<
فقط في الكنيسة بإمكاننا أن نرتشف الماء الزلال الذي يجري من الجنب المطعون للمسيح ليعطي حياة أبدية. كل التعاليم الأخرى إن هي سوى آبار مشقّقة لا تضبط ماء.(القدّيس إيريناوس أسقف ليون).لا تحاربنا الشّياطين، إلاّ عندما نتمّم ميولنا الرّديئة، الّتي هي بالحقيقة شياطيننا الّتي تحاربنا فنهزم أمامها برضانا.(القدّيس بيمن).نعمة التّوبة الفاعلة في المجاهدين هي صفقة إلهيّة وتبادل؛ نعطي فيه ترابًا ونأخذ سماءً.(الشّيخ يوسف الهدوئي).إنّ الاتّحاد الدّائم بالهّ مصدرِ الحبّ لا يمكن أن يبقى غير ملحوظ. لأنّه عندما يخترق الحبُّ الإلهيُّ القلبَ يوقظ فيه قوّة لم تسمع بها أذن من قبل، وإنّما تحسّ بها، فقط، قلوب محبّي الله .(الأم كاترين أفيموفسكي).إن أردتَ الخير لولدك، أقول لك ماذا تفعل: "إصنع لولدكَ لباسًا، واصنع لباسًا آخر لولد فقير. فلأجل ذاك الولد الفقير يُفَرِّحُ الله حياة ولدك". (القدّيس قوزما الإيتولي).
نقاط على الحروف
روح الفشل يقتل!.

❖ "الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوّة والمحبّة والنّصح" (2 تيموثاوس 1: 7).

    لفظة الفشل، في اليونانيّة، تدلّ على خوفٍ خَجِل يتّسم بالجبن، مصدرُه خُلُقٌ أنانيّ ضعيف. يشمل الفشلُ، في هذا السّياق، روحَ الضّعف الّذي يحمل صاحبه، بإزاء الصّعوبات القاسية، الّتي تواجهه، على أن يجفل ويتعلّل بعلل الخطايا، ما يعطّل لديه المبادرةَ وحفظَ الأمانة والسّلوكَ فيما يُرضي الرّبّ الإله. لسان حاله: الظّروف لا تسمح!. روح الفشل يزعم التّروّي والحكمة والرّعاية الحسنة ليبرِّر ذاته!. يدّعي تأجيل اتّخاذ المواقف بانتظار تغيّر الأحوال!. يصمت حين تكون الحاجة إلى الكلام، ويتكلّم، بانفعال، لإثبات ذاته، حين تكون الحاجة إلى الصّمت!. يبعث على التّريّث، وإذ لا يخرج من الانتظار شيء، يتذمّر على الآخرين ويلقيهم في الإحباط واليأس!. روح الفشل يعتمد على مزاج صاحبه مدعومًا بما أوتي من قدرة عقليّة وعلم بشريّ. لِمَ يفشل المرء في الكنيسة؟. يفشل لغروره!. لأنّه يعتمد على نفسه ورؤيته وطاقته ومكانته، ويستخدم الله، في الكلام، وحتّى في الصّلاة(!)، ليدعم ما له، وما يظنّه، من دون الله!. روح الفشل بحاجة، أبدًا، إلى غطاء، إلى مجنّ، لأنّه يشاء أن يظهر قويًّا وهو غارق في الضّعف!. التّظاهر بالقوّة يستدعي أمرًا من اثنين: رفعة في المنصب و/أو وفرة في المال!. روح الفشل يحبّ إصدار الأوامر وفرض الطّاعة وإلّا يعاقب أو يقصي، كما يبيع ويشتري، يغري ويهدِّد!. هذا يجعل الإنسانَ كرسيَّه وما له!. روحُ الفشل يشيّء صاحبه ومن ثمّ مَن يتعامل معهم!. روح الفشل يعلِّم اللّياقة ويقصي اللّطف، كما يجنح إلى القسوة ويتغرّب عن التّأديب الّذي من نوع القولة: ليؤدّبني الصّدّيق برحمة ويوبّخني...!. روح الفشل لا ثقة له بالله، ولو طاب له التّكلّم باسم الله، لذلك يبقى صاحبُه في حدودِ التّردّدُ والتّظاهر بالحقّ والعناد حفظًا لماء الوجه!.

