<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
نقاط على الحروف
الحكم والإدانة

       أُميِّز، في هذه المقالة، بين الحكم والإدانة. أقصد بالحكم ما له علاقة بإصدار الأحكام بناء للبيِّنات، فيما الإدانة تتناول ما له علاقة بالنّوايا والأفكار العميقة للقلب. البيِّنات تكون، إلى حدّ ما، أو إلى حدّ بعيد، في متناول الأفراد والأجهزة المختصّة والهيئات الخاصّة والعامّة، لذا تكون الأحكام على فعل أو قول، وكل أمرئ يكوّنها ويتعاطاها في تعامله مع النّاس، وكذا كلّ هيئة وجهاز رسميّ أو خاص. مثلاً، إذا كذب عليك أحد أو غشّك أو احتال عليك، وتبيّن لك، بعد الاستقصاء، أنّه فعل ذلك حقًّا فإنّك تصدر حكمًا عليه بينك وبين نفسك، تأخذ حذرك منه أو تقاضيه، ولا تصدّقه، فيما بعد، بسهولة، وقد تصرف النّظر عن التّعامل معه، أو إذا وددت متابعة التّعامل معه، لأسباب موجبة، فإنّك تتدبّر الأمر على نحو تحاذر معه غشّه واحتياله وتسعى، بما تؤتى من وسائل، إلى التّأكّد من صدقيته. كذلك إذا ارتكب امرئ فعل سرقة فإنّه يجري القبض عليه والتّحقيق معه وربّما مقاضاته والحكم عليه، أوّلاً لتأديبه وثانيًا ليكون عبرة لمَن يعتبر. الأحكام، على الصّعيد الشّخصيّ أو على صعيد الحقّ العام، أمر تلقائيّ لا بدّ منه لاتّزان العلاقة بين النّاس وضبط التّفلّت والأهوائيّة في المجتمع وإلاّ يفترس النّاس بعضهم بعضًا ولا تعود الحياة العامّة ممكنة. النّظام والقانون أساس المجتمع لأنّ الإنسان مائل إلى أهوائيّته، وهو بحاجة إلى ما يخيفه ويؤدّبه ويردعه لئلا يتمادى في الضّلال فيؤذي نفسه والآخرين. الأحكام، على هذا الصّعيد، يمكن أن تكون جائرة كما يمكن أن تكون مخفّفة. المهمّ أن تكون عادلة. الظّلم مقيت في كلّ حال والرّخاوة أيضًا. لكلّ إنسان الحقّ في أن يُعامَل بإنصاف. المجتمع الّذي يحترم القانون يسوده السِّلم الأهليّ ويُبنَى حسنًا متماسكًا. والمجتمع الّذي لا يحترم القانون يكون عرضة للفوضى والتّفكّك. ينتمي إليه النّاس بفعل إقامتهم فيه ولكنّهم لا يلتزمونه. يتعاطونه سلبًا ولا تتضافر قواهم على إنمائه وصونه. تسوده الصّراعات ويلفّه الإحباط على كلّ صعيد ويحكمه الاستغلال، ويكون فيه النّاس غرباء في وطنهم معادين له.

       والعدالة في المجتمع سبب ازدهار لا فقط متى نال فيه كلّ مواطن حقّه المدنيّ ومتى كانت فيه العلاقات بين النّاس مبنية على أساس الأمانة والاستقامة، ولكن، بالأولى، متى عمّقت هذه العدالة الشّعور الإنسانيّ لا بالحقّ المدنيّ والتّعامل الصّادق بين النّاس وحسب، بل بالحقّ الإلهيّ والتّعامل المحبّيّ العميق بينهم. وهذا يطرح موضوع روح الإدانة في تعاطي النّاس شؤون بعضهم البعض. لذا يُفترض أن تكون للأحكام الّتي تصدر عن الجماعات والأفراد قيمة روحيّة أوّلاً. الأحكام، في العمق، ليست لردع المشاغبين وأخذ الحذر منهم وحسب. هذا وجه اجتماعيّ قانونيّ سالب، لازم، طبعًا، لتأمين استمراريّة المجتمع المسالِم والمنتِج وكذا التّعامل على أساس الصّدق بين النّاس، لكنَّ الوجه الأساسيّ لهذه الأحكام هو الوجه الرّوحيّ. هذا ما يعمِّق العلاقات الإنسانيّة، وعمليًّا الإلهيّة بين النّاس. بدون هذا الوجه تبقى العلاقات سطحيّة ولو منظّمة ومستقيمة لأنّ كلّ إنسان يكون فيها لوحده، فردانيًّا، منعزلاً عن الآخرين ولو تعامل معهم في مستوى البيع والشّراء والوظائف والإدارة وما شاكل ذلك.

