فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
نقاط على الحروف
من الرّوحيّات إلى النفسانيّات
في الكنيسة!.

   الرّوحيّات، في حياة الإنسان، شيء، والنّفسانيّات شيء آخر. كثيرًا ما يخلط النّاس ما بين هذه وتلك. في الرّوحيّات، طبعًا، جانب نفسيّ، هذا شيء آخر. أما النّفسانيّات فمختلفة تمامًا، في ذاتها، عن الرّوحيّات. المشاعر مثلًا من النّفس، لذا الرّوحيّات، أي تعاطي ما لروح الرّبّ، في العادة، تتضمّن جانبًا شعوريًّا. هذا هو الإنسان. له مشاعره. لكنّ الرّوحيّات ليست من الإنسان ولو أُعطي له بالنّعمة أن يتعاطاها. هي من فوق. فيها يتعاطى الإنسان ما هو إلهيّ ولكن طبعًا كإنسان، في النّفس والجسد. لذا الرّوحيّات فينا ذات طبيعة إلهيّة بشريّة، فيما النّفسانيّات بشريّة بَحْت. من هنا القول إنّ الرّوحيّات شيء والنّفسانيّات شيء آخر تمامًا. طبعًا، حسمًا للالتباس، ألفت إلى أنّ المقصود بـ"ما للنّفس" غير المقصود بـ"النّفسانيّات". "ما للنّفس" هو ما يمتّ بصلة لما هو من طبيعة الإنسان، لـ"نفسه"، فيما "النّفسانيّات" هي خبرات بشريّة نفسانيّة حصرًا!

   على هذا، للرّوحيّات تعابيرها. النّفس والجسد هما اللّغة الّتي يعبّر بها روح الله عن نفسه فينا. روح الله يتّحد بنا في النّفس والجسد، ولكن دونما اختلاط أو تشويش. مثالنا النّار والحديد. يتّحدان لكنّهما يتمايزان. لذا كيان الإنسان المعبِّر عن ذاته، في النّفس والجسد، يبقى وروح الله، متى كان فيه، متمايزَين، لكنّهما قابلان، بالنّعمة، لأن يتّحدا. اتّحادهما يجعل الإنسان قدّيسًا. يُدخله مدار الله. يشترك الإنسان، إذ ذاك، في نور الله، في حياة الله، في محبّة الله، أي في الله عينه، لأنّ الله نور وحياة ومحبّة. النّفسانيّات، بما فيها العقليّات، لا يمكنها أن تتعاطى الرّوحيّات إلّا كموضوعات. لا تعرفها كخبرة. لذا الرّوحيّات بالنّسبة للنّفسانيّات هي تصوّرات أو مفاهيم أو مشاعر. بسهولة، في إطار النّفسانيّات، يُعطي الإنسان تأمّلاته أو أفكارَه أو أحاسيسه صفة الرّوحيّات. يحسب أنّه يتكلّم في ما يسمّيه "ما ورائيّات"، في الفكر، في الشّعور، في ما هو فوق الحسّ. قد يعتبر الله عقلًا. وقد يَدلف، من هذا الحسبان أو ذاك، إلى ما يظنّه خبرة ميستيكيّة تصله بما يفوق الإنسانيّات أو بما يتخطّى المدى الفكريّ الشّعوريّ، خارج حدود الإنسان والمحسوسات. على أنّ النّفسانيّات والجسدانيّات تُدخل الإنسان، شاء أم أبى، درى أم لم يدرِ، مدار الشّيطان، من حيث كون الإنسان يعاني السّقوط. والسّقوط معناه أنّ ما هو تلقائي لدى الإنسان هو أنّه يميل لأنّ يتحرّك في مدار الشّيطان ويتلقّى، من ثمّ، تأثيره فيه. كلّا، لم يصر شيطانيًّا بالكامل لأنّ الحركة باتّجاه الشّيطان ليست في الوضع الّذي آل إليه فقط، بل ذات صلة بإرادة الإنسان أيضًا. لم يفسُد الإنسان بالكامل ولو بات مائلًا إلى الفساد. إمكان صُنع الخير لا زال قائمًا فيه، ولو مال بقوّة لأن يدور حول نفسه بتأثير السّقوط على غرار الشّيطان. على أنّ صُنعه للخير بات بعامّة في خلفيّة حبّ الذّات، عملًا تلفيقيًّا. لكن هذا لا يمنع، في حالات قصوى، أن يبذل الإنسان نفسه عن الآخرين، لا عن خاصّته فقط، بل حتّى عن الّذين يتحرّك قلبه تجاههم! هذا يشير إلى أنّ قلب الإنسان يبقى في عمقه سرًّا لا يسبر غوره إلّا باريه! في الإنسان ما يكفي من الثّقل ليهوي إلى أسافل دركات الأرض، إذا ما استسلم لهواه، ولكنْ، فيه أيضًا، إمكان التماعات لتعلو به إلى أعالي السّماوات! في التّاريخ، بعد السّقوط، هناك قايين وهناك إبراهيم. وإذا ما كان لروح الخبيث أن يتغلغل في النّفوس الّتي تستسلم إراديًّا للمآثم، فإنّ لروح الله، لا محالة، أن يتغلغل في النّفوس الّتي ترنو أو حتّى تتوق إلى المعالي، ولو على نحو غامض، من حيث إنّ وجه الله لم يكن يُرى قديمًا. من دون روح الخبيث، لا يُلقي أحدٌ بنفسه في الهاوية. الشّرير هو المسبِّب الأوّل للإثم وشريك دائم فيه!. لذا الشّيطان لا فقط سبق له أن كان وراء سقوط الإنسان، ذات مرّة، بل يعمل بلا كلل على إغواء كلّ نفس وإيهان إرادتها، في كلّ حين، لتستجيب لإيحاءاته وتستسلم، كما باليأس، إلى حبّ الموت الّذي يبثّه فيها. "كلّ مبغضيّ يحبّون الموت"!. كذلك من دون روح الله لا يسمو أحد إلى البذل والتّضحية. لذا لا فقط لم يبقَ الله عند حدود طرد آدم وحوّاء من الفردوس، ذات مرّة، بل هو مستمرّ في العمل بلا كلل على حثّ كلّ نفس، في كلّ حين، إلى الاندفاع باتّجاه الصّلاح، كما بذِكر الفردوس الأوّل والحنين إليه، تشوّفًا، على نحو معاينة ضبابