الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
نقاط على الحروف
بحثاً عن المحور!

      "مَن أحبّ أباً أو أمّاً أكثر منّي فلا يستحقّني. ومَن أحبّ ابناً او ابنة أكثر منّي فلا يستحقّني" (مت 10: 37).

       هذا كلام وجّهه الربّ يسوع المسيح، له المجد، لتلاميذه. المحبّة التي يطلبها الربّ يسوع، في الظاهر، أنانيّة بامتياز! كأنّي به، بشريّاً، في منتهى الغيرة! كأنّه، عمليّاً، يطلب أن يكون وحده المحبوب. أصحيح ذلك؟ لِمَ يقيم الربّ الإله مقارنة ويجعل قياساً (أكثر وأقلّ!) بين محبّتنا له ومحبّتنا لأعزّ مَن لنا في الجسد (الأب والأمّ والابن والابنة)؟! محبّتنا للأعزّة في الجسد تفرضها الطبيعة والوضع. لِمَ هذه بالذات يستهدفها يسوع؟ "جئت لأفرِّق الإنسان ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمّها والكنّة ضدّ حماتها..." (مت 10: 35). لِمَ "أعداء الإنسان أهل بيته"؟!

       أعداء الإنسان أهل بيته لأنّه، في أكثر العلاقات البشريّة قربًى وحميميّة، يطلب الإنسان نفسَه وما لنفسه. الواقع أنّه تحوّلَ، بعد السقوط، إلى كائن تملّكي. ما يطلبه، ما يريده، يطلبه ويريده لنفسه. لم يعد في طاقته أن يحبّ أحداً لذاته، أي لذات هذا الشخص. لم يعد قادراً أن يحِبّ. بقي يتحرّك، في الظاهر، بقوّة الانفعالات المعتمِلة في نفسه. بقيت العواطف والمشاعر والأحاسيس، وعلى أحدّ ما تكون، أحياناً، في نفسه، في هذا السياق. شيء واحد تغيّر، في العمق، أنّ هذه المعطيات كلّها تغيّر اتجاهها. صار الإنسان محبّاً لذاته في ذاته والآخرين ولم يعد محبّاً للآخرين لا في ذاته ولا فيهم. وبذا سقط الحبّ لديه. صار الإنسان عقيماً! لم يعد يعرف المحبّة، كما ينبغي أن تكون المحبّة، لأنّ المحبّة، بالكلام الذهبي للرسول بولس، "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5). المحبّة، في الواقع المعيش، باتت للإنسان أنانيّات مقنّعة. لذا، لا عَجَب إن ظنّ أحد أنّ يسوع أنانيّ في محبّته، وفي طلبه محبّة الذين يؤمنون به. كيف لا والأنانيّة هي ما نعرف في الحبّ ولو غلّفناها بالغيريّة. يسوع يكلّمنا من منطلق آخر. أوّلاً هو المحبّة ومعلّم المحبّة. ثانياً هو يحكم على المحبّة التي نعرف بأنّها لا تنفع. ثالثاً هو يشاؤنا أن نخرج من نطاق ما نحن أسرًى له. رابعاً هو يغيّر اتجاه المحبّة التي ينبغي لنا أن نتعاطاها. المطلوب أن يحبّ الإنسان ربّه أكثر من أعزّته في الجسد، لا لأنّ الأعزّة لا يستحقّون المحبّة وكاملة غير منقوصة بل لأنّ محبّة الأعزّة أكثر من الله لا تعدو كونها لوناً من ألوان محبّة الذات، وليست، في العمق، محبّة للأعزّة بالمرّة. المحبّة تمرّ بالله أوّلاً، ومنه، في حركة القلب، إلى الآخرين وإلاّ انتفت. والمحبّة، على هذا الصعيد الإلهي، لا تكون إلاّ كاملة. الوصيّة الأولى والعظمى، كيانياً، هي هذه: "أحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك". غير صحيح أنّ الإنسان يحبّ الإنسان أوّلاً، ومن محبّته له ينتقل إلى محبّة الله. كلاّ! الإنسان إذا تركّز اهتمامه في محبّة الإنسان أوّلاً انتهى إلى الانصراف الكامل عن الله وتالياً عن الناس لأنّ ما يدعوه محبّة من دون الله هو ضرب من عبادة الذات. محبّة الإنسان لله تأتي أوّلاً ليتعلّم الإنسان أن يحبّ سواه لذاته، أي لذات سواه. هذا هو السبيل إلى خروج الإنسان من نطاق الأنانية المتمظهرة بالحبّ في حياته إلى نطاق الحبّ الحقيقي. محبّة الله أوّلاً هي المدرسة التي يتعلّم فيها الإنسان الخروج من نطاق ذاتيّته. إذ ذاك فقط تستقيم قناته. لذا قال يسوع: "إن كان أحد يأتي إليّ ولا يبغض أباه وأمّه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتّى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً" (لو 14: 26).

