<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
نقاط على الحروف
اهربوا من الزّنى!

     الفضائل مترابطة، فيما بينها، والرّذائل أيضًا. حيث يكون كنز الإنسان هناك يكون قلبه (متّى 6: 21). إذا كان القلب، بالكامل، ولو إلى فضيلة واحدة، فلا يمكنه، شيئًا فشيئًا، إلاّ أن يعمل، بجدّ، على اقتناء سائر الفضائل، لأنّ في ذلك حفظًا للواحدة العزيزة عليه. والشّيءُ نفسه يحدث متى تعلَّق قلب الإنسان برذيلة، ولو واحدة. الفضيلة تجرّ إليها الفضائل والرّذيلة الرّذائل. هذا لا يعني، بالضّرورة، أنّ الإنسان، بتمسّكه بفضيلة واحدة، يملك كلّ الفضائل – طبعًا الكمال مطلوب وممكن بنعمة الله – بل يعني أنّ الإنسان تنزع نفسُه، إذ ذاك، إلى حياة الفضيلة، بعامّة، وبصورة جدّيّة؛ وبالمقابل، تنزع نفسُه عن حياة الرّذيلة. حياة الفضيلة مَسرًى، وكذلك حياة الرّذيلة. هذا يتضمّن أنّ السّالك في حياة الفضيلة مُعرَّض للسّقوط في الخطايا، هنا وثمّة؛ وكذا السّالك في حياة الرّذيلة قابلٌ لصنع الصّالحات. طبعًا، هناك حالات قصوى في اتّجاه حياة الفضيلة بلا خطايا، أو في اتّجاه حياة الرّذيلة بلا صالحات؛ غير أنّ أكثر النّاس ليسوا كذلك. الخطيئة الّتي يسقط فيها المرء، إذ ذاك، لا تكون رذيلة، ولا الصّالحة الّتي يأتيها فضيلة. في مجال حياة الفضيلة، الخطيئة نقيصة، غير مبرَّرة، لكنّها أدنى إلى الضّعف، ولا تنمّ، في أصلها، عن فساد في الطّويّة. تلك، أي الخطيئة، والحال هذه، تُعالَج بالتّوبة ويُشفى صاحبُها بالاعتراف. أمّا الصّالحة، في مجال حياة الرّذيلة، فإنّها، ولو كانت إشراقًا، لا تتعدّى كونها فرصةً لهداية حقيقيّة عميقة. تلك، أي الصّالحة، والحال هذه، تُدعَّم بتوبة صدوق، أو تعودُ النّفس، بعدها، إلى قيئها. وقد لا تتكرّر الصّالحة، في المستقبل، بالضّرورة، لأنّ الاعتياد على حياة الرّذيلة يطيح، شيئًا فشيئًا، كلَّ مَيل، في النّفس، إلى الصّلاح.

     في هذا الإطار، ليس إنسان مؤمنًا بالرّبّ يسوع المسيح ما لم يكن متمسِّكًا ولو بفضيلة واحدة تمسّكًا كاملاً. في هذه الفضيلة بالذّات تتجلّى محبّته لله، ويتفعّل إيمانه به، من حيث إنّ الإيمان فاعل بالمحبّة أو لا يكون؛ بكلام آخر، من حيث إنّ الإيمان بدون أعمال ميت، كما جاء في رسالة القدّيس يعقوب (2: 7).

