صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
نقاط على الحروف
القيامة في الانتظار!

     "بسمع الأذُن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التّراب والرّماد" (أيّوب 42: 5 – 6).

     لا أسهل من أن تسمع عن الله وتتكلّم عليه. تنطلق، بعامّة، من جهل، مهما سمعت وقرأت، وتنتهي بتنظير... وثرثرة! ثمّ إنْ، ومتى، رأته عينُك وعرفتَه تصمت لأنّك تُستَودَع، إذ ذاك، ما لا طاقة لكلام على احتوائه وتمريره؛ أو تمسي إلى الصّمت أَمْيَل لأن مَن تكلِّمه بكلام الله، حيًّا، ولمّا يرَ ما لم تره عين، ولمّا يسمعْ ما لا يُنطَق به، كما، ربّما، حصل لك، لا يفهم ما تقول، لا يلتقط ما تبثّه إيّاه، لأنّه لا زال في مستوى المعرفة بالعقل والحواس؛ وما طار، بعدُ، إليه واحدٌ من السّيرافيم، كما إلى إشعياء النّبيّ، وبيده جمرةٌ أخذها من على المذبح ومسّ بها فاه، فانتُزع إثمُه وكُفِّر عن خطيئته (إش 6: 6 – 7)!

     أيّوب انقلب! كلّ تقواه، سابقًا، قامت على سَمْع. سَمِعَ من النّاس، ولو مسّ ما سمعَه قلبَه. لكنّ ما سمعه والتزمه لمّا يصمدْ عندما هبّت، في وجهه، أعاصير العمر. "إن لم يبنِ الرّبّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون. إن لم يحرس الرّبّ المدينة فباطلاً يسهر الحارسون".

     يبدأ الإنسان بما للبَشَرة، لكنّه إن لم يبلغ اللهَ، أو، بالحريّ، إن لم يَبلغْه اللهُ، تذهب جهودُه أدراج الرّياح. لا يتعب الإنسان ليطال الله؛ الله لا يُطال. يتعب الإنسان ليُعدَّ نفسه، وفي نفسه، مكانًا لله. "هلمّ واسكن فينا". "أيّها الرّبّ يسوع تعالَ"!

     لذا قال أيّوب هذا القول الملتبس شكلاً: "أرفض وأندم في التّراب والرّماد". في تلك اللّحظة، وليس قبل ذلك، أَدرك، عميقًا، أنّه، وهو الحريص، على التّقى، بكلّ قواه، وَهَن قرناه، وتكسّرت أمواجُه على صخرة العليّ. لذا رَفض مسراه، أدرك جهلَه، عَرف قصورَه، شلح غرورَه. ندم، بمعنى أنّه تاب، وجعل ذهنه في التّراب والرّماد. غَمَر العدمَ، الآتي هو منه. هذه حقيقتكَ يا آدم! وجودُك ومعنى وجودِك وثباتُ وجودِك واستمرارُ وجودِك من فوق! مات أيّوب عن نفسه في عمق الكيان فأقامه ربُّه إلى ملكوته. باركه أكثر من أوُلاه. جاؤوا إليه وأكلوا معه خبزًا في بيته. حبّة الخردل، متى نمت، تصير شجرة حتّى إنّ طيور السّماء تأتي وتتآوى في أغصانها (متّى 13: 31 – 32)!

     ليس أيّوبُ مثالَ الصّبر، بل، بالحريّ، مثال الموت عن الذّات، إفراغ الذّات. من هنا كونه صورةً لمسيح الرّبّ. في الأساس، ما لم يَصُبّ الصّبرُ في الوعي العميق للإنسان، في ذاته، أنّه تراب ورماد، فلا قيمة له. لا يعود الصّبر، إذ ذاك، صبرًا، بل نوءًا تحت أثقال الدّهر حتّى الانحلال. لمّا قال الرّبّ الإله لآدم، إثر السّقوط: أنت من التّراب وإلى التّراب تعود، جعله لا على سكّة الفناء بل على سكّة الحياة الأبديّة! أن تعي عدميّتك، حتّى العظم، شرطٌ ومحطّةٌ لانسكاب روح الحياة فيك. هذا لا يأتي تلقاءً، بل هي محبّة الله، ولأنّ الله محبّة، هكذا تفعل لكي يكون فضل القوّة، في كلّ شيء، لله لا منّا! أنت من التّراب، يا إنسان، ولكنْ، أنا أشاؤك، يقول الرّبّ، أن يقيم فيك ضيائي! "لنا هذا الكنز في أوان خزفيّة" (2 كو4: 7)!

     رِفقًا بخَلْقِِ الله، يا حبيب المسيح! أما ترى الأكباد تئنّ؟! هذه خِرافي لا مَن يرعاها! تشرب من المياه الآسنة وتأكل من الفتات السّاقطة من موائد أربابها! أما تراها تتمرّغ في بَرَص الكيان، وهي مشلوحة، باسم القانون والنّظام، خارج المدينة، على مشارف القبور؟! ليس أيسرَ من إلقاء نير الشّريعة على كاهل الضّعيف! "يحزمون أحمالاً ثقيلة عَسِرةَ الحمْل ويضعونها على أكتاف النّاس، وهم لا يريدون أن يحرِّكوها بإصبعهم" (متّى 23: 4)! يعفّون عن البعوضة ويبلعون الجَمَل! نصيبُ الضّعيفِ المسحوق مَن استَضْعَف نفسَه وأخذ صورة عبد ليأتي ويغسل أقدام مساكين الأرض!

     ويل لمَن يتنطّح اغترارًا بمعرفة الشّريعة ولا رحمة في قلبه! "أُريد رحمة لا ذبيحة"! زمنُ شريعةِ المعارفِ والفرائضِ ولّى! لقد كان النّاموسُ مؤدّبَنا إلى مسيح الرّبّ، أمّا وقد جاء المسيح فلسنا، بعدُ، تحت مؤدِّب! مَن لا يعتمل الشّوق إلى المسيح في قلبه، لا عودة له، بعدُ، إلى شريعة، أو إلى روح شّريعة بادت! في الشّرائع والقوانين والأنظمة مذابحُ تُشاد ليقدِّم عليها المستقوون الأضعفَ منهم ذبائحَ حاسبين أنفسَهم خيرًا من سواهم، غاضّين الطّرْف عن "القرَف" الّذين فيهم، وظانّين أنّهم، بذلك، يقدّمون خدمة لله!!! ذبيحةٌ واحدة بقيت لكلّ العالمين، وما عداها سِقْطٌ إلى غير رجعة! "الذّبيحة لله روح منسحق. القلب الخاشع المتواضع، هذا لا يرذله الله"! ما أيسر معرفة الكتب في زمن الغربة عن آلام النّاس! "العِلم ينفخ". وحدها "المحبّة تبني"!

     إنّما الحاجة، اليوم، إلى دهر من الصّمت، عن ثرثرات الّذين يتباهون بأنّهم يعرفون! غباءٌ في معرفة عقيم! مَن لا يعرف نفسَه ما أمكنه أن يعرف شيئًا ولا أن يعرف سواه! ومَن لا يعرف سواه، حبيبًا من الله إليه، ما أمكنه أن يعرف الله في شيء! لا كلمة حياة لديه يتفوّه بها أو يخطّها على ورق بل لغوٌ! كُتبُنا تملأ عالمنا ويملأها الجهل! ما جاء يسوع بمعارفه من الكتب. احتار اليهود! "كيف هذا يعرف الكتب"؟! وما عرفوا أنّ الكتب تجيء منه ومن القلوب الّتي استوطن فيها روحُه!

     اليوم القيامة؟ هذا لبعض الّذين ليس لهم إلاّه في عالم نَبَذَهم وخَبَطهم ورضّضهم وجرّحهم من الدّاخل والخارج وتركهم بين أحياء وأموات! قمْ يا سامريَّ، يا ساهرًا عليّ! إلى مَن يذهب المسكين، يا رجاء البائسين؟! قيامتُك إليهم! هؤلاء في الانتظار! أمّا نحن المقيمين في غفلة القلب، وحجرُ القسوةِ يوصد كيانَنا، فلنا دغدغاتُ بهرجِ اللّيتورجيا طقوسًا تخدِّر فينا الحسَّ فنحسبُنا، كَذِبًا، من المخلَّصين، إلى أن ينزل ملاكٌ من لدنك، يا أبا الأنوار، ويحرِّكَ الصّخرة السّوداء عن باب قلوبنا! ربّاه، بأحكام، أنتَ وحدَك عالمٌ بها، خلّصني أنا عبدَك غيرَ المستحقّ فإنّك مبارَك إلى الأبد آمين! في الانتظار، ربّي، أجيِّر قيامتَك لانتفاخي السَّمِج؛ ولا قوّة لديّ لأدرك، عميقًا، أنّي تراب ورماد إن لم تُعطني! أقولُها وأردّدها لكنّي لست عليها! واألماه! لقد صارت لي قيامتُك موتًا، إلى أن يقوم هذا القلب الصّلدُ الغبيُّ إليك!!!

     خذ بيدي يا آدم الجديد، حبيب الله الّذي أنا حبيبُه! أنتَ قمتَ إليّ، وأنا أعرف أنّ عليّ أن أقوم إليك، لكنّي لا أعرف كيف، رغم أنّي أعرف بعقلي في زمن العقلنة! لذا أراني، حتّى تفتقدني، باقيًا مرميًّا بين العظام الرّميمة الّتي تكلّم عليها حزقيال نبيُّك إلى أن يدخل فيّ الرّوحُ فأحيا وأقومَ على قدميّ جيشًا عظيمًا جدًّا جدًّا!

     "هأنذا أفتح قبورَكم وأُصعدكُم من قبوركم يا شعبي وآتي بكم إلى أرض إسرائيل... فتعلمون أنّي أنا الرّبّ تكلّمت وأفعل يقول الرّبّ" (حزقيال 37)!

     على هذا الرّجاء، ربّاه، نبقى في الانتظار، في ٱنتظار القيامة إلى القيامة!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

15 نيسان 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share