟. "أن أغيِّر فكري"، قالوا!. كيف أفعل ذلك؟. كيف ينتشل الغريق نفسه، ما لم ينتشله أحد؟. أبذل بعض الجهد ثمّ أرتخي. أريد نتائج سريعة ولا أجد. أتعب. نَفَسي، بعامّة، قصير. هذا فيما لا تكفّ خطيئتي عن إلحاحها عليّ. شاخت فيّ!. تصلَّبتْ!. كأنّها صاحبة البيت!. صارت لها حقوق!. أعاينها حيثما توجّهت. أسمعها كيفما استدرت. تطالعني بوقاحة في كلّ مَن حولي. هذا زمن انفجار بركان الخطيئة!. إلى أين المفرّ!. ليته كان لي جناحان لأطير وأستريح!. إنّما الله صبور، لكنّك تختنق فيما تقف على رجليك ثمّ تعود فتسقط من جديد، وهكذا دواليك آلاف المرّات!. شعورك بالكبرياء لا أظنّه يتآكل، لكن شعورك بالكرامة يتآكل تمامًا!. تأكل لحمك وتريد أن تخرج من جلدك الميت كالحيّات ولا تستطيع!. لا يحمّلك ربّك فوق طاقتك؟. أعلم، أعلم!. لكن لحظات تأتي، لا أعود قادرًا فيها على احتمال التّردّد بين وخز الخطيئة والقرف منها!. حتّى متى؟!. تضيق نفسي كأنّ العبث في داخلي ماضٍ إلى الأبد!. الله يعين!. أفهم ذلك!. لست بحاجة إلى مزيد من الوعظ!. ما أعرفه بعقلي يكفيني!. ليس هذا همّي!. أَبعدوا الكتب عنّي!. إنّها تلهيني!. هذه ليست أنا!. لا أنا نصوص ولا شواهد!. أنا دم وحسّ!. نفْسي توجعني!. جسدي يؤرقني!. وعقلي سارح في نظريّاته وخيالاته، على سجيّته، يخدّرني!. ساعة معاناة واحدة كافية لتدحض كلّ الحجج الّتي سبق لي أن كدّستُها!. فقير أنا وفي الشّقاء منذ حداثتي!.

   

❖ المسيح جاء ليخلِّص الخطأة الّذين أنا أوّلهم. ليتني أعرف نفسي لكنت عرفت العالم كلّه!. أمّا معرفة النّفس فثمنها دم!. ولكنْ كيف أبذل نفسي وأنا خائف عليها؟. خطيئتي أرتمي في أحضانها، بالحري، لأنّي مقيم في الخوف!. حياتي هروب!. تكرّ الأيّام ولا أجدني أتغيّر!. أحتاج لأن أكون شجاعًا لأتغيّر؟. ولكنْ، ماذا أصنع بالتّردّد الّذي يتملّكني، وتاليًا بالخطيئة الّتي تتلقّفني؟. "لا تخافوا، أنا قد غلبتُ العالم"، في قولة مسيحك. هو أوصى وأعطى معًا. لكنّي محشور، أبدًا، بين وصيّة أقتبلها وخطيئة تجتذبني!. الوصيّة أَقتبلها في حسّي، ولكن يعسر عليّ أن أقتبل الألم معها. أريدها يسيرة وهي عنيفة، تأتيني لتمزّق فيّ خطيئتي كما لتمزّقني!. قلبي يوجعني!. لا أطيق تواتر المعاناة!. ثمّ تأتي خطيئتي بيسر لتسفّه الوصيّة فيّ!. حتّى متى؟. إنسان أنا!. بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات!. لكنْ، عقلي يرفض مذاق المرّ في كلّ حلو في هذه الدّنيا!. الإرادة، اليوم، تموت!. ثمّ ربّك يأتيك لا فقط بالبشرة، ولا فقط بما يفوق البشرة، بل، أكثر من ذلك، بما يضاد البشرة، مهما قلتَ عنها ساقطة!. ليست لي وما أعرف إلّا هذه البشرة المجبولة بهوى الخطيئة!. تكلّمني عن بشرة تلوّثت؟. حسنًا، تلوّثت!. ماذا أعمل إذا كنتُ لم أعرف إلّاها؟!. كأنّك تطالبني بألّا أكون إنسانًا!. تريدني أن أكون إنسانًا جديدًا، وأنا غارق في العتاقة؟. كلّي عتيق!. العتاقة في دمي!. أنا آت، كالابن الشّاطر، من مجتمع خنازير!.

   