   

❖ يسوع كان يتكلّم بسلطان وقوّة (لوقا 4: 36). التّآمر عليه، من حوله، كان جاريًا على قدم وساق!. هذه ساعتكم وساعة الظّلمة، قال لزبانية الشّيطان!. للشّرّ أوقاته أمّا عمل الله فكلّ الأوقات أوقاته!. لا سيّما في الشّدائد!. في العالم سيكون لكم ضيق!. العاديّات أن نقيم في الأزمات!. مَن يبحث عن السّلام في العالم، باسم المسيح، يبحث عن المسيح كسراب!. سلامي أُعطيكم، لا كما يعطيكم العالم!. وسلامه يعطيناه في الأزمات والضّيقات!. سلام العالم مِحَن وتجارب!. كلمة الله لا تكون حيّة فينا إلّا ونحن على الصّليب!. بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السّموات!. مَن يتعب من الشّدائد ويتذمّر من الأوجاع لم يعرف المسيح!. في الأتعاب، حفظًا لوصيّته، يريحنا، وفي الآلام، من أجل محبّته، يعزّينا!. ما يهبنا إيّاه من راحة، في هذا الدّهر، يكون لضعفنا وإلى حين!. وما يسمح به من ضيقات يكون في حدود الطّاقة لدينا!. ما زاد على ذلك، إذا كان وفق مشيئته، نحمله بنعمة منه!. أمّا ما كان كاسحًا وخانقًا وباعثًا على اليأس فمن غرورنا وكبريائنا وعنادنا!. ليس ربُّك بظالم!. بل كلّه حنان!. وهو جرّاح، عند اللّزوم، في منتهى المهارة!. حتّى الشّعرة يحسب لها حسابًا!. شعرة من رؤوسكم لا تسقط إلّا بإذن أبيكم السّماويّ!. لا يُسرّ بإيجاع النّاس بل بشفائهم!. الوجع من الخطيئة والفساد!. لهذا السّبب الشّفاء موجع!. الرّاحة، إلّا للضّرورة الاستشفائيّة، مجلبة للفساد والمضرّة وسقم القلب والغربة عن الله!. الأرض، بعامّة، ليست مكانًا للرّاحة بل للتّعب!. وهي مكان للتّعب لأنّها مكان للتّروّض على الحبّ!. والتّروّض على الحبّ لا يكون إلّا بالتّعب والبذل والتّضحية!. الرّاحة للرّاحة تقتل الحبّ وتاليًا الإنسان وتحيله مِسخًا ووحشًا!. مجتمع السّلام والرّفاه في هذا الدّهر مجتمع واهم يسوده أمير هذا الدّهر، ومَن طَلَبه طلب أن يصير ابنًا لإبليس!. وما أروع، عند إبليس، من أن نقتنع بأنّ ما يوحي هو لنا به، ونقتبله ونسلك فيه، هو من الله!. إذ ذاك، يكون الشّيطان قد نجح في إطاحة الله والحلول محلّه فينا!.

   

