عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
الوحش والحمل
وما بينهما!.
( ٣ )

❖ علينا أن ندرك أنّ هذه الأيّام ليست كسابقاتها في التّاريخ. الحديث عن أواخر الدّهور والأيّام الأخيرة كان يبدو عامًّا كما ليشير إلى دوائر زمنيّة، تصل إحداها إلى نهايتها لتنفتح، من ثمّ، دائرة تليها، ولا يدلّ، بالأحرى، على أيّام شبه محدّدة خرنولوجيًّا. طبعًا، تلك السّاعة ليس أحد يعرفها بتدقيق، كما أبان السّيّد (متّى 24: 35). فقط، الآب السّماويّ يدري بها. لكن القول، في هذا السّياق، أيضًا، هو: "من شجرة التّين تعلّموا المثل. متى صار غصنها رخصًا وأخرجت أوراقها تعلمون أنّ الصّيف قريب" (32). كثرة من القدّيسين والآباء، من القرن التّاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين يتكلّمون على الموضوع أعلاه بطريقة جليّة ولهجة قاطعة. في الأسبوع الفائت، على موقعنا الألكترونيّ، أوردنا رسالة بعث بها الأب الشّيخ فيلوثاوس زرفاكوس إلى ضابط في الجيش اليونانيّ، منذ ستّين عامًا ويزيد، أقلّ ما يُقال فيها إنّها تعبّر بوضوح عن حال الكنيسة في أيّامه، صعودًا إلى أيّامنا، مشبِّهًا إيّاها بكأس طفحت وفاضت. دونك بعض ما جاء فيها.

    ١ .  "إنّ انعدام التّقوى والفساد وعدم الحسّ، السّائدة بين الإكليروس والعامّة... قد بلغ مبلغًا عظيمًا، وهو في ازدياد مضطّرد... بلوغًا إلى الذّروة".

    ٢ .  ما يحدّ من سخط الله العادل هو رأفته وشفاعة والدة الإله والقدّيسين والفضيلة اليسيرة لبعض البشر وتضرّعهم لأجل العالم وغياب الشّرّ عند قلّة من الأطفال والأولاد.

    ٣ .  قصدُ الله، من طول الأناة، أن نعي إلى أيّ حدّ هو قاسٍ الوقوع في الخطيئة واللّاتوبة، علّنا بالمخافة، من نتائج ما يحدث، نتوقّف عن الخطيئة وإغضاب الله!.

    ٤ .  ولكن، للأسف، الكأس طفحت وتفيض. ثمّ لا شيء عاد يخيفنا أو يُخجلنا!. لم يعد الإنسان يقف عند حدّ جهل ما لله. بات يجدِّف عليه أيضًا!. لا فقط لا يرعوي إذا سقط وتألّم. يهرول إلى ما سبق أن سقط فيه، بشغف!.

    ٥ .  حتّى، إن كان له أب أو أمّ، أو أب روحيّ، أو معلّم أو كاهن، أو مرشد روحيّ ينصحه، فإنّه يتابع سيره في معارج السّيرة الآثمة غير آبه. معظم النّاس، لا فقط لا يريدون أن يسمعوا، بل يجنّون ويسخطون ويعنفون!. تُعميهم كبرياؤهم، فلا يقبلون لا النّصح ولا الإصلاح ولا التّوبة!.

    ٦ .  رغم ذلك، لا يَلزمنّ المعلّم والكاهن والأب الرّوحيّ الصّمت!. عليه أن يستحدث العلاجات والطّرق المناسبة لإصلاح البشر سائلًا، بالصّلاة الحارّة، حكمةَ الله وعونَه. الحاجة ماسّة إلى التّمييز. القسوة لا تنفع. الطّرق الطّيِّبة، بعامّة، وكذلك الصّالحة والمتواضعة والوديعة، وحدها تنفع دائمًا.

    ٧ .  على أنّ السّماويّات لا يجوز أن تُعطى للمتهكّمين والعدوانيّين وغير الأتقياء وغير المحتشمين والقساة. ويجب الإعراض عن الهراطقة.

    كأنّي بكلّ هذا الّذي قيل نسخة آنيّة صارخة ممّا قاله الرّسول بولس لتلميذه تيموثاوس: "في الأيّام الأخيرة تأتي أزمنة صعبة. يكون النّاس محبّين لأنفسهم... مستكبرين مجدِّفين... بلا حنو ولا رضا... شرسين... محبِّين للّذّات... لهم صورة التّقوى لكنّهم منكرون قوّتها... أناس فاسدة أذهانهم... يتقدّمون إلى أردأ..." (2 تيموثاوس 3)!.

