إن شقاءنا ينبع من كوننا لا نطلب نصيحة الأقدمين. لو عاد آدمُ إلى السّيّد عندما أعطته حوّاء أن يذوق الثّمرة، وسأله كيف عليه أن يتصرّف، لكان الرّبّ أرشده وأنار طريقه ولما كان آدم قد سقط. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).نحن كلّنا الّذين نتّبع المسيح إنّما نخوضُ الحرب ضدّ العدوّ. إنّنا في حالة الحرب وحربنا هي في كلِّ يومٍ وفي كلِّ ساعةٍ. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ فرحنا هو أنّ الله فينا ومعنا وليس الكلّ يعرفون ذلك بل فقط أولئك الّذين تواضعوا قدّام الله وتخلّوا عن إرادتهم الذّاتيّة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).الرّبّ يفرح عندما نذكر مراحمه ونصير على هيئة تواضعه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).لا شيء يمكن أن يرضي نفسًا متكبّرة، بينما كلّ شيء يوافق النّفس المتواضعة. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).إنّ الّذي عرف الرّوح القدس، وتعلّم منه التّواضع، فقد صار مشابهًا لمعلّمه يسوع المسيح ابن الله. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).من بلغ التّواضع، فقد قهر جميع الأعداء. ومن اعتبر نفسه مستحقًّا للنّار الأبديّة فما من عدوٍّ يستطيع أن يقترب منه. (القدّيس سلوان الآثوسيّ).
نقاط على الحروف
حتميّة الدّخول إلى أورشليم!

     "يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسَلين إليها، كم مرّةٍ أردتُ أن أجمعَ أولادك كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا! هوذا بيتكم يُترَك لكم خرابًا"!

(متّى 23: 37 – 38).

     أتغيَّرت الأحوال؟! لا زال مسيح الرّبّ إلى أورشليم ولا زالت أورشليم عنه! فقط زاد المشهد إيلامًا! هو، مذ ذاك، أضحى أورشليم الجديدة، ودعا العالمين أن: "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم"، فلم يريدوا أن يأتوا ليُشفَوا! يستعفون أبدًا! حملوا اسمه وما شاؤوا أن يحملوا نيره! لم يبقَ له غير المساكين، الّذين لا يحسب أحدٌ لهم حسابًا، وكذا الجُدعِ والعُرْجِ والعُمي، الّذين هُمِّشوا وتُركوا ليقتاتوا من الفتات السّاقط من موائد أرباب البيت! لدينونةٍ أتيتُ، قال، "ليُبصر الّذين لا يبصرون ويَعمى الّذين يُبصرون"! مَن هم هؤلاء الّذين ظنّوا أنّهم مبصرون وهم عميان؟ رؤساء الكهنة والشّيوخُ والكتبة والفرّيسيّون؟! طبعًا، في ذلك الزّمان! ولكنْ، أماتت روحُ مَن أَسلموا السّيّد حسدًا؟! ومَن تآمروا عليه؟! ومَن صرخوا: "دمه علينا وعلى أولادنا"؟! خرج الرّوح النّجس من الإنسان ليعود بسبعة أشرّ منه إليه! اليهود ما كانوا يعرفون! ولا كان يهوذا الإسخريوطيّ! لذا خطيئتهم أقلّ بما لا يُقاس من الّذين يهتفون: قد نظرنا النّور الحقيقيّ وأخذنا الرّوح السّماويّ...! ويسلكون كأنّهم لا نظروا نورًا ولا أخذوا روحًا! إن كانت الكلمة الّتي تكلّم بها ملائكة صارت ثابتة؛ وكلّ تعدّ ومعصية نال مجازاة عادلة؛ فكيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصًا هذا مقداره (عبرانيّين 2: 2 – 3)؟!

     المأساة أنّ الحسّ خبا! نعرف، ونعرف بالدّماغ، كما لم نعرف في أيّ وقت مضى، ولكنْ بلا حسّ داخليّ عميق! ويح لي، عاد جسدي لحمًا! عواطف، مشاعر، خيالات، انطباعات، تصوّرات... سمِّها ما شئت! ولكنْ، لا حسّ ولا روح! غربة عن النّعمة، عن البَرَكة! مسيحيّة آبائنا روحنت الجسد! ومسيحيّتنا تجسدن الرّوح! حكمة أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة (يعقوب 3: 15)! غيرة مرّة وتحزّب!

     لا بدّ من الدّخول إلى أورشليم! لكن الدّاخلين فئتان: واحدة تدخل لتموت مع السّيِّد وتشهد لموته بالموت من أجله ليبقى مطلاً علينا، حيًّا إلينا، نابضًا فينا، في وجوه أمّنها على نفسه فحفظت الأمانة! مسيحنا وجه ينعكس في مرايا وجوه أحبّتِه! كلّ كلام عنه لا يزدوج بمرآه في خاصّته كلام عن مجهول، عمّا ليس موجودًا، على حلم، عمّا ليس حيًّا، ومن ثَمَّ، عمّا لا يُحيي! الكلمة صار جسدًا لكي يصير الجسد كلمة! ولا كلمة بيننا إلاّها! مسيحنا يُحكى نَبْضًا أو نتعاطاه لغوًا!