       هنا، طبعاً، يُطرح السؤال: "ولكن كيف يقتني الإنسان محبّة الله؟" يقتني الإنسان محبّة الله بحفظ الوصيّة. "مَن يحبّني يسمع كلامي". هذا معناه أن نقدّم وصيّة الله على كلّ شيء آخر في حياتنا. لا ما أُريد أنا بل ما تريد أنت. لتكن مشيئتك لا مشيئتي. أُتمِّم وصيّته لا كما يحلو لي ولا وفق ما أعتبره ضمن طاقتي. أقول: ما دام الربّ الإله يوصيني بأمر من الأمور فهو الذي يعطيني القدرة على إتمام ما يوصيني به. ما كان الربّ الإله ليوصيني بشيء لو لم يشأ أن يعطيني القدرة على إتمامه. لا يعتمد الربّ الإله على طاقتي على حفظ وصاياه. يعتمد على رغبتي ومشيئتي وأمانتي. أمّا القدرة على إتمام الوصيّة فهو الذي يؤمّنها لي. لذلك لا أسمح لنفسي بالتوقّف عن إتمام الوصيّة إلاّ ببركة الكنيسة، وأقصد بذلك القوانين الكنسيّة والآباء الروحيّين. بغير ذلك أُقبل على حفظ الوصيّة مهما كانت الاعتبارات الشخصيّة أو الظروف المحيطة بي. مهما كنت تعباً لا أمتنع عن الصلاة مثلاً. أعتبرها فرضاً عليّ. مَن أراد أن يصلّي عندما يكون مرتاحاً ويُحجِم عن الصلاة عندما يكون تعباً فإنّه لا يصلّي أبداً. أصلّي وأنا مرتاح وأصلّي وأنا تَعِب. حتّى لو كانت الصلاة شكليّة ومن دون فهم ولا إحساس أُصلّي. الصلاة هي أن تريد أوّلاً. وكلّ شيء، بعد ذلك، يتبع. مطلوب منّي أن أتخطّى حالي مهما كان حالي. إثر ذلك تأتي الصلاة من فوق. تُعطَى كنعمة. وما يُقال في شأن الصلاة يُقال في شأن الصوم والسهر ومحبّة الفقير والعطاء وكلّ وصيّة من وصايا الله. كلّها أُقبِل عليها مهما كانت الموانع الطارئة في نفسي وجسدي. بغصب نفسي على الوصيّة، في كلّ حال، أَخرج من ذاتيّتي وأقوى على نفسي وأُتمِّم أمر الله. وأنا متى فعلت ذلك أجدني أنفتح، كيانيّاً، على الله وتنساب محبّته، بالنعمة، فيّ فأتغيّر. أصير مسكناً لله ولنعمة الله ولمحبّة الله. ومتى حلّت محبّة الله فيّ فإنّي، إذ ذاك، وإذ ذاك فقط، أذوق المحبّة الحقّ ويصير بإمكاني أن أُحبّ الناس، ولكن لا بمحبّة من عندي، لأنّه ليس فيّ غير عبادة الذات ومحبّة الذات، بل بالمحبّة التي أحبّني الله بها وأقامت فيّ.

       في هذا الإطار، يتساءل المرء في شأن ظاهرة اقتناء الكلاب والقطط واستبدال البشر بها وتفشّيها، ما الذي يجعل أعداداً متزايدة من الناس تُسقط مشاعرها الإنسانيّة على بعض أنواع الحيوانات الأليفة، وتعاملها كأنّها بشر. أهذا انحراف؟ بلا أدنى شكّ! ولكن ما أوصل بعض الناس إلى هذا الدَرَك من التعاطي هو انحراف عام في علاقتهم بعضهم بالبعض الآخر. في كلّ حال، ثمّة شذوذ يسطو على العلاقات الإنسانيّة من حيث إنّ كلّ واحد فيها يطلب ما لنفسه. الإنسان غارق في أنانيّاته وإعلائه لذاته. الحبّ مفتقد في كلّ حال. الفرق بين الذين يلازمون حدود التعامل مع الناس والذين يستعيضون عن عِشرة البشر، بصورة لافتة، بعِشرة الحيوانات، أنّ أولئك قادرون على التكيّف والناس وهؤلاء أعجز من أن يتكيّفوا وإيّاهم. نفوسهم حسّاسة أكثر أو يعانون العزلة أو نفوسهم كثيرة الجراح من تعاملهم والناس. لذا يُشبعون حاجتهم إلى العطف والمؤانسة باقتناء الحيوانات الأليفة لأنّها أقلّ أذى من الناس وتماشي أنانيّات أصحابها وانكفائهم على أنفسهم على نحو أفضل. الإنسان بحاجة إلى صحبة، إلى رفقة. وفي زمن الرداءة واستشراء الأنانيّات على نحو وحشي قاس، يؤثر قوم الحيوانات على الناس. يحتملون الناس تحمّلاً فيما يَلقون راحة وإلفة وحناناً في عِشرة القطط والكلاب.

       مآل الكلام، أنّ الإنسان من دون الله في مأساة. إنسانيّته تضيع. بحاجة إلى أن يحِبّ وإلى أن يُحَبّ ولا يجد إلى ذلك سبيلاً فيتعلّق بالناس أو الحيوانات أو المقتنيات كما ليجد لنفسه تعويضاً عمّا أضاعه ولا يجد. إمّا أن يعود الإنسان إلى ربّه ليرتشف من عِشرته وحفظ وصاياه المحبّة ويتعاطاها في عالمه، وإمّا أن يتقلّب في معاشرات خاوية لا تجدي نفعاً ولا تشبع جوعاً كيانيّاً، ويقيم في الانحراف مهما اصطنع من علاقات بما في عالمه!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

20 أيلول 2009
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share