إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
نقاط على الحروف
الصّعود
عيد الأعياد وموسم المواسم!.

عظة للأرشمندريت توما (بيطار)
الصّعود ٢٥ أيّار ٢٠١٧

   الّذي صعد إلى السّماء هو عينه الّذين نزل من السّماء، ابن الإنسان الّذي هو في السّماء. نزل إلهًا، وصعد إلهًا متجسِّدًا. وبصعوده، استقرّت طبيعتنا البشريّة فيه، بالنّعمة، عن يمين الله الآب. ابن الله اتّخذنا مرّةً وإلى الأبد. وبعدما تجسّد، صار غيرَ ما كان عليه، ولكن، من دون تحوّل أو تشويش، بل إلى جانب كونه إلهًا بالكامل، صار إنسانًا بالكامل، وصار إنسانًا إلى الأبد!.

    الصّعود الإلهيّ في الجسد له غايتان أساسيّتان: الأولى أن يرفع ابنُ الله المتجسِّد، في شخصه، في ذاته، الإنسانَ إلى مستوى الألوهة بالنّعمة. والثّانية أن يجعل ما حقّقه هو، في شخصه، ممكنًا لكلّ البشريّة. لذلك، صعد الرّبّ يسوع المسيح، ليرسل إلينا، من عند الآب السّماويّ، الرّوحَ الكلّيّ قدسه، ليقيم في كلّ الّذين يؤمنون بالرّبّ يسوع المسيح. ومتى أقام روح الرّبّ في المؤمنين، جعلهم آلهةً على الأرض، وبشرًا في السّموات. لذلك، ليس فصلٌ بين إرسالِ روح الرّبّ القدّوس إلى الأرض، في العنصرة، وهذا القصد الأساسيّ الّذي حقّقه الرّبّ يسوع، اليوم: صعوده في الجسد إلى السّماء!.