     هذه فئة أولى من الدّاخلين. الفئة الثّانية هي فئة مَن يستقبلونه بالهرج والمرج: هوشعنا في الأعالي، مبارَك الآتي باسم الرّبّ؛ ثمّ، في اليوم الثّالث، يصدحون: اصلبه، اصلبه! دمه علينا وعلى أولادنا! ما دام الشّعب في مستوى النّفسانيّات فإنّه يصبح على كلام التّهليل ويمسي على كلام التّكفير! كلّه، عنده، من طينة واحدة: رغائب النّاس! اللّحم والدّم هما المعيار لا روح ربّك!

     أنطاكية، إلى أين؟! كيف تدخل، اليوم، أورشليم؟ بأيّ روح، بأيّ فكر؟! الأطفال يسألون خبزًا وليس مَن يكسره لهم" (مراثي 4: 4)! كيف، إذًا، يعيِّدون؟! نريد أن نرى يسوع! إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها! كيف نراه والظّلمة تكتنفنا؟! تعرف أنّك في الظّلمة إذ لا تعود قادرًا على التّمييز بين الفساد وعدم الفساد! لا تسآل ولا حسّ! تُسقِط على مسيحك هواك، ولا تتسقّط منه الهوى! بات أهل البيت غرباء ويُعامَلون كغرباء!

     بالأمس، كانت الخطيئة، بعامّة، حييّة، وكان المبتَلون بالإثم يستترون، لأنّهم كانوا يشعرون، في قرارة نفوسهم، بأنّهم يصنعون سوءًا! اليوم، الخطيئة بلغت الذّروة، إذ فقدت كلّ حياء! باتت وقحة تمامًا! والغارقون في الإثم ما عادوا يحسّون ويحسبون أنفسهم مبتلين بالتّجارب! شعبي، من كثرة تماسِّه والفجور يُطبِّع الفجور! وندافع عن المتمادين في غيِّهم بدل أن نصلحهم، لأنّ الغيّ بات مألوفًا! نبرِّرهم أنّهم من ضعف يجيئون! الفجور صار حقًّا يضمنه القانون والوجدان لهم باسم الحرّيّة والواقعيّة! لستَ ترى فرقًا، في ذلك، بين الّذين يُحسَبون مؤمنين، والّذين لا يؤمنون! اعتاد النّاس سُخام الوجوه حتّى بات وجهٌ بلا سُخام شذوذًا! وجه المسيح يكاد أن يضيع في عباده! بات عسيرًا عليك لقياه وأنت في بابل كونيّة لكلٍ لغتُه!

     ثمّة مَن يدخلون أورشليم ليشتركوا في صلب المسيح، وثمّة مَن يدخلون ليشتركوا في صليبه!

     أعطنا، اللّهمّ، في هذا اليوم، أن نحسّ بخطايانا ونقوى على أنفسنا، بالتّوبة، لنعود إليك! وجهك يا ربّ أنا ألتمس! فلا تصرف وجهك عن عبدك! خِزْ قلوبنا بوجع ألطافك لكي تنهض أنطاكيةُ من مواتيّة لا إحساسها باستقامة الرّأي! أخرِجنا، ربّاه، من إشراك خطايانا باسمك! قلنا الأمانة لك فأعطنا أن نحفظها غير منثلمة إلى المنتهى! أعنّا لكي نبقى إليك مهما دارت الدّوائر على أخصّائك، في هذا الزّمن الرّديء! استعِدْ، بحنانك، مَن لا يطلب استعادة نفسه، ولا يعمل الآخرون، بوجع وأمانة وثبات، على استعادته! يا لَهذه اللاّمبالاة الخانقة! بتنا نحبّ بالتّسامح في الخطيئة، حتّى باتت الخطيئة قائمة حيث لا ينبغي وما نبالي! فإذا ما أعطيتنا أن نقوى، اللّهمّ، على أنفسنا، فأعطنا، في آن، أن نموت معك ومن أجلك في أورشليمك! عَزّ رجالُك، وكأنّ زمانهم ولّى! ولكنْ، إلى أين الرّحيل؟! كلام الحياة الأبديّة عندك! سنبقى إليك كالأرملة إلى القاضي سائلينك إنصافنا بمراحمك وأنطاكية! قرأناك، ربّي، لما سألت: متى جاء ابن الإنسان، ألعلّه يجد الإيمان على الأرض؟! نُقِرُّ، يا سيّد، أنّ نفوسنا أوهى من أن تتلقّف كلمتك! لكنّك، إذا أردت، تقدر أن تشفينا! وأنت المريد، فلا تتخلَّ عنّا!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

13 نيسان 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share