صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
نقاط على الحروف
مأساة البشريّة
واحدة وحيدة!.

لدى الإنسان، يا إخوة، مأساة واحدة فقط، يعانيها كلّ عمره. ما من مأساة أخرى. وهذه مأساة كلّ إنسان، من دون استثناء: أن يكون الإنسان مشطورًا، أي مقطوعًا، عن الرّبّ الإله!. الأحد الماضي، ذكرنا مثل "الابن الشّاطر"، الّذي نسمّيه، أحيانًا، أيضًا، "الابن الضّالّ". في الحقيقة، تعبير "الابن الشّاطر" مناسب أكثر، لأنّ الابن الأصغر، لا فقط ضلّ، بل شطر نفسه عن أبيه، وذهب ليعيش بعيدًا عنه، في بلاد بعيدة!. في علم النّفس التّربويّ وعلم نفس الطّفل، بعض الأبحاث يقول إنّ مأساة الإنسان الأولى، والّتي تتردّد لديه كلّ عمره، تقع حين يُقطَع له حبل  سُرَّته، الّذي يربطه بحشا أمّه. بمجرّد أن يُقطَع له حبل السّرّة، فهذا يُحدِث في نفسه ارتجاجًا، يشيع في نفسه ما دام حيًّا على الأرض!.

ما يحدث، بالنّسبة إلى الطّفل الّذي يخرج من حشا أمّه، هو صورة عمّا حدث، ذات مرّة، حين خرج الإنسان من حشا الرّبّ، وانشطر عن محبّته. ليس، فقط، من باب الاستعارة أن نستعمل اللّفظة "ارحمني"، حين نخاطب الرّبّ الإله. لماذا نستخدم اللّفظة "ارحمني"؟ لماذا لا نستعمل اللّفظة "أَشفِق عليّ"؟ اللّفظة الّتي تتردّد أكثر من أيّة لفظة أخرى، في عبادتنا، هي لفظة "الرّحمة" ومشتقّاتها. أكثر النّاس يظنّون أنّه لا فرق بين الرّحمة والشّفقة. هذا غير صحيح، أبدًا، لأنّ الشّفقة أمر عاطفيّ، انفعاليّ؛ فيما الرّحمة أمر مرتبط بكيان الإنسان. لهذا السّبب، اللّغة الكنسيّة استعارت اللّفظة الأهمّ المرتبطة بحياة الإنسان: "الرّحم"، "الحشا"، وجعلت منها فعلًا، لأنّ اللّفظة، أساسًا، هي الاسم "رحم"؛ فحين نقول للرّبّ "ارحمني"، فهذا يعني أنّنا نقول له: "نحن، المقطوعين عنك، المشطورين عنك، البعيدين عنك، في بلاد بعيدة، نستصرخ محبّتك ونقول لك: "ارحمنا"، أي عُد واتّخذنا. خذنا وضعنا في حشاك، في رحمتك، في رحمك!. عمليًّا، إلى قلبك!. إذًا، نحن، حين نردّد اللّفظة "ارحمني"، ونجعلها أساسًا لصلاة المؤمن إلى الرّبّ الإله نجعل من الصّلاة كلّها، عودة إلى رحم الله!. في الحقيقة، إذا كان الرّحم هو بيت الحياة، فالرّحم، أيضًا، هو بيت الحبّ، إذ ما من حياة لدى الرّبّ من دون حبّ، ولا هناك حبّ إلّا وهو الحياة. لهذا السّبب، لفظة "الرّحمة" تشير، في آن، إلى استصراخ الإنسان لمحبّة الرّبّ، وإلى استدعاء الإنسان الرّبَّ الإله ليعيده إلى رحمه، إلى حياته، ليكون له أن ينعم بحياة الله، أي بالحياة الأبديّة!.

