بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
... قمْ يا الله واحكم في الأرض!

      هوذا تأتي ساعة تتركوني فيها وحيدًا (يو 16: 32)! أقسى ما عانى يسوع، على الأرض، كإنسان، أنّ خاصّته، في ساعةٍ، تركتْه وحيدًا! طبعًا الآب السّماويّ، ويسوع، على الصّليب، معلَّقًا، تركه وحيدًا أيضًا! لذا، في اللّحظة الحاسمة للمصلوبيّة صرخ: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني" (مت 27: 46؛ مر 15: 34)؟ لكنّ الآب فعل ذلك عن منتهى الحبّ! لا شيء عنى لله، في الخليقة، أكثر من الإنسان، بدليل التّجسّد! لذا شرود الإنسان قابله، في الله، شعور – واللّغة بشريّة طبعًا – بالحزن ساحق! لا أوجع من الحبّ! الحبيبُ، مستعدًا يكون لأن ينسحق بالكلّيّة من أجل حبيبه! الحبّ وجود انسحاقيّ! الإنسحاق توارٍ في الحبيب! هكذا، في الثّالوث القدّوس، الآبُ في الابن والابن في الرّوح القدس! فلا عَجَب إن أورد إشعياء النّبيّ عن عبد يهوه، وهو المسيح "المشبوق" على الصّليب، أنّ الرّبّ – والمقصود الآب – سُرّ بأن يسحقه بالحزن (53: 10)! ومسيح الرّبّ، بدوره، سكب نفسه، عن إرادة، للموت (53: 12)! هذا لم يكن أكثر ما أوجع ابن الله المتجسّد، لأنّه، ولو صرخ للآب، على الصّليب: "لماذا تركتني" فإنّ "تخلّي الآب عنه كان تعبير حبّ ولا أعمق، ويسوع سبق أن قال لتلاميذه: "وأنا لستُ وحدي لأنّ الآب معي" (يو 16: 32). الله، متى ترك الإنسان كان تركُه إيّاه دافئًا ولا ألطف، أمّا الإنسان فتركُه اللهَ ولا أبرد ولا أظلم ولا أقسى! الله بتركِه إيّاك يوجدك، أمّا الإنسان فبتركه الله يلغيه!

      يسوع، وهو على الصّليب، ردّد ما سبق أن قاله مرنّمُ المزمور الحادي والعشرين. قال يسوع ما عبر به،  على الصّليب، لكنّه عبَّر، بعمق، في اللّحم والدّم، عن واقع البشريّة منذ السّقوط! اتّخذه بالكامل وانوجع منه حتّى العظم! منتهى الحبّ الاتّحادُ في الوجع! ما قيل في ذاك المزمور كان، أبدًا، معاناة الإنسان خارج كنف الله! الإنسان، في خبرة الوحدة الموحشة حتّى الاختناق ملقى! وإذا كان قد صرخ: "إلهي، إلهي، انظر إليّ! لماذا تركتني" فليس لأنّ الله تخلّى عنه بل لأنّه هو، بالسّقوط، تخلّى عن الله، فألفى نفسه متمرِّغًا في ما اقترفته يداه! فبات الإنسانُ كأنّه يحتجّ: إلهي إلهي، لماذا تركتني أتخلّى عنك؟!

      مشلوحٌ الإنسانُ في الأنين! "أبي وأمّي هجراني..." (مز 26: 10). دودةٌ أنا لا إنسان! عارٌ للبشر! استهزأوا بي! ما من معين! عجول كثيرة أحاطت بي! ثيران سمان! فتحوا عليّ أفواههم! تفكّكت جميعُ مفاصلي! لساني لصق بحنكي! في تراب الموت ألقيتني! كلاب كثيرة أحاطت بي!