     لا شكّ أنّ القطيع الصّغير لمسيح الرّبّ مستمرّ، على نحو خفيّ، في العالم، اليوم. عاشقو الفضيلة، ولو واحدة، حاضرون أمام الرّبّ، وهو وحده العارف بهم. دليلنا على حضورهم أنّ العالم لا زال مستمرًّا! هؤلاء ملح الأرض وإلاّ تَفسد بالكامل وتحلّ الدّينونة الأخيرة. ولكنْ، لنكن صريحين، هؤلاء قلّة عزيزة. الإيمان قلّ كثيرًا. كيف نعرف ذلك؟ من كون المحبّة، في العالم، قد انضربت إلى حدّ بعيد! الإيمان النّفسانيّ المشاعريّ، أو العقلانيّ، تلقاه بوضوح بين العديدين، هنا وثمّة. ولكنْ، الإيمانُ الفاعل بالمحبّة، هذا بات، اليوم، عملة نادرة! قلّة قليلة تُثمر، اليوم، بالرّوح، فرحًا وسلامًا وطول أناة ولطفًا وصلاحًا ووداعة وتعفّفًا (غلاطية 5: 22). أبإمكاننا أن نجزم في هذا الأمر؟ أجل! كيف؟ لا على صعيد الأفراد، طبعًا، إلاّ بنعمة من فوق، ولكنْ، بكلّ تأكيد، على صعيد الجماعة! عالمنا، اليوم، نَقُصَت محبّتُه كثيرًا، ومن ثمّ الإيمانُ فيه، لأنّه مصاب بالعقم! أيمكن العقيم، في ذاته، أن ينجب؟! هكذا عالمنا، عقيم في محبّته، وعقيم في إيمانه بالله لأنّ هناك رذيلة واحدة ملكت قلبه واستأسرته بقوّة وعنف لم يسبق لهما مثيل في التّاريخ، حتّى جعلته غير قادر، إلى حدّ بعيد، لا على أن يؤمن بالرّبّ يسوع، ولا على أن يحبّ في المسيح. عمّا أتكلَّم؟ أتكلّم على عشق الأجساد: الزّنى والعهارة والنّجاسة والدّعارة (غلاطية 5: 19)! أتكلّم على روح الزّنى المتفشّي، في العالم، كوباء الطّاعون! طبعًا، حبّ المال رهيب! وثمّة رذائل عديدة مستشرية رهيبة. ولكنْ، الأرهب والأخطر بينها هو الزّنى! الرّسول بولس يعتبر، في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، أنّ كلّ خطيئة، كائنة ما كانت، أقلّ من الزّنى لأنّها خارجة عن الجسد، أمّا الّذي يزني فـ"يخطئ إلى جسده" (1 كورنثوس 6: 18)! وأن يخطئ المرء إلى جسده أقسى الخطايا لأنّ الجسد هو "هيكل للرّوح القدس الّذي فيكم، الّذي لكم من الله"! هذا معناه، استطرادًا، أنّ الزّنى يطيح إمكان صيرورة الإنسان هيكلاً للرّوح القدس! بكلام آخر، بالزّنى، وباستئثاره بقلب الإنسان، لا يعود بإمكان الإنسان لا أن يكون مؤمنًا بالرّوح والحقّ، ولا أن يحبّ بالنّعمة والعمل. الزّنى يضرب القلب بالعقم كما تضرب الرّياح الشّرقيّة المزروعات باليباس! إنسان بقلب لا يحبّ، ماذا ينفع؟! "إن كنت أتكلَّم بألسنة النّاس والملائكة ولكن ليس لي محبّة فقد صرت نحاسًا يطنّ أو صنجًا يرنّ" (1 كورنثوس 13: 1)!