إذا عدنا إلى سفر التّكوين، فالحديث فيه عن آدم وحوّاء ورد في نصّين متباينين. وهذا، في المفهوم الكتابيّ، يُغني المعنى، ولا يُفقره أبدًا؛ لأنّ الإنسان، في الحقيقة، لا يمكنه أن يعبّر عن عمل الله في حياته تعبيرًا كاملًا واضحًا مهما فعل. على أنّ تعدّد الشّهادات خير من شهادة واحدة. لذلك، تمسّكت الكنيسة بأن يكون هناك أربعة أناجيل، لا إنجيل واحد. طبعًا، كانت هناك محاولة لتوحيد الأناجيل، لم تُقبَل. كما كانت هناك تساؤلات عديدة. حين نقرأ، مثلًا، ما ورد في إنجيل متّى، في موضوع معيّن، نجده مختلفًا عمّا ورد في إنجيل لوقا، أو ما ورد في إنجيل مرقس. هذا ظُنَّ غير مقبول وسبب اختلال في المعنى، وأنّه يجب أن يكون النّصّ واحدًا، وألّا يكون هناك فرق، أبدًا، بين النّصّ والنّصّ، عندما يكون الموضوع واحدًا. هذا، في التّراث، كلام غير مقبول. هذا يُقال عمّا هو بشريّ، وعمّا هو آليّ. أمّا ما يختصّ بالله، فالحقيقة أنّه ولو أرادت البشريّة، برمّتها، أن تعبّر عن خبرتها مع الله، ما استطاعت أن تحيط بهذه الخبرة، لأنّها أرحب من أن يحيط بها بشر. لذلك، عندما نقتبل من الأناجيل أربعة، فهذا أغنى بكثير من أن يكون لدينا إنجيل واحد؛ لأنّ كلّ واحد من الإنجيليّين يعبّر عن زاوية من زوايا هذه الخبرة الرّائعة للإنسان بعامّة مع الله!.

بالعودة إلى سفر التّكوين، إذًا، هناك نصّان. النّصّ الأوّل يقول إنّ الرّبّ خلق آدم وحوّاء، وقال لهما: "أثمروا واكثروا، واملأوا الأرض". والنّصّ الثّاني يقول إنّه خلق آدم؛ ومن ثمّ، أخرج الرّبّ الإله من آدم حوّاء. وكان أن سقط آدم وحوّاء. فبعد السّقوط، سمّى الرّبّ حوّاء بـ"حوّاء"، لأنّها أمّ كلّ حيّ. موضوع الأمومة جاء، في الحقيقة، بعد السّقوط، لا قبل السّقوط. طبعًا، هذا ليس من دون مغزى. بكلام آخر، لو فرضنا أنّ آدم وحوّاء لم يسقطا، فماذا كان حدث للبشريّة؟. من أين كانت البشريّة ستخرج؟. هذا سؤال يُسأل، لأنّ آدم وحوّاء لم يُنجبا إلّا بعد السّقوط. لماذا لم ينجبا قبل السّقوط؟. ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يحدث السّقوط؟. في الكتاب، هناك حديث عن آدم وحوّاء، بالجمع، ما يمكن أن يعني أنّ الرّبّ الإله كان ينظر إلى الخليقة لا، فقط، من زاوية رجل وامرأة يتزوّجان ويتكاثران. الرّبّ الإله كان ينظر إلى الخليقة كلّها كأنّها حاضرة لديه دفعة واحدة!. بكلام آخر، لو لم يحدث السّقوط، أكانت الحياة اقتصرت على شخصين: آدم وحوّاء؟. طبعًا، هذا ليس، أبدًا، ما في حسبان الله.

التّصوّر الّذي يبقى، في الحقيقة، هو أنّ الرّبّ، لو لم يسقط آدم وحوّاء، كان، كما جبل شخصين من التّراب، قادرًا على أن يجبل، دفعة واحدة، من التّراب، ويُخرج إلى الوجود البشريّة جمعاء!. موضوع الأمومة كان مرتبطًا، من جهة، بالانشطار الّذي حدث بين الإنسان والله؛ ومن جهة أخرى، كانت له غاية واضحة محدَّدة: المسيح!. ما كان يمكن أن يحدث دفعة واحدة، في الفردوس، لو بقي الإنسان مطيعًا لله، صار لا بدّ له أن يحدث، بطريقة أخرى، إذ جعل الرّبّ الإله الطّريق طويلة جدًّا، حتّى يبلّغ الإنسان إلى حيث أراد!. إذًا، الأمومة، في الحقيقة، كان القصد منها إبلاغ البشريّة إلى يسوع المسيح. ثمّ بعد أن بلغت البشريّة يسوع المسيح، معنى الأمومة التّاريخيّة اكتمل!. القصّة ليست قصّة تكاثر إلى الأبد. هذا لا معنى له، في قصد الله. هذا لا يعني شيئًا!. التّاريخ كلّه أوصل الإنسان إلى يسوع المسيح. بكلام آخر، الإنسان كان، في الفردوس، عشير الله وانشطر عنه. خرج منه، وعاش في الخطيئة، والألم، والموت؛ فلمّا بلغت البشريّة يسوع المسيح، فكأنّنا استُعدنا؛ كأنّ الرّبّ استعادنا إليه؛ كأنّ هذا الصّراخ، الّذي امتدّ، عبر جدران التّاريخ، بلغ حدّه الأقصى؛ فأعطانا الرّبّ الإله الجواب: يسوع المسيح!. بيسوع المسيح، إذًا، استعادنا الآب السّماويّ إلى حشاه، رحمنا!.