❖ مسيح الرّبّ منتصر في خدّامه، الّذين يستخدمون أنفسهم له، وفي أحبّته الّذين لذّتهم في كلمته!. هؤلاء، من جهة العالم، ضعفاء، يشاؤهم ربّهم كذلك تدبيرًا منه، لأنّ قوّته لا تُسرّ أن تَظهر إلّا في ضعف النّاس!. لنا هذا الكنز في أوان خزفيّة ليكون فضل القوّة لله لا منّا (2 كورنثوس 4: 7). مضغوطين، من جهة العالم، في كلّ شيء، لكنّنا غير مسحوقين!. في الضّيق، ولكنْ غير يائسين!. مضطهَدين، ولكنْ غير متروكين!. موجوعين، ولكنْ غير هالكين!. لِمَ؟. لأنّنا، في المسيح، إذ نكون حاملين في الجسد، كلّ حين، إماتةَ الرّبّ يسوع، عن إرادة، تظهر حياة يسوع، أيضًا، في جسدنا (2 كورنثوس 4: 10)!. على قولة الأرشمندريت صوفروني سخاروف: المسير، في المسيح، مسيرٌ على سلك مشدود فوق واد سحيق!. السّقوط، دائمًا، يتهدّدنا، لكنّنا لا نسقط طالما عيننا على وجه السّيّد!. القلب، أبدًا، بين مهابة ورجاء!. لذلك، كما عبّر الرّسول المصطفى، أُسرّ بالضّعفات والشّتائم والضّرورات والاضطهادات والضّيقات لأجل المسيح، لأنّي حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قويّ (2 كورنثوس 12: 10)!.

   

❖ خادم المسيح لا يستسلم لقوى هذا الدّهر. لا يحوّر كلمة سيِّده اتّقاء المخاطر. لا يجمع النّور إلى الظّلمة بحجة جني الأفضلَين، أفضل ما للنّور إلى أفضل ما للظّلمة!. لا شركة للنّور مع الظّلمة ولا لله مع بليعال!. محبّة العالم عداوة لله!. الوحدة الّتي لا تقوم في الحقّ ولا تحفظ الأمانة كاملة لله هي تراكمُ أجساد، ومسعى إيهاميّ لجمع ما لا يجتمع!. مَن ليس معي فهو عليّ، ومَن لا يجمع معي فهو يفرِّق!. نخاف ولا نستسلم للخوف!. بإزاء العاصفة، خاف التّلاميذ خوفًا شديدًا!. أمّا يسوع فكان نائمًا على وسادة!. فلمّا لجأوا إليه، كما ليوقظوه، وهو العين السّاهرة أبدًا، قام ووبّخهم لعدم إيمانهم، ثمّ انتهر الرّيح فصار هدوء عظيم، واستكانت النّفوس استكانة عظيمة!.

   

❖ روح القوّة يعمل في ضعف البشرة وقسوة ظروفها في كلّ آن. علينا أن نعي أنّ قسوة الأحوال ذات علاقة بواقع كيان الإنسان. تشتدّ الأزمات من حولنا إذ تكون القلوب في زغل وتراخ وسهو وتبلّد، ليستيقظ النّائمون ويتنقّوا ويشدّوا أحقاءهم ويتوبوا توبة أهل نينوى لكي لا يموتوا في خطاياهم!. الأزمات إنذارات!. محبّة الله وحرصه على العالمين يستبين تارة في اللّين وتارة في الشّدّة، وفق الحاجة!. فإن عاد الضّالّون عن غيّهم وتابوا إلى ربّهم وصرخوا إلى إلههم، تكون الأزمات قد حقّقت الغرض منها!. لا أنّ ربّك يثيرها بل النّاس لعنادهم في الخطيئة!. ربّك يُدوزنها لتصير للخلاص!. يضبطها لتستقيم وتيرتُها، ويتحدّد مقدارها، كما ينفع الفحمُ التّدفئة والزّبلُ المزروعات!. والأزمات من حولنا تخفّ وطأتها علينا متى نشطت النّفس في حفظ الأمانة لربّها، صومًا وصلاة ومحبّة وسلوكًا في اتّضاع القلب!. إمّا يعاني الكيان، عن إرادة، أزمة مقاومة أهواء الهوان كلّ حين، أو تثور عليه أزمات النّاس والبيئة!. ليست الآلام مجّانيّة ولا عشوائيّة. كلّ ما نكابده تحت الضّبط، وكذا ما نؤتاه، من الله أوّلًا، ومن العالم، ومن أتعاب النّفس والجسد!. لذا كان على الذّهن أن ينظر لا فقط إلى ظواهر ما يجري، بل إلى أسبابه الرّوحيّة، أوّلًا، لأنّ مَن قال: ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد، قال، أيضًا: كلّ شيء يعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله!.