       إدانة الإنسان معناه أن يحكم الواحد على الواحد بأنّه فاسد أو شرّير أو خَطِرٌ عليه أو مزعج له ومن ثمّ أن يتجاهله أو يلغيه. أوّلاً لا حقّ لأحد بإصدار مثل هذا الحكم على أحد لأنّه لا يعرف حقيقة ولا قيمة ما في قلبه. لا يعرف حقيقة ظروفه ولا طبيعة حسّه ولا ما إذا كان قابلاً للإصلاح أو العِشرة الطّيّبة أم لا. وثانيًا لا حقّ له في تجاهله وإلغائه لأنّه، إذ ذاك، يكون قد قتله في نفسه واكتفى بذاته وتصرّف بإزائه كأنّه غير لازم أو غير موجود. وفي هذا الموقف تخلّ للواحد عن إنسانيّته وعن الآخر كإنسان. الإنسان إنسان في انعطافه على الإنسان لا في ذاته. لا يكفي التّاجر أن يبيعك سلعة بربح مشروع ليكون إنسانًا. ولا يكفي الصّحافيّ أن ينقل لك الوقائع بصدق، ولا الموظّف أن يعمل عشر ساعات في اليوم بأمانة، ولا السّياسيّ ألاّ يكذب ولا الأستاذ أن يعلّم بأمانة ولا الصّيدلانيّ أن يعطيك دواء دون أن يغيِّر في تاريخ صلاحيّته، ولا الوزير ألاّ يسرق، ولا أن تحترم إشارة السّير. طبعًا كلّ ذلك حسن، لكنّه لا يكفي هؤلاء ولا أيّ إنسان أن يكون نظاميًّا وأن يؤدّي وظيفته بأمانة كأمانة الآلة الصّمّاء ليكون إنسانًا وإنسانيًّا. طالما أنّك تتعامل مع النّاس فلا حقّ لك في أن تتعامل معهم تعاملاً آليًّا أو كأنّهم، في أعماقهم، سيّئون، ولو أساؤوا التّصرّف وارتكبوا جنحة أو حتّى جريمة، في وقت من الأوقات، كما لا حقّ لك في أن تتجاهلهم وتتجاهل حالهم وتكتفي، من التّعامل معهم، بالتّبادل التّجاريّ وإيّاهم ولو بأمانة واستقامة. هذا لا يجعلك إنسانًا بل آلة. لذلك أنت لا تدين أحدًا ولا تتجاهل أحدًا بل تحبّه، تعامله كأخ أكنت عارفًا مَن يكون أم لا. همّك لا ما تبيع لتحقّق ربحًا ماليًّا، همّك مَن تبيع لتحقّق ربحًا إنسانيًّا أوّلاً وقبل كلّ شيء. مَن تتعامل معه تخدمه، تلتزمه، تسعى لأن تفيده. هذا لا ينفعه هو وحده بل ينفعك أنت أيضًا لأنّك بخدمتك له، باهتمامك به، تصير إنسانًا، تحقِّق إنسانيّتك. الإنسان قلب لا جزيرة، لذلك لا يليق به أن يتصرّف كآلة، والآخر الّذي يتعامل معه قلب أيضًا لذلك لا يليق به أن يعامله كسلعة أو كزبون. إذا لم يتبنّ الإنسان الإنسان، إذا لم يؤاخِه، إذا لم يصفح عنه، إذا لم يتخطّ ما أساء به الآخر إليه، إذا لم يكن مستعدًّا لأن يكون معينًا له، في الموقع الّذي يكون فيه كلّ من الخادم والمخدوم، بكلام آخر، إذا لم يحببه، إذا لم يلتزمه كأخ فإنّه لا يصير إنسانًا. الإنسان صيرورة. لا يولد الإنسان إنسانًا بالطّبيعة. يولد طاقة إنسان. فإن امتدّ صوب الآخرين ووظّف هذه الطّاقة الّتي فيه، وأقصد بها طاقة الحبّ، طاقة الخدمة، طاقة الصّفح، طاقة البذل، طاقة العطاء، فإنّه، إذ ذاك، وإذ ذاك فقط يصير إنسانًا؛ وإذا لم يفعل ذلك فإنّ طاقة الإنسانيّة فيه تموت. يقع في الفردانيّة ويصير صورة تتحرّك ولكنْ لآلة ميّتة لا روح فيها.

