فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
نقاط على الحروف
أربعون!.

"جئت، عصام، هذه الكنيسة

اليوم لتصبح كلمة".

(في رسامته كاهنًا، المطران جورج خضر،

17 نيسان 1977)


   أربعون سنة مرّت على كهنوته. ثلاث عشرة قضاها في الرّعاية، وسبع وعشرون في الرّهبانيّة. الأولى كانت خلال الحرب اللّبنانيّة، والأخيرة كان يُفترَض بها أن تكون حربًا داخليّة. أيقيِّم الإنسان مسراه؟. ما يعرفه أقلّ بكثير ممّا يجهله. لكنْ، يعطيه العمر أن يعرف أنّه يحتاج لأن يعرف أنّه أكثر جهلًا من أن يعرف نفسه كما يحتاج أن يعرفها. المهمّ، في كلّ حال، أن يكون معروفًا من الّذي براه. المعرفة النّظريّة يُفترَض بها أن تنشأ من المعرفة العمليّة، في هذا السّياق. لكنّها، في زمن العقلنة، تأتي قبلها، كشرط لها. وما هذا بسليم. الخبرة تسبق الإدراك!. لا نظريّات عند ربّك. المعرفة النّظريّة، كما نألفها، قائمة في ذاتها، وتُعتبَر، في الإلهيّات، كأنّها كافية. وهذه بدعة!. لذا كان الله، في التّعاطي، عند الأكثرين، اليوم، أدنى إلى الفكرة!. لكن الله تعرفه محبّة أو لا تعرفه البتّة!. لا يقدّم نفسه للعقل بمثابة كلمات ولو تكلّم. يقدّم نفسه كلمة، ولكن لا للعقل بل للقلب، ولو قرأناه مخطوطات. هذا، العقلُ يلتقطه من القلب. فإن التقطها كلمات من الكتب وعفّ عمّا للقلب، ما عرفها إلّا جثثًا غابت عنها الحياة الّتي في الكلمة!. جثث هي الكلمات ما لم تبق حمّالة للكلمة في الرّوح. وهذا وحده، عند ربِّك، حيًّا فيك، وارد، وإلّا تستحيل الكلمات معاني مجرّدة. لذلك، قلتُ جثثًا. أمّا، في المدى الإلهيّ، فالكلمات وجود. كلٌّ منها ينضح حضورًا. هذا يعطينا أن ندرك مضمون قولة القدّيس يوستينوس بوبوفيتش الصّربيّ، أنّ كلّ كلمة من كلمات الكتاب المقدّس تنضح نعمة إلهيّة!. إصبع ربّك في كلّ شيء إلّا الخطيئة!.

   بعد هذه السّنوات، عديدةً أضحت البديهيّات الّتي لم تعد لديه مقبولة. المدرسة واحدة من هذه المسلّمات. لو عاد إلى الوراء، لما أضاع، بإرادته، خمسة وعشرين سنة من عمره في المدارس!. أفهم أن تكون المدرسة إطارًا كنسيًّا الغرضُ منه تزويد بعض المؤمنين بأدوات المعرفة الكنسيّة إغناءً للجماعة، السّالكة في العبادة الحسنة والتّقى، بخبرات روح الرّبّ الفاعل في السّابقين. وأفهم، أيضًا، أن تكون المدرسة مساعدة في الدّفاع عن إيمان الكنيسة ضدّ الهرطقات والتّعاليم الغريبة. كذلك أفهم أن تكون المدرسة معينة على تعلّم القراءة والكتابة ليتسنّى للمؤمن أن يقرأ الكلمة الإلهيّة. مقبولة، أيضًا، فكرة المدرسة الّتي تساعد في إنماء الزّراعة والعناية بالبيئة والحِرَف اليدويّة. ولكنْ، أن يُقطع حبلُ الصّرّة بين المدرسة ومجتمع الكنيسة، بحيث لا تعود المدرسة أداة كنسيّة، إلّا ربّما بالشّكل، وتضحى، في العمق، مجالًا دهريًّا يتعاطى الثّقافة والعلوم العامّة ومشتقّاتها، ويُعِدّ لِكَمٍّ هائل من أنواع المهن والانشغالات والخدمات والاهتمامات الّتي تسحر الإنسان وتشغله، برمّته، بأمور هذا الدّهر، ففيه تحوّل جذريّ، لا فقط في وجهة المجتمع، بما فيه مجتمع الكنيسة، بل في الوجدان العامّ للإنسان، بالدّرجة الأولى. الكنيسة، عند صاحبي، هي الحياة!. ما عداها لهو وعبث!. ليته وعى ذلك باكرًا!. وحدها الكنيسة مخزن الحياة الجديدة!. قبل أن تكون المدرسة، في هذا السّياق، أداة حضاريّة، تلقاها، في العمق، روحًا غريبة عن الله. ففيها تُنشَّأ الأجيال على الرّوح الدّهريّة، ما يؤدّي إلى الإغضاء بعامّة عن الرّوح الكنسيّة. أقول هذا لأنّ الرّوحيّات لا تقبل التّلفيق. لا خلطة لما لروح الله مع ما لروح العالم. الواحدة تنفي الأخرى. هذا يعني أنّ المدرسة الدّهريّة تضرب روح العائلة المسيحيّة، ولو تدريجًا، وتاليًا الكنيسة، بالرّوح الدّهريّة!. روح الله، في كنفها، محكوم عليه بالنّفي!. ماذا يعني ذلك، عمليًّا؟. يعني أنّ الكنيسة، ولو بقيت شعاراتها واستمرّ شكلها الخارجيّ، فإنّها تفرغ، والحال هذه، من روح الرّبّ، وتصير لها الدّهريّة روحًا أخرى بديلة!. قد تبقى الكنيسة تقليديّة في الشّكل، إلى حدّ ما، لكنّها تضحى دهريّة المضمون، ما يحوِّلها من كنيسة روحيّة إلهيّة إلى كنيسة دهريّة نفسانيّة!. تلقائيًّا، والحال هذه، تخرج الكنيسة من نطاق العبادة بالرّوح والحقّ إلى نطاق عبادة الأوثان!. ما الفرق بين ما لله وما للوثن؟. في كلّ منهما رمز. لكن الكنيسة ليست رمزًا!. الوثن واقع نفسيّ متمحور في عبادة الأنا يعبّر عن ذاته برموز (حجر، صورة، فكرة، ممارسة...). أمّا ما لله فواقع روحيّ ولو عبّر عن ذاته برموز أيضًا، وقد تكون، أحيانًا، الرّموز عينها المعتمدة في عبادة الوثن. ولكن، روحيّ بمعنى أنّه من روح الله لا أنّ موضوعه روحيّ. الرّمز، في كلّ حال، لا بدّ منه، لأنّ للإنسان جسدًا. ثنائيّة المنظور وغير المنظور تنطوي على التّعبير المحسوس عمّا هو غير محسوس لديه. فإذا لم يكن روح الله مقيمًا في الإنسان، فإنّ ما يعتمل في قلبه من حكمة يكون ما هو لنفسه، أي ما هو نفسانيّ، وهذا ذو صلة، مهما قلّبته، بما هو شيطانيّ، على حدّ تعبير يعقوب الرّسول (3: 15)!. لذا يأتي التّعبير عنه، كوثن، في رمز محدّد، أنّى يكن هذا الرّمز؛ فيكون الوثن، في آن، من حيث لا يدري الإنسان، ذا طبيعة نفسانيّة وشيطانيّة!. وحده روح الله فينا ينقّي النّفس من النّجاسة ويحرّرها من رِبقة الشّيطان، ويعطي الرّمزَ أن يكون هيكلًا لروح الرّبّ، بحيث نجدنا، متى تعاطيناه، في شتّى أشكاله، نتعاطاه كسرّ، أي كحضور إلهيّ غير منظور، في علامة منظورة؛ ما يفوق إدراك العقول. لذلك نسمّيه سرًّا!. لا حياد في حياة الإنسان وأحكامه وتدابيره!. مَن ليس معي فهو عليّ، ومَن لا يجمع معي فهو يفرِّق!. من هنا قناعة صاحبي أنّ المدرسة الدّهريّة، في عمقها، إن هي سوى مؤسّسة تنشئ على عبادة الأوثان، ولو كان بعض ما فيها قابلًا للمنفعة!. لكن روحها فاسدة!.