ثمّ، انطلاقًا من الرّبّ يسوع، لم نعد، أبدًا، كما كنّا، أو كما كانت البشريّة سابقًا. بعد يسوع المسيح، باتت لنا حياة جديدة، ذات طبيعة، لا فقط بشريّة، بل، أيضًا، إلهيّة!. لولبيّة صعوديّة!. لذلك، الأمومة، بعد التّجسّد الإلهيّ، في الحقيقة، لم تعد لها أغراض إلّا مرتبطة بشخص الرّبّ يسوع المسيح!. لم تعد هناك حاجة إلى أن يتزوّج الإنسان، بكلّ بساطة، ليتزوّج، وينجب أو لا ينجب!. الزّواج ليس هدفًا!. الإنسان يتزوّج وينجب، بعد الرّبّ يسوع المسيح، لسبب واحد: أن يمدّ يسوع المسيح، في الزّمن الأخير، الممتدّ من الوقت الّذي جاء فيه يسوع إلى المجيء الثّاني!. علينا أن نمدّ يسوع، لا أكثر، ولا أقلّ. مَن لا يعرف يسوع يأتي إليه ومَن عرفه يحيا فيه ويمدّه إلى الّذين لا يعرفونه!. الزّواج والإنجاب لم تعد لهما، إلّا هذه القيمة فقط، لأنّ الرّبّ الإله أراد، بيسوع المسيح، أن تصير له البشريّة أمّة أنبياء، وأمّة كهنة كهنة، بمعنى أنّهم خدّام لله. لم تعد هناك بشريّة، على الهامش، منتشرة بلا معنى، تعيش وتموت... كلّ هذا لا قيمة له، في النّهاية!.

هناك خطّ نورانيّ، في التّاريخ!. هذا أتى من آدم وحوّاء إلى يسوع المسيح، ومن يسوع المسيح يمتدّ إلى الأبديّة!. ونحن، بكلّ بساطة، شهود للرّبّ يسوع، الآن، وغدًا، وفي كلّ حين!. هذا لم تعد له علاقة، أبدًا، بأذواق النّاس، يحبّون أو لا يحبّون!. هذا هو الحدّ الفاصل القاطع!. مَن يريد أن يبقى مشطورًا عن الله، مشطورًا عن يسوع المسيح، يبقى خارجًا، خارج القصد الإلهيّ الّذي اختطّه الرّبّ الإله منذ البدء!. كلّ واحد، اليوم، وفي كلّ وقت، يستطيع أن ينشطر عن الله بإرادته. لكنّ هذا يجعله عديم القيمة، ولا معنى لوجوده، بالمطلق!. كلّ ما يُسمّى بالحضارات لا قيمة له!. كلّه سائر إلى زوال!. القيمة الوحيدة مركَّزَة في شخص يسوع المسيح!. هو الّذي منه ينبثق التّاريخ، وإليه ينتهي!. لهذا السّبب، الابن الشّاطر، الّذي انشطر عن أبيه، وذهب إلى بلاد بعيدة، عاد ليلتحم بأبيه، من جديد، ويستقرّ في حشاه، لأنّه كان ميتًا فعاش، وكان ضالًّا فوُجِد!.

اليوم، على كلّ واحد أن يعود، حتّى يوجَد في يسوع، حتّى يتوب إلى يسوع، ولكي تكون توبته منطلَقًا إلى الاستقرار، من جديد، في حشا الإله. هذا مخطّط الله للنّاس!. في ما عدا ذلك، يذهب النّاس شرّدًا، ويبقى الّذين يلتمسون وجه ربّهم سائرين وإيّاه إلى القيامة العامّة. ما مصير مَن لا يندرجون في قصد الله للبشريّة، على الأرض؟. هذا شأن الله وليس شأننا!. ما لنا هو معرفة مشروع الله، هنا، والكرازة به، بالكلمة الفاعلة بالمحبّة، أمّا الدّينونة فللّه، ولله وحده!. فقط سلطان التّعليم معطى للكنيسة. فقط الّذين يسمعون ولا يقبلون تدينهم الكلمة!. أمّا الّذين لم تصلهم الكلمة، فالله وحده يتولّاهم!. عمل الكنيسة، عمل كلّ واحد، في الكنيسة، معبَّر عنه بهذه الدّعوة: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والرّوح القدس، وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متّى 28: 19- 20)!. هذا مسير الإنسان أو يتشوّه!.

 

الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ - دوما

الأحد 11 شباط 2018

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share