   

❖   نحن سائرون، بخطى حثيثة، نحو عمق صدوم عالميّة وحضارة استكبار أهل برج بابل والعودة، في فكر القلب، بعبادة العجل الذّهبيّ، إلى مصر!. طلائع الإرتداد الكبير جليّة، والآتي أعظم!. الشّرّير ينفث ناره وكبريته، بكلّ إصرار واحتيال وخباثة، بين النّاس!. ليس المبتغى، بعد، إيقاع السّواد الأعظم في الخديعة!. هؤلاء باتوا يتبنّون الشّرود بسرور، عن طيب خاطر، من حيث هو نمط الحياة الأمثل المأمول!. ما عادوا بحاجة لمَن يضلّلهم!. الضّلال تبنّوه باعتباره الحقّ!. باتوا يشتهون تلقاءً ما كانوا يُغوَون به، قبلًا!. الجنون، عندهم، أي التّملّؤ من روح الجنّ/الشّيطان، صار عين العقل، والعقلاء يُصنَّفون كأصوليّين رجعيّين متخلِّفين!. المستهدَفون هم بالأحرى المختارون!. والمختارون هم الّذين اختارهم الله واختاروه. هؤلاء، ولو كانت نعمة ربِّهم عليهم، فإنّهم مستمرّون، حتّى النَّفَس الأخير، عرضة للسّقوط!. من جهة أخرى، مَن باعوا أنفسهم للأثيم، تبقى فرصة التّوبة سانحة لهم ما دام نبض الحياة ينقر في صدورهم على الأرض!.

    أمّا المختارون، فنعمة الله لا تثبت فيهم طالما لم يبلغوا الإفراغ الكامل للذّات. هذا أساسه الزّهد. لكن الزّهد لا يكون كيانيًّا، بل وضعيًّا، مجرَّبًا بالرّدّة، ما لم تكن العين إلى ما هناك. ليس هو ههنا، قد قام!. ثمّ في الزّهد وعي عميق آكل أن كلّ ما تحت الشّمس "باطل وقبض ريح"، على قولة الجامعة (1: 14). ما تحت اللّسان مذاق تراب ومَنُّ النّعمة يغذّي الكبد!. الزّهد انصراف وجوديّ إراديّ عمّا هو ههنا إلى ما هو هناك!. نفرح بما بين أيدينا وملء عيوننا لا لأنّه مليح ويُشبع بل لأنّ جمال الله يتجلّى فيه ومَنّ الله يُلقى لنا من خلاله. الفرح من البركة لا من القنية والمساهمة!. لا زهدٌ كائنًا إلّا في اعتبار كلّ ما على الأرض رمزًا لحضور الله فيما بيننا!. والرّمز هيكل يقيم فيه الله غير المنظور في منظوراتنا!. الخليقة، يا عبد، لغة يخاطب بها ربّك مَن أبدعهم، لأنّه محبّة!. والمحبّة تستدعي الخطاب. التّواصل صلاة. لذا كانت الصّلاة هي اللّغة. لا زهدٌ حقيقيًّا بالانقطاع وحسب عن الخليقة، حتّى لو كان كاملًا. إذًا لكان الشّيطان أكبر زاهد!. الزّهد الحقّ هو في تخطّي المرء الخليقةَ، في ذاتها، للدّخول في وصال مع الله فيها!. عندما ترى وجه ربّك في خليقته وتلتمسه، بالكلّيّة، في كلّ صغيرة وكبيرة، ولا شيء إلّاه، تكون قد دخلت في عمق الزّهد!. أن تفرغ من التّوق إلى المخلوقات في ذاتها لتتملّأ من الشّوق إلى ربّك فيها، هذا هو الزّهد الحقّ!. الزّهد، عمليًّا، تخلّ عن الأرضيّات طلبًا للسّماويّات على الأرض وما هو أبعد من الأرض!.

   

❖ ثمّ من الزّهدِ يأتي الفقرُ. أن تلتزم الفقرَ المادّيّ، هذه خطوة أولى باتّجاه الفقر الحقيقيّ. هذا لا بدّ منه لأنّنا جسد أيضًا. لكن المبتغى هو الفقر الرّوحيّ. "طوبى للمساكين بالرّوح لأنّ لهم ملكوت السّموات". الوجه الآخر من الفقر البشريّ هو الفقر الإلهيّ. الإنسانُ معطًى أن يتعاطى الأمرَين. الفقر البشريّ تعبير عن قناعة الإنسان العميقة أنّه لا غنى نستمدده من الخليقة. هذا وهمٌ وتاليًا استغناء عن الغنى الحقّ، وتاليًا تجديف على الله، الّذي هو الغنى الحقّ!. الفقر الإلهيّ هو الفقر البشريّ ممتلئًا من الغنى الإلهيّ!. الغنى الإلهيّ، بعد السّقوط، لم يعد يأتينا إلّا في الفقر البشريّ الإراديّ!. لا فقر بل افتقارٌ لأجل غنى الملكوت منذ الآن، وإلّا لا قيمة لفقر!.