      ملعون اليوم الّذي خرجتُ فيه من الفردوس! جنيت على نفسي! أردت أن أكون حرًّا من الله فصارت لي حرّيّتي فخًّا! غبيًّا كنتُ ولا معرفة عندي، يوم حسبت الوجود في كنف محبّة الله عبوديّة! تركتُ نفسي يوم تركتُه! يوم كنتُ بين يديه كنتُ حيًّا فرحًا ومن يوم أخذت مصيري بيدي صرت أتقلّب في الموت والشّقاء! صرت أعيش وحيدًا وأموت وحيدًا! كلّ النّاس إليك إذا كنتَ نافعًا لهم، وكلّ النّاس عليك إذا لم يكن لك ما تغذّي به أنانيّاتهم! عليك دائمًا أن تشتري عِشرة النّاس بما لديك، بجسدك، بفكرك، بكلامك، بعواطفك، وإلاّ تركوك وحيدًا حتّى الموت والابتسامة "المهذّبة" على شفاههم! مسكين! لا يعرف أن يتدبّر! ثمّ هم بدورهم يَعبرون بما يعيِّرونك به، ويَلقون ذواتِهم في عزلة خانقة نظيرك ويشتكون! تستعملك البشريّة حتّى العَظم، ثمّ، متى استنفدتك، تلقيك في صندوق قمامة التّاريخ غيرَ آسفة لأنّك تصير عبءً عليها!

      مكتوب عليك، في الحال الّتي أنت عليها، أن تكذب وتراوغ وتمثِّل لتعيش، ليرضى الآخرون عنك، عساك تشعر، في رضاهم، بشيء من الدّفء الإنسانيّ، فلا تموت مرميًا في أصقاع الوجود وحيدًا، وأنت، حتّى بين مَن تشاطرهم التّكاذب وتحسبهم إخوة وأحبّة!

      أيتغيّر الإنسان؟ لا، قال صاحبي! قالها مرّات قبل أن يستودع اللهَ روحَه! طيَّبَ الله ثراه! بلى، يتغيّر الإنسان، خارجيًّا! يتشكّل مشاكلة النّماذج المرغوب فيها، والمعروضة عليه! ولكن، ماذا عن القلب؟! كلّ بلاء الإنسان ممّا هو مختزن في هذا القلب! القلب نجيس مَن يعرفه! في العمق، العمق، لا يشاء الإنسان أن يتغيّر! يجعله الضّيق يتلملم ويستتيب*، ثمّ متى انفرج ضيقُه، ولو قليلاً، يعود وينفلش من جديد، كذنَب الكلب، لا يشاء أن يستقيم!

      ليس غير العارف بالقلوب يغيِّر القلوب، إذًا الإنسان كلَّه، حتّى لا يبقى مِسخًا! عِشقُ الإنسان لنفسه صَلْدٌ أكثر من الحديد! نارٌ كثيرةٌ ولا يَلين القلب! لذا كان الموتُ عسى الإنسان يلين!

      حتّى لمّا تركتني، وما تركتني، فعلتَ لأنّك أحببتني! ما لم يتشلّع بيتُ الإنسان أوّلاً ما أمكنه أن يتغيّر! الخطيئة طبيعتُنا المستجدّة! "كُفّوا عن الإنسان الّذي في أنفه نسمة لأنّه ماذا يُحسَب" (إش 2: 22)؟!

      كان لا بدّ لأيّوب أن يُفرَّغ بالكامل من عائلته وما له وصحتِه ويُقيمَ عند المزبلة في القروح وأَرَقِِ اللّيل وأنين العمر حتّى يعرف، في الكيان، حقيقة نفسه! لا، ليست التّوبة أن تعود عن مخالفاتك للوصايا. هذه قشرةٌ خارجيّة للتّوبة! التّوبة أن تلامس قَعْر ما أَنْبَتَ فيك الخطيئة، لتعاين ذاتك العميقة وما آلت إليه! أَعْدَمَ من العدم صِرتَ! التّراب والرّماد وحدهما لا يفيان خرابَ الإنسان حقَّه وصفًا! إذا كانت للخطيئة صلةٌ بالعدم فلأنّها متعة العدم! تلعق النّفس دمَها وتستمتع!!!

