روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
نقاط على الحروف
دروس رجال الله
(2)

        منذ أيام قليلة، في السابع من كانون الأول، احتفلنا بعيد أبينا الجليل في القدّيسين أمبروسيوس أسقف ميلان (+ 397 م). هذا، في وجدان الكنيسة في الغرب، هو أحد المعلّمين الأربعة الكبار هناك. الثلاثة الباقون هم إيرونيموس (+ 420 م) وأوغسطينوس (+ 435 م) وغريغوريوس الكبير (+ 604 م).

        مما انحدر إلينا من أخبار القدّيس أمبروسيوس خبرُ وِقفته في وجه الأمبراطور ثيودوسيوس الكبير (379 – 395 م) يوم تلطّخت يداه بدم الأبرياء. وِقفته، هذه، يومذاك، أهّلته للقب "مؤدّب الملوك" وجعلته، في الكنيسة المقدّسة قاطبة، مثالاً يُحتذى في مواجهة رجال الله لمَن يستخفّون بشرعة الله ويدوسونها، من أبناء الإيمان، ولو كانوا في موقع الأباطرة.

        في ذاك الخبر أنّه خلال العام 390 للميلاد، احتجز أحد الضبّاط الكبار في سالونيك، واسمه بوتيريق، سائساً للعربات في ميدان سباق الخيل. هذا تحرّش بإحدى إماء الضابط، كما قيل. كان السائس معروفاً بين الناس كأحد أبطال السباقات. فلمّا حلّ موسم الألعاب طالب الشعب بإطلاق سراحه، فلم يشأ بوتيريق أن يفعل ذلك. إذ ذاك تحوّلت المطالبةُ إلى سخط فهياج ففتنة، ورجَمَ رعاعٌ بعضَ العسكر بالحجارة حتى الموت وجرّروهم في الطرقات. وكان بوتيريق أحدَ الذين قضوا في الفتنة. الأمبراطور ثيودوسيوس، يومها، كان في ضواحي ميلان. ميلان، آنذاك، كانت موقع الإدارة الملكية للشقّ الغربي من الأمبراطورية. فلمّا بلغه الخبر اهتاج، غير أنّ القدّيس أمبروسيوس وأساقفة آخرين هدّأوا من روعه، بعدما شاع النبأ، فوعد بالصفح عن مثيري الشغب. لكنْ أَقنعَ مديرُ الإدارة، المدعو روفينوس، الأمبراطورَ بأنّ هيبة الدولة على المحك ولا بدّ من اتخاذ خطوة تأديبية وقائية تعيد الأمور، في الأذهان، إلى نصابها. فارتأى ثيودوسيوس أن يُرسل إشعاراً إلى قائد منطقة إيلِّيريا يوعز فيه لجنده بأن ينقضّوا على المدينة ليحصدوا منها سبعة آلاف نفس في ثلاث ساعات. هذا تمّ بفظاعة منقطعة النظير لم يميِّز خلالها العسكرُ مذنباً من بريء ولا كبيراً من صغير.

        بلغ الخبرُ مسامع القدّيس أمبروسيوس وأقرانِه من الأساقفة. ثيودوسيوس كان على بُعد يومين أو ثلاثة من ميلان. لم يشأ الأسقف الجليل أن يلتقي الأمبراطور سريعاً فخرج من المدينة. أراد أن يعطيه فرصة ليعود إلى نفسه. اكتفى بأن بعث إليه برسالة رقيقة، ولكنْ حازمة، دعاه فيها إلى التوبة، وأعلمه بأنّه لن يقبل تقدمته بعد اليوم ولن يُقيم الأسرار الإلهية في حضرته، قبل أن يُنجز التكفير عن خطيئته. عبّر له عن محبّته الكبيرة وتقديره لشخصه لكنّه أبدى أنّ كرامة الله أَولى، وأنّ وُدّه لجلالته لا يجعلُه متحيِّزاً له بل حريصاً على خلاصه.

        وانقضت أيّام عاد، بعدها، أمبروسيوس إلى المدينة وكذا بلغها الأمبراطور. رسالة الأسقف الجليل كانت قد وصلته، لكنّه لم يحمل ما جاء فيها على محمل الجِدّ. وإذ قدم إلى الكنيسة، كما ترسم العادة المألوفة، خرج إليه أمبروسيوس واستوقفه عند المدخل حائلاً دون تقدّمه أبعدَ إلى الداخل. قال له: "يبدو، يا سيِّد، أنّك لا تُدرك، حقّ الإدراك، جسامة المجزرة التي ارتكبت. لا تُنسينّك أُبّهة الملابس القرمزية أوهان الجسد الذي تغطّيه. أنتَ من ذات طينة الذين أُقمتَ عليهم حاكماً، ولكَ وإيّاهم سيِّدٌ أحدٌ هو مَلك العالم. بأيّ عينين تُطالع معبده؟ بأيّ قدمَين تطأ هيكله؟ أنّى لكَ أن تعلّي، في الصلاة، تلك اليدين المبقّعتين بالدم المهراق ظلماً؟ عدْ، إذاً، من حيث أتيت واحذر الوقوع في تعدّ جديد يؤزّم، بالأكثر، جُرمَك الأول. خذ عليك، بسكون، النيرَ الذي جعله الربّ الإله لكَ نصيباً. حادٌ هو هذا النير لكنّه علاجي وشفائي". حاول ثيودوسيوس أن يبرِّر نفسه. قال: "وداود النبيّ أيضاً أخطأ!" فأجابه رجل الله: "إذاً، مَن أخطأت نظيره تُب أيضاً نظيره!".

        وخضع ثيودوسيوس!

        أقام، في التوبة، في قصره ثمانية أشهر، بكى، خلالها، خطيئته بكاء مرّاً.

        وجاء عيد الميلاد وسيّدُ القصر أسيرُه توبةً. وأتاه روفينوس، الذي حرّضه على الجرم أولاً، مخفِّفاً عنه، زاعماً أنّه إنما عاقب قوماً مجرمين، لذا ليس ما يبرِّر استسلامه للكآبة. كلامه أوهن حدّة توبة ثيودوسيوس بعضاً. وقد عرض روفينوس أن يتوسّط لدى الأسقف بحجج كثيرة ليَحلّ الأمبراطور من خطاياه. جواب ثيودوسيوس كان: "لن يكون في طاقتك أن تفعل ذلك. أنا عارف بحقّانية الحكم الذي أنزله بي. ثمّ إنّه رجل صَلْب لا تنثني له عزيمة ما دام الأمر رهناً بشرعة الإيمان، ولن يأتيَ ما يخالِف شرعة الله توقيراً للجلالة الملكية. رغم ذلك تحلّب ريقُ ثيودوسيوس ومَنّ النفسَ بحلٍ مبكّر من خطيئته. فلمّا حضر روفينوس أمام الأسقف الجليل وتوسّط لديه قرّعه أمبروسيوس على وقاحته. ولمّا زاد إصراراً وأبدى أنّ الأمبراطور قادم وراءه قال له أمبروسيوس: "إذاً سوف أمنعه من دخول الكنيسة! وإذا ما سوّلت له نفسه اللجوء إلى العنف والاستبداد، فها أنا ذا مستعدّ للموت وأن أمدّ عنقي للسيف". للحال، بإزاء صلابة الأسقف، أوفد روفينوس رسولاً، على جناح السرعة، ليستبقي الأمبراطور حيث هو، لكنْ كان ثيودوسيوس قد استعجل الأمر وبلغ منتصف الطريق. وكان أن حضر ثيودوسيوس لدى الأسقف وسأله الحلّ فانتصب أمبروسيوس وقال له: "ماذا؟! أأتيت إلى هنا لتدوس أحكام الله؟!" ولأن الأمبراطور لم يكن قد استكمل زمان توبته ضمّه إلى محفل التائبين في الكنيسة فكان يوجد، كل يوم، راكعاً عند باب الكنيسة يردّد الآية المزمورية: "نفسي لصقت بالتراب فأحيني حسب كلمتك" (مز 118: 25). كان يقرع صدره وينتف شعره والدموع تسحّ على وجنتيه سائلاً ربّه العفو، منتحباً على خطيئته أمام عيون الناس حتى كانوا يشاركونه البكاء لدى حضرة الله ويسألونه العفو من أجله.

        أخيراً حان ميعاد إنصافه فحلّه الأسقف الجليل من خطاياه بعدما استصدره مرسوماً وقّعه بيده وفيه أنّ مَن يَصدر في حقّه حكمٌ بمصادرة الممتلكات أو الموت لا تُنزَل به العقوبة إلاّ بعد ثلاثين يوماً إفساحاً في المجال للحُكم أن يُسترَدَّ إذا ما استبان أنّه مبني على هوى أو متسرّع أو ظالم.

        إقامة ثيودوسيوس في الغرب، يومها، امتدّت ثلاث سنوات. فلمّا عاد إلى القسطنطينية عقَّب بالقول: "ها أنا محاط بالمتملّقين من كل صوب ولم أجد غير إنسان واحد قوّمني وقال لي الحقّ كلّه. أنا لا أعرف سوى أسقف أصيل واحد في المسكونة. وهذا الأسقف هو أمبروسيوس!".

        كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يغضّ الطرف عمّا فعله ثيودوسيوس لأنّه صديقه الحميم فلم يفعل. لماذا؟ لأنّ صديقك مَن صدقَك ولأنّ المحبّة في غير الحقّ محاباة. فمَن تودُّه تودّه للخلاص. في غير ذلك ودُّك تودّد!

        كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يحسب حساباً للخطر الذي يحيق به ويتهدّد امتيازاته لدى الدولة من جرّاء تحدّيه الأمبراطور، باسم الله، على النحو الذي أتاه، فلم يفعل. لماذا؟ لأنّه رجلُ الله، وعلامة رجل الله الفارقة أنّه لا يحسب، بإزاء رضى ربّه، حساباً لشيء ولا نفسُه ثمينة عنده.

        كان ممكناً للقدّيس أمبروسيوس أن يأخذ في الاعتبار أنّ الكنيسة معرّضة للخطر في حال رغب الأمبراطور في الانتقام لكرامته الجريح: الشعب، الكنائس، وحتى الإيمان القويم عينه لأنّ الآريوسية كانت، بالكاد، قد انطفأت في ذلك الحين وكان لا يزال بعض الجمر تحت الرماد. لكنَّ أمبروسيوس الموقّر لم يُعِرْ شيئاً من هذه المخاوف اهتماماً. لماذا؟ لأنّ الكنيسة لا تنحفظ بامتيازاتها، في هذا الدهر، ولا باجتنابها الاضطهاد في كل حال بل بصون أئمّتها الحقّ فيها. ليست الشهادةُ للحقّ رهناً بالظروف. الظروف دائماً ما تكون معاكسة والحقّ مصلوب أبداً. لذا كل ساعة للحقّ! ولا ساعة متروكة، في الكنيسة، للباطل!

        ماذا كان حصل لو لم يُشهِر القدّيسُ أمبروسيوس سيفَ حقّ الله في وجه الأمبراطور ثيودوسيوس؟

        - لكان نصيب ثيودوسيوس، في أغلب الظنّ، الهلاك! ولطولِبَ خدّام الله لأنّه قيل: "إذا قلتُ للشرّير موتاً تموت وما أنذرتَه أنتَ ولا تكلّمتَ إنذاراً للشرّير من طريقه الرديئة لإحيائه فذلك الشرّير يموت بإثمه أمّا دمُه فمن يدك أَطلبُه" (حز 3: 18).

        - لبات تعدّي الوصيّة الإلهية، في الأذهان، بالأكثر، أمراً مطبّعاً، لا سيما بين عليّة القوم والقيّمين على شؤون الكنيسة.

        - لأَخَذَ العامة يحتقرون أو يقتدون بمَن يُشرفون عليهم في مفاسدهم.

        - لأَخَذَ الإحساس بخوف الله، في النفوس، يموت.

        - لترسّخ تعاطي الكنيسة كمؤسّسة من مؤسّسات هذا الدهر.

        - لتكرّس استعبادُ رجال الكنيسة لمخاوفهم وأهوائهم في تعاطي كل شأن.

        ماذا جَنَت الكنيسةُ من تصدّي رجل الله أمبروسيوس للأمبراطور ثيودوسيوس؟

        - صار هناك للأساقفة والخدّام في الكنيسة والشعب المؤمن بعامة مقياسٌ وقدوةٌ يقيسون عليها في مواجهة القوى المضادة للمسيح في هذا الدهر.

        - أضحت مخافة الله حيّة في النفوس المؤمنة.

        - صار هناك مثالٌ لإرهاب المخالفين وردعهم.

       - أضحت طاعة الله، بين الناس، في الممارسة، فوق كل اعتبار.

        يبقى أنّ الناس للناس إيقونات إلهية والشيوخ في الروح للأطفال. ويل لنا إذا لم يَعُدِ الله يتراءى للأبناء في إيقونات آبائهم، إذاً لانتفى تجسّد ابنِ الله بينهم واستحال كلامُ الله، في الأذهان، لغواً والأبناءُ يتامى. هذه، لعمري، أقسى التجارب!

        "لما رأى [يسوع] الجموع تحنّن عليهم إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها. حينئذ قال لتلاميذه الحصاد كثير ولكنّ الفعلة قليلون. فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلة إلى حصاده" (مت 9: 36 – 38).

                                                                                يتبع 


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

11 كانون الأول 2005
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share