    الصّعود الإلهيّ هو، في الحقيقة، ما نزل الأقنوم الثّاني من الثّالوث القدّوس من أجله إلى الأرض. هذا مرتبط، ارتباطًا جوهريًّا، محوريًّا، بقصد الله ومحبّته. محبّة الله هي الّتي أبدعت الإنسان، هي الّتي أبدعت الخليقة. الكلّ يأتي من محبّته!. ومحبّة الله ما كان يمكنها أن تترك الإنسانَ يتمرّغ في الخطيئة والألم والموت إلى الأبد. السّقوط، بمحبّة الله، كان مرحلة للخلاص!. لو كنّا لنقف عند حدود الخطيئة والألم والموت، لكانت الخليقة بلا معنى، ولانتفت محبّة الله!. ليس الوجود غاشمًا!. لذا، محبّة الله هي الّتي أمسكت بزمام الخليقة، من البداية إلى النّهاية!. الرّبّ الإله جعل كلّ شيء، في الخليقة، الّتي خلقها، من أجل الفرح والحياة الأبديّة. الرّبّ يسوع كان، رمزًا لمجمل قصده، بين الحين والآخر، يلفت تلاميذه إلى أنّهم سوف يحزنون. لكنّه كان يقول لهم إنّهم سوف يرونه من جديد، فتفرح قلوبهم. الحزن، طالما هناك حرّيّة، لا بدّ منه!. لكنّ الحزن الّذي ارتضاه الرّبّ الإله، بمحبّته، للإنسان، ملأه من فرحه، ملأه من حضوره!. لذلك، الرّبّ الإله، بتجسّده، ومن ثمّ بموته وقيامته وصعوده وإرساله روحَ الرّبّ القدّوس، لم يشأ أن يلغي آلام البشريّة، ليحفظها في الاتّضاع، مقدّمةً لتأهيلها لاقتبال محبّته؛ ولا شاء أن يعطي، بشأنها، تفسيرًا، كعالم من علماء هذا الدّهر؛ بل شاء أن يقيم فيها؛ أن يقيم في آلامنا، في آلام كلّ منّا، شخصيًّا، بروحه القدّوس؛ أن يقيم في ضيقاتنا؛ وأن يقيم، أخيرًا، في موتنا بروح الحياة الّذي فيه!. لذلك، استحالت آلامنا أفراحًا؛ ومرنّم المزامير يقول، بوضوح: "لقد ذهبوا وهم يبكون، إذ كانوا يلقون بذارهم. لكنّهم سيرجعون فرحين، حاملين أغمارهم". هذا، أيضًا، من تدبير الله الخلاصيّ، من البداية إلى النّهاية!. والرّبّ الإله لا يشاء أن يعطي تفسيرًا عقليًّا لمعاناة البشريّة. كلّ تفسير بشريّ لمعاناة البشريّة لغو!. الرّبّ الإله واجه الألم، لأجل المفارقة، بالصّليب!. ارتضى، قبل أن يرتفع إلى السّماء، أن يرتفع على الصّليب!. هذا هو!. هذه محبّته!. هذه شرعة المحبّة بإزاء سقوط الإنسان!. ارتضى أن يلقي بنفسه بين يدي الله الآب!. هكذا واجه الرّبّ يسوع آلام البشريّة في جسده. صمت، فكريًّا، عن كلّ تفسير يمكن أن يتوقّعه النّاس. لذا، كان التّفسير الّذي ارتضاه الرّبّ يسوع لآلام البشريّة هو الصّليب!. بدل أن يزيل الآلام، قدّم إلينا صليبًا سموًّا!. كيف ذلك؟. الصّليب، في خضمّ آلام البشريّة، هو التّعبير الأكمل، ولا تعبير سواه، عن محبّة الله!. لذلك، الصّليب، بالنّسبة إلينا، هو الموضع الّذي تجلّت فيه محبّة الله بامتياز!. ومحبّته تجلّت بهذا التّسليم الكامل، الّذي عبّر عنه بالقول، وهو على الصّليب، للآب السّماويّ: "في يديك أستودع روحي"!. المحبّة معلّمة استيداع النّفس بين يدي الله!. هذا، ولو كان له وجه بشريّ مؤلم، فإنّه ممتلئ، في الرّوح، بِشْرًا!. الجديد، الّذي دخل إلى العالم، الّذي دخل إلى حياة البشريّة، الّذي دخل إلى حياة الإنسان، هو أنّ الرّبّ الإله بثّنا فرحه بالصّليب. من قِبَل الرّبّ كان هذا، وهو عجيب في أعيننا!. لذلك، اقترن الصّليب بروح التّضحية والبذل!. ليس حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه!. الأمّ تضحّي. الصّديق يضحّي. من يحبّ، يضحّي!. في عالم الألم، التّعبير عن المحبّة لا يأتي إلاّ تضحيةً وبذلاً!. هذا، بالذّات، ما فعله الرّبّ يسوع باقتباله الصّليب!. كان بإمكانه أن يطلب من الآب السّماويّ اثني عشر فيلقًا من الجند السّماويّ، تعبيرًا عن طوعيّة ألمه وموته، لكنّه لم يفعل. اختار الألم والموت طوعًا!. أفرغ نفسه، وأخذ صورة عبد، وكأنّه ليس بإله!. وارتضى، في لحظة، أن ينقطع حتّى عن الآب انقطاعًا كلّيًّا!. لهذا، صرخ، وهو على الصّليب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟".

    إذًا، يا إخوة، ثمرة الصّليب هي الصّعود الإلهيّ، الّذي رفعنا من الأرض إلى السّماء، من الموت إلى الحياة الأبديّة، من الحزن إلى الفرح الّذي لا يخبو؛ فلا غرو إن صرخ الرّسول المصطفى بولس: "بالصّليب أتى الفرح إلى كلّ العالم"!. العيد، في الحقيقة، هو الصّعود! الصّعود على الصّليب، ومن ثمّ إلى السّماء، بالجسد!. هذا هو عيد الأعياد وموسم المواسم!. قيامةٌ من دون صعود لا قيمة لها!. وصعود من دون موت وقيامة ما كان ممكنًا!. وأيضًا، ليس الصّعود لابن الله المتجسّد وحده، وإلاّ لا معنى له!. ليس ابن الله بحاجة إلى صعود لأنّه فوق!. الصّعود هو لابن الله المتجسّد، ممدودًا، بروح الرّبّ القدّوس، إلى البشريّة جمعاء، إلى كلّ الّذين يؤمنون!. "كلّ الّذين آمنوا به أعطاهم أن يصيروا أولادًا لله". فالمجد لله على تدبيره العظيم!.

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

28 أيار 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share