❖ ليس خاطئ أسوأ منّي!. لا فرق بينه وبيني بالخطيئة!. الجميع أخطأوا!. البذور، بذور الخطيئة، فينا كلّنا!. فقط بعضها، بتأثير الحرّ والمطر، يتفتّح لدى البعض، ولا يتفتّح لدى البعض الآخر. لو كنتُ حيث أنتَ لكنتُ مثلك، وربّما أسوأ منك!. أنا لا يمكنني أن أعرفك أخًا لأنّك إنسان مثلي بل لأنّي خاطئ مثلك!. نحن إخوة في الخطيئة، مدعوون لأن نصير إخوة في المسيح!. لا أستطيع أن أقول إنّي راحمك لأنّي أعرف المسيح في الحقّ - ليته كان لي هذا الامتياز(!)-؛ أرحمك إذا عرفتُ نفسي أنّي خاطئ مثلك!. ولكن، هذا بنعمة الله؟ لا شكّ في ذلك!. ولكنْ، بوعيي ووعيك ووعي كلّ واحد لحقيقة نفسه الضّائعة، في آن معًا!. لِمَ يقسو أحدنا على الآخر؟ لأنّه لا يعرف نفسه!. أنت ضحيّة وأنا ضحيّة!. كلّ يقدّم سواه ذبيحة ليوهم نفسه والآخرين أنّه صالح!. ليته يقدّم نفسه ذبيحة رأفة، إذن لرحم، وبرحمته رحِم الله القابعين في الظّلمة وظلال الموت، ورحِمه!. خلاصُك، في الحقيقة، أنا مسؤول عنه، لأنّ خلاصي منوط بك!. هذا واقع لا مفرّ منه أن هكذا ربّك جعل خلاصَه للعالَمين بالعالَمين!. بدونك لن أذوق الخلاص، مهما كانت خطاياي طفيفة وخطاياك جسيمة!. ولكنْ، ويحي، أين أنا منك؟!.

   

❖   على ذلك، أتبنّاك حيث أنت أو أنتحر!. لا لتبقى حيث أنت بل لأساعدك على الخروج من حيث أنت!. لا مفرّ من التّعب!. كلّما كان تعبي من أجلك حقيقيًّا كلّما كان تفتّح كياني على امتصاص تعب المسيح من أجلي حقيقيًّا!. أُبدي حيالك اهتمامًا صوريًّا أخدّر به ضميري فيكون واقع اهتمام المسيح لديّ صوريًّا!. ليس ما أظنّه يخلّصني بل ما أكنّه لأخي وأصنعه معه!. ما دام الإنسان يفصل خلاص نفسه عن خلاص الآخرين فالمحصّلة تتراوح، لا محالة، بين اللّامبالاة الكيانيّة بهم والاستعداد للتخلّص منهم، فرادى وجماعات!. هذا هو الإنسان: إمّا يتبنّى خلاص الآخرين فيخلص، وإمّا يتبنّى التّخلّص من الآخرين فيهلك، ولو ملأ أيّامه أصوامًا وصلوات!. أساس الصّوم أن أقدّم أخي على نفسي في كلّ أمر، وأساس الصّلاة أن أكون في تواصل كيانيّ حيّ ثابت معه!. هذا مدخل النّسك والصّلاة الدّائمة لكلّ المؤمنين!. ما لا جذور طيّبة له في كياني لا يجذّرني في ملكوت الله!. هذا الشّعب يعبدني بشفتيه، أمّا قلبه فمبتعد عنّي بعيدًا!. إلى مثل هذا الشّعب ينتمي كلّ الّذين لا ينتمون إلّا لأنفسهم!. أخشى وأرجو ألّا أبقى معهم قبل أن أموت!. اللهمّ، قبل أن تردّني إلى التّراب ردّني إليك!.

   

❖   هذا اعترافي أدّيته وهذه معاناتي!. خطيئتي تقلقني وتقلقلني!. لذلك، أعرف، بشريًّا، أنّي فاشل!. أريد الله ولا أريده!. كيف أخرج من ذاتي؟ بك وحدك، سيّدي!. أعطني أن أصير ما تريد لأريد أن أسير إلى ما تريد!. منطقني بمنطقك لأنّ منطقي مريض!. شئتُ أم أبيتُ، أعطني أن أشاء ما تشاء!. لولبيّتي، إن شئتَ، أنت قادر أن تحرّرني منها!. غبائي، أنا عارف به، لكنّي لا أعرف كيف أخرج منه!. علّمني أن أعمل رضاك!. المقعد سألتَه: أتريد أن تُشفى؟ أنا ذاك المقعد!. لكنّني أعتدت خطيئتي، اعتدت قعودي!. أشاء؟ طبعًا أشاء!. لكن ثمّة شيئًا قويًّا فيّ لا يشاء لأنّي اعتدت اللّاحسّ  واللّامبالاة!. أخرجني من مواتي ولامبالاتي!. أعطني أن أعود واحدًا إليك مستوحدًا بك!. غريب أنا عن نفسي!. لماذا تقلقينني يا نفسي؟!. توكّلي على الله لأنّه خلاص وجهي وإلهي!.

   

❖   يا مَن جعلتنا إخوة لك، أعطنا، فيما بيننا، أن نتآخى بك!. محبّتك أسهل من محبّة الإخوة لأنّك بعيد!. لذا محبّتك مشاعر وأحلام!. أعرف أنّ محبّتك لن تصير لي لحمًا ودمًا، ما لم يصر أخي لحمي ودمي أوّلًا!. ولكن، أين أنا من ذلك؟!. نجّني من زلّاتي الخفيّة!. أعطني العزم، أوّلًا، والمسير ثانيًا، والصّبر ثالثًا، والثّبات رابعًا!. أعطني أن أَقبل ما لست قادرًا على أن أقبله!. أعطني بك أن أفرح بكلّ ما يحزنني بي!. هبني في يأسي من نفسي الرّجاء!. لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين!. أنظر إلى نفسي وخلّصها!. أنا لك يا مسيح الرّبّ ولو قالت لي خطيئتي أنّي لنفسي!. في يديك أستودع روحي!.

    سلام على مَن لا يحبّون إلى أن تنسكب فيّ وفيهم محبّة الّذي أحبّنا، إلى المنتهى، حتّى الموت، موت الصليب!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

17 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share