       أن لا يدين الإنسان أحدًا معناه، في نهاية المطاف، أن يحبّ. بلى أنا حافظ لك كأخي وأنت حافظ لي كأخيك. لا أنا من دونك إنسان ولا أنت من دوني إنسان. إذا لم أنعطف عليك فإنّي لا أصير إنسانًا. أبقى مشروع إنسان لم يتحقّق. لذلك ما لم تكتمل أحكام الإنسان، ولو القويمة، بمحبّة والتزام الإنسان للإنسان لا سيّما إذا ارتكب السّيّئات، فإنّ المجتمع يكون في الشّكل إنسانيًّا وفي العمق نفسانيًّا شيطانيًّا. ما هو أكثر شيطانيّة من القتل أن تلغي النّاس في وجدانك كائنًا ما كان السّبب. ما هو أكثر شيطانيّة من سرقة النّاس أن تتجاهل كرامتهم كبشر بغضّ النّظر عمّا يعملون. ما هو أكثر شيطانيّة من الكذب أن توحي للنّاس بأنّك تعاملهم بتهذيب فيما تتعامل معهم كأرقام. مجتمع بلا حبّ، بلا التزام الإنسان للإنسان في كلّ أمر، في كلّ حال، في كلّ تعامل، كأخ، هو مجتمع نفسانيّ شيطانيّ. رأيت مدنًا منظّمة مرتّبة نظيفة، ولكن لا يحبّ فيها أحد الآخر، بل كلّ واحد متروك فيها لشأنه، حتّى الموت، فقلت هذا هو الجحيم بعينه. باردة وجدتُها، ووجدت النّاس يعيشون فيها في وحشة حتّى الموت وليس مَن يبالي بهم، فقلت الأبقار في الضّيعة عندنا أفضل حالاً! أولئك تشغّلهم وتنظّمهم وتزوّدهم بكلّ ما يحتاجون إليه وتطعمهم وتجعلهم في بيوت لها حدائقها، لكنّك تتركهم وحيدين بلا حنان ولا تبالي بما يحسّون ولا ممّا يعانون، تهمُّك أجسادهم وعقولهم ولا تهمّك أرواحهم. أمّا الأبقار عندنا فنرأف بها ونلاطفها ونعاملها كأنّها من أهل البيت ونمسح جلدها برفق تحبّبًا، ندلّلها، ولها، هي أيضًا، عنابر نظيفة وحدائق غنّاء. أيّهما يكون خيرًا من الآخر: الّذي عنده كلّ ما يحتاج إليه، وظيفةً وسلعًا ومتعًا، ولكن ليس له مَن يسأل عنه ولا مَن يبالي به ويُترَك ليموت في الوحشة والبرودة واللامبالاة الإنسانيّة والعتمة، أم الّذي عنده ولو القليل ولكن ثمّة قلب يحبّه ويبالي به ويعطف عليه ويأخذه على عاقته؟!   


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

13 حزيران 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share