   

❖ روح القوّة الإلهيّة ترجمتها محبّة لأنّ الله محبّة، وإطارها محبّة. وحدها المحبّة تثبت إلى الأبد. والمحبّة توحي بالنّصح الّذي هو الحكمة، الّتي تعلّم، في كلّ حين، ما يوافق. بروح قوّة المحبّة ينتصر المسيح فينا ونصير شركاء في قيامته. محبّة الله قويّة ولا أقوى!. على أنّنا، في مقابل الغنى بالله، نحتاج، أبدًا، لأن نكون فقراء ونبقى فقراء!. المؤسّسات المسمّاة كنسيّة، ما يحمل علامات الغنى ممّا هو من هذا الدّهر، فخاخٌ ينصبها الشّيطان لنلهو عن ملكوت السّموات بملكوت هذا الدّهر، باسم الله!. نحن لِنعين الفقراء ونسدّ الحاجة طالما نحن عابرون بما هو ههنا، لا لنُغني الكنيسة لتصير قويّة بما يُعتبر، في هذا الدّهر، قوّة، في السّياسة والاجتماع والاقتصاد... أنتم لستم من هذا العالم!. السّعي لإغناء الكنيسة بقوّة العالم استغناء عن غنى الملكوت وروحِ القوّة الّتي من فوق... الكيسُ لِيفرغَ لا لِنفتخرَ بما فيه... تكفينا خمس خبزات وسمكتان مشمولة بالبَرَكة لنأكل ونطعم الآلاف!. إذا لم يكن الخدّام فقراء ويغنون كثيرين، فما يظنّونه أوقافًا، هم قيّمون عليها، في الكنيسة، تلعنهم في وجوههم، لأنّهم فيما يردّدون قول سيّدهم: كنت جائعًا فأطعمتموني...، يمسكون الخبز عن الفقير والدّواءَ عن المريض الفقير، بحجّة حفظ المؤسّسات الكنسيّة، وأنّه ليس لهم!. لِتَزُلِ الأوقاف الصّمّاء، إذا لم تكن في خدمة المحتاج، ولتنزل المؤسّسات الكنسيّة الدّهريّة، في روحها، إلى الجحيم، نظير سمعان السّاحر، ولتأتِ عليها قولة بطرس الرّسول لسمعان هذا: لتكن فضّتكَ معك للهلاك لأنّك ظننت أن تقتني موهبة الله بدراهم (أعمال 8: 20)!. أقول هذا كأنّي بالكنيسة صارت، بمسيحها وشعبها، مستأسَرةً لمؤسّساتها المستأسَرة، بدورها، لروح العالم!. كنيسة لا ينشدّ خدّامُها، بملء جوارحهم، إلى الفقر والعفّة، ليصير ربُّهم وحده المرتجى وفقراؤه الهاجس، لا يمكنهم لا أن يطيعوه ولا أن يكونوا إلّا خدّامًا لأهوائهم بإزائه!. هذا لسان حال مَن أحبّوا ويخدمون ربّهم: إنّي أحسب كلّ شيء سِقطًا من أجل معرفة يسوع المسيح، وإيّاه مصلوبًا!. هذا ختمُه ينبغي أن يكون في لحمي وروحي حتّى لا أجدني أوقَفُ، في ذلك اليوم، لديه لأسمع: اذهبوا عنّي يا ملاعين لأنّي كنت جائعًا فلم تطعموني... عريانًا فلم تكسوني... غريبًا فلم تؤووني... محبوسًا فلم تزوروني... مريضًا فلم تعودوني...!. ويحي، إن صرتُ خادمًا يستخدم النّاسَ وأحبس خبز النّاس لضرورات الشّرع، بدل أن أستخدم نفسي وما يجعله ربّي في طاقتي، للنّاس!!!. ويل لمَن يجدِّف النّاسُ على الله بسببهم!!!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

13 أب 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share