    الفقر، إذ ذاك، يأتينا بالعفّة. الفقر يحرّرك من اقتناء ما يحرمك من الملكوت، والعفّة تعفيك ممّا يسيء إلى محبّتك لله من كلّ القلب والنّفس والفكر والقدرة. على هذا يثمر الفقرُ غنى والعفّةُ محبّة. ثمّ العفّة تلد تواضعًا. ذُرى العفّة أن يعفّ الإنسان عن عشق ذاته، أن يموت عن نفسه، عن كبريائه!. هذا يملأ الكيان صحوًا ووعيًا أنّه تراب ورماد وضياء معًا!. يعرف ذاته، في العمق، على حقيقتها، وتاليًا الله!. الاتّضاع يجتذب كِبَر الله، ويجعل القلب مسكنًا للعليّ!. يعطينا أن نصير فيه وهو فينا!.

    على أنّ المسير من الزّهد إلى الفقر إلى العفّة إلى الاتّضاع ليس آليًّا!. أعطِ دمًا وخذ روحًا!. الفيروسات الدّاخليّة تتهدّدنا!. الضّجر والغرور والفرّيسيّة والظّواهريّة وقلّة الصّبر... هذه وسواها، نحن عرضة لها بتواتر. كلّما نما المرء في النّعمة والقامة، كلّما صارت حيل العدو عليه أدقّ وأرهف وأحيَل!. ربّك يعينك، ولكن عليك أنت، أيضًا، أن تسهر على نفسك. النّعمة تعزّي وتنبّه، لكنّها تحتجب أيضًا، لتُفسح، للمؤمن، في المجال، أن يجاهد ويصمد ويثبت وينتظر خلاص إلهه!. فسحة التّعزية لا تدوم. تُعِدّ للجهاد الآتي. وفسحة الجهاد تليها تعزية مؤاتية!. هذه وتيرة التّعزية والجهاد حتّى الموت!. لا يحمّلك ربّك ما فوق طاقتك، ولكن، إذا استبان ثمّة غرور لديك أو ترفّعتَ وأدنت، فإنّ نفسك تُعتم، ويسمح ربُّك للتّجربة بأن تثقل عليك!. تنبِّهك نعمته، فإذا لم تتنبّه فإنّها تنسحب منك لتُذلّك، علّك بالسّقوط تستفيق!. ليست نعمته تحصيل حاصل. ولا تعتبرنّ ذاتك في مأمن، متى نعمت بالبركة، بل أعدّ نفسك للسّهر بالأكثر، لأنّ نعمة الله تغيظ الشّيطان فيزداد سخطُه ويشتدّ كيده عليك!. الشّرّير لا ينام فليس لك أن تنام!. ليكن لسان حالك القول: "أنام وقلبي مستيقظ"!.

   

❖ أمّا القابعون في الظّلمة وظلال الموت فالله يتولّاهم بحكمته وأنت بالصّلاة الدّاخليّة إليه من أجلهم!. لا تعرف داخلهم فلا تحكم عليهم!. القلب سرّ!. مَن يدري أيّة بذور ألقيت في قلب إنسان، في تاريخه؟. كلمة قد تؤثّر. التّفاتة. عمل رحمة. مطالعة إنسان مظلوم. رؤية إنسان يتألّم. عبور بميت. حلم. خاطر. ألم. ذكرى... الإنسان قلب. مَن يعرف كلّ ما يمكن أن يحرّك القلب؟. وحوش كثيرة مهيّأة لأن تصير حملانًا!. قتلةٌ لأن يصيروا شهداء (القدّيس موسى الأسود). زناة لأن يتحوّلوا إلى معلّمين للعفّة (القدّيسة مريم المصريّة). أغنياء، قساة القلب، إلى فقراء رحماء (القدّيس بطرس الرّحيم)... وأكثر ما يغيّر القلوب صلاة القلب من أجل مَن لا قلب لهم!. طلبة البار تقتدر كثيرًا في فعلها!. ليس كالمحبّة، خاصّة محبّة الأعداء، تغيّر الوحوش البشريّة!. هذا سرّ عظيم!. الله، القادر على كلّ شيء، يغيّر الوحوش ويُحَمْلِنُها، متى عاين إنسانًا يتضرّع إليه من أجلها ويبكيها!. كأنّي بالمتوحّشين مسؤولية الأبرار، أيضًا، في تدبير ربّك، في هذا الدّهر!. لمّا قال ربّك: كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم، أعطى الإنسان لا فقط وصيّة السّلوك في الرّحمة، بل قوّة الرّحمة أيضًا، أيّ سلطان البنوّة، بمعنى، على أحشاء الله!. إذا كان مسيح الرّبّ قد قال عن تلاميذه وعنّا: لأجلهم أقدّس ذاتي ليكونوا هم مقدَّسين في الحقّ، فقد أعطانا بموته أن تكون لنا حياته الّتي، بموتنا، على مثال السّيّد، من أجل المسيح في الإخوة، نبثّها في الّذين قتلتهم خطاياهم، حتّى باتوا، في السّيرة، على مثال الوحش!. الشّرّ الأكبر والوحشيّة الأقسى أن نلقي بالوحوش البشريّة الضّالّة المضلّلة من قلوبنا في الجحيم!. أريد رحمة لا ذبيحة!. ولكنْ، أين كلام الرّحمة من فِعلها؟!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

8 تشرين الأول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share