في الصّف الأماميّ: من اليمين إلى اليسار: المطران أفرام كيرياكوس (قبل انتخابه)، الأرشمندريت توما بيطار، المطران سابا إسبر، الأرشمندريت إلياس مرقص والأم مريم زكّا.
   لم يعرف صاحبي الكنيسة إلّا متأخّرًا، في أواخر العقد الثّاني من عمره. أبواه كانا على استقامة دونما تقوى مميَّزة. شرع يتحسّس مواطن الحياة الجديدة، في الكنيسة، في دير الحرف، أوّلًا. شخص الأب الياس كان أكثر مَن أثّر فيه. القدوة أضحت لديه محوريّة، بعدما عرف رموزًا كنسيّة باهتة ومنحرفة لا قوّة جذب فيها. مخافة الله، في كلّ حال، كانت فيه أبدًا!. ثمّ درس اللّاهوت في المعهد الرّوسيّ، في بلاد العمّ سام. الجمع بين التّقوى والفقر والفكر والبذل، في أوساط المهاجرين الرّوس، كان السّمة الّتي خلّفتها، بخاصّة، فترة الدّراسة في روحه، على حساسية متنامية في حرّيّة الضّمير. لم يكن يشعر بالانتماء إلى أحد، كأنّه من حزبه، إلّا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا!. لذلك، كثيرًا ما كنتَ تجده على فرادة ظاهرُها اعتدادُه بنفسه، وباطنها تمسّكه بتفاصيل تمتّ إلى هاجس الاستقامة الدّاخليّة!. ترويضه على غير قناعاته العميقة كان متعذّرًا!. لذلك كانت المؤسّسة الكنسيّة في عينيه موضع ريبة لأنّها ملتقى غير مستقرّ للأمانة للرّبّ يسوع مع أهواء النّاس!. جذبته الرّعاية، بدءًا، غيرةً على شعب الله، لكنّه ما لبث أن خاب ظنّه إذ اكتشف، في الأطر الرّعائيّة الموفورة، والمصابة، في نظره، بالتّكلّس، طبقات كثيفة من الاهتمامات المتصلّبة غير الكنسيّة، في مستوى العائليّات والاجتماعيّات والطّموحات الخاصّة والوصوليّة والمنافع، تستنفد أكثر الجهد الرّعائيّ، ولا علاقة عميقة لها لا بالإيمان ولا بالحياة الرّوحيّة!. كأنّك مغلوب على أمرك وملزم بمسارات هامشيّة لا تمتُ إلى الإيمان الحيّ الفاعل بالمحبّة بصلة!. الطّقوس، في هذا الصّدد، غلّابة، والهمّ الدّهريّ يطيح هاجس المحبّة، وما للطّائفة يقوى على ما للكنيسة بالرّوح والحقّ!. لذلك، ولو لم تستهوه الرّهبانيّة، أولًا، إلّا أنّه مال إليها بتلقائيّة، نتيجة شعوره بالخيبة من جرّاء الخواء الكيانيّ الّذي اعتراه في أكثر الخدمة الرّعائيّة!. ويشاء التّدبير الإلهيّ أن يلتقي، بمعيّة الأمّ مريم، الأرشمندريت صوفروني في أسّكس، حيث كان تحوّلٌ في المسير لديه غير متوقَّع ونهائيًّا...

   واستقرّ أخيرًا في الرّهبانيّة، ونِعمَ المستقَرّ، ولو بقي بدويّ  الطّبع، مائلًا إلى الانكفاء!. وبمرور الوقت بدا له أنّ الرّهبانيّة وحدها تُشْبِع لأنّها تيسِّر لك الانقطاع عمّا لا ينفع، وتشدّك إلى مَن الحاجة إليه وحده!. في خلوته، كثيرًا ما تمنّى لو عرفها منذ وقت مبكّر!. أرادوه، في وقت من الأوقات، أسقفًا، لكن اعتباراته كانت غير اعتباراتهم، فتمنّع وخيّب ظنّهم، عن غير قصد!. صعوبته الأولى كانت أنّ الكنيسة لديهم مؤسّسة وسلطة، ولديه خروج من العالم في العالم، التماسَ وجه الّذي أُعطي لنا أن نعاينه وجهًا لوجه!. هذا يقول به الجميع، لكنّك لا تراه إلّا في قلّة عزيزة!.

   لا أهمّ، عند صاحبي، من طفولة القلب!. لكن هذه لا تأتي إلّا من التّنقية، والتّنقية بحاجة إلى معرفة الذّات!. ومعرفة الذّات تستدعي النّعمة والعين الدّاخليّة!...  وقت طويل من عمره ضاع!. وما بقي، وربّك به أدرى، لا يحتمل الضّياع!. الوقت ثمين: إمّا توظّفه في الارتشاف من الإسم الحسن، وإمّا تُلقيه لما لا ينفع وتنشلح كأنّك لم تولد!. الأيّام شرّيرة، أمَا علينا أن نفتدي الوقت؟!...

   واستسمَحَ صاحبي عن قصور ومراهقات ثم قام إلى أيقوناته على قرع النّاقوس وحركة القلب!... "إلى مَن نذهب يا سيّد؟. كلام الحياة الأبديّة عندك!"...

    "اذهب فالعالم رعيّتك" (المطران جورج خضر، 1977)!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

23 نيسان 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share