     ما يضخّه المضلِّل، اليوم، في العالم، من مثيرات لإيقاد روح الزّنى في نفوس النّاس هائل، حتّى ليندر أن تجد قومًا لا تطالهم! ينوء العالم، اليوم، تحت وطأة روح الزّنى، على نحو مأسويّ! الإعلام ووسائل الاتّصال، في هذا المجال، عمّم وسهّل وتفنّن في نشر وتطبيع الزّنى في كلّ الأرض! وعِلم النّفس، بعامّة، فصل ما بين الزّنى والخطيئة. هذا جعل الزّنى، في الأذهان، أدنى إلى الممارسة الطّبيعيّة، وتاليًا، إلى الفضيلة الاجتماعيّة! الحاجة إلى الزّواج أخذت تنتفي. صار شكل الزّواج ومضمون الزّواج، إلى حدّ بعيد، زنائيًّا، استهلاكيًّا! الحبُّ يُغيَّب. الزّنى، في الأفهام، صار هو الحبّ. لم تعد هناك حاجة للإنجاب! الأولاد قلّوا. صاروا ثقلاً! التّربية البيتيّة تَفسد! الطّلاق صار سهلاً وزاد كثيرًا! الخيانات الزّوجيّة تستحيل حاجات طبيعيّة! خطّ السّير، خارج حدود المؤمنين الغيارى، صار نحو استبدال الزّواج بالمساكنة! صارت النّفوس، من اعتيادها الزّنى، أضعف على البذل والتّضحية والحبّ! وحدة العائلة أصبحت تنفكّ بسهولة! الفسق، بكلّ مظاهره، بات هو القاعدة في العلاقات بين الشّبّان والفتيات! الشّذوذ، على أنواعه، يتفشّى! صار أمرًا عاديًّا! لا فقط أضحى مقبولاً، على نحو متزايد، بل مبرَّرًا ومطبّعًا ومشرَّعًا، هنا وثمّة، أيضًا. "هذا تكوينه" يقولون!

     وليس هذا حال العالم الّذي نحن فيه وحسب، حتّى العديد ممّن يُسمّون على الإيمان بالرّبّ يسوع، انحطّوا إلى هذا الدّرَك! الخيانات الزّوجيّة شاعت! الشّذوذ كأنّه أمر عاديّ! القوانين الكنسيّة، في هذا الشّأن وذاك، تتعطّل، إلى حدّ بعيد! روح العالم وروح الزّنى يجتاحان أبناء الإيمان! الحياة الكنسيّة تستحيل، في الكثير من الأحيان، أشكالاً خارجيّة، كلامًا أجوف، طقوسًا، عمارات، مشروعات دهريّة... العفّة، الّتي هي في فَهْم آباء الكنيسة، أمّ كلّ الفضائل، لم تعد إلاّ قلّة تفهم معناها وقيمتها، ولم تعد إلاّ الأقل الأقل من القلّة تقبلها وتتبنّاها وتجاهد لتسلك فيها! العفّة صارت عنوان الرّجعيّة والتّخلّف واللاواقعيّة والنّفس المعقّدة والمريضة، الّتي لا تعرف أن تتكيّف والواقع! صارت موضع تهكّم! صارت معتبرة مرفوضة، مؤذية ومضرّة!

     وبالنّتيجة، يصير الإيمان نظريًّا، والمحبّة الإلهيّة غير عمليّة في حياة الإنسان، كما يتصوَّر نفسه، اليوم! حياة الفضيلة تصير، للعديدين، مستحيلة المنال! العبادة تفرغ من مضمونها. تستحيل طقوسًا تُتعاطى وثنيًّا! الحياة الرّوحيّة، في المقاربة الكنسيّة، تسقط وتمسي بلا معنى! الحياة الرّهبانيّة، في الوجدان المعاصر، يُنظَر إليها باعتبارها نصيب التّقويّين والأصوليّين والمناهضين للعِلم والحداثة والفاشلين والأنانيّين والمعقَّدين!

     روح الزّنى يوهن النّفوس، فلا تستطيع، من بعد، وحتّى لا تشاء، أن تبذل جهدًا، ولو قليلاً، لتسلك ولو في وصيّة واحدة! الوصيّة تمسي ثقيلة! الله يصير مستحيلاً!

     الإحساس يموت! الإيمان يفنى! المحبّة تغور! مَن تَمسّك، ولو بأبسط الوصايا، اليوم، كان شهيدًا!

     لذلك "اهربوا من الزّنى!" (1 كورنثوس 6: 18). فإنّه، إن كانت العفّة بذرة الحياة، فالزّنى بذرة الموت. وإن كانت العفّة أساس كلّ الفضائل، فالزّنى أساس كلّ الرّذائل!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

11 تشرين الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share