      كان لا بدّ من التّوبة أوّلاً! هاتِ حدّثنا، يا أيّوب، عن شقاء البشريّة والتّوبةِ الحقّ لأنّك أنت أُلقيتَ في الجبّ لتكون لنا عبرةً!

      "لِمَ يُعطَى لشقي نورٌ وحياةٌ لِمُرِّي النّفوس؟ الّذين ينتظرون الموت وليس هو ويحفرون عليه أكثر من الكنوز؟ المسرورين... عندما يجدون قبرًا لرجل، قد خفي عليه طريقُه، وقد سيَّج الله حوله؟ لأنّه مثل خبزي يأتي أنيني ومثل المياه تنسكب زفرتي..." (أي 3).

      أين أنت يا الله؟! "إلهي، إلهي، انظر إليّ، لماذا تركتني؟" لست أجد بإزائي سوى مسيح الرّبّ! كَعِرْقٍٍ من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه... رجل أوجاع... محتقر فلم نعتدّ به! هذا هو نفَسي، إلهي، حبيبي، مشلوحًا، مشبوحًا، محتجبًا! أخذني معه واتّخذني... آثامهم هو يحملها! من تعب نفسه يرى ويشبع... يبرِّر كثيرين! بَرِّرْني لأنّه ليس لي ما أتبرَّر به! إنّني أُشاهد خدرك مزيَّنًا يا مخلِّصي... ولست أمتلك لباسًا للدّخول إليه... فأبهجْ حلّة نفسي يا واهب النّور وخلِّصني...

      تبُ عليّ، يا روح أنوفنا، لأَتبْ إليك! فإنّه ليس لي في السّماء سواك ولا في الأرض ما عداك!

      وحده مسيح الرّبّ جديد! اللّهمّ بادر إلى معونتي!

      قمْ يا الله واحكم في الأرض، لأنّك ترث جميع الأمم!

      ... ومن السّاعة السّادسة، من ساعة تجرّأ آدم على الخطيئة، في الفردوس، كانت ظلمة على كلّ الأرض... فصرخ يسوع، أيضًا، بصوت عظيم وأسلم الرّوح... التّلاميذ تواروا... ويسوع مات وحيدًا! موت الخاطئ قابله، أخيرًا، موت البار!

      لا، لم تكن هذه النّهاية ولو أُسدل السّتار بشريًّا! فجأة تبدّدت الظّلمةُ وفاضت السّماء بهاء على عتمة القلوب! هذه كانت تعابيرَها: انشقّ حجاب الهيكل اثنين والأرض تزلزلت والصّخور تشقّقت والقبور تفتّحت وقام كثير من أجساد القدّيسين الرّاقدين وظهروا لكثيرين... وكانت هناك نسوة كثيرات ينظرن من بعيد...

      "صوت حبيبي. هوذا آت طافرًا على الجبال قافزًا على التّلال... قومي يا حبيبتي... تعالَي... الشّتاء قد مضى والمطر مرّ وزال. الزّهور ظهرت في الأرض... صوت اليمامة في أرضنا... حبيبي لي وأنا له..." (نش 2).

      قد قام. ليس هو ههنا! لماذا تبكين؟! مريم!

      وجاء يسوع والأبواب مغلقة... سلام عليكم... ثمّ نفخ فيهم وقال خذوا الرّوح القدس... أما قلت لكم: "سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم. في ذلك اليوم لا تسألونني شيئًا..." (يو 16: 22 – 23)؟ ففرح التّلاميذ حين أبصروا الرّبّ...

      الفصح أشرق! لا ظلمة بعد! "وسيمسح اللهُ كلَّ دمعة من عيونهم، والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لأنّ الأمور الأولى قد مضت" (رؤ 21: 4).

      حقًّا لقد قام الرّبّ... وعاد التّلاميذ وعدنا... بفرح عظيم! فالمجد لله!

* يطلب التّوبة.

  

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

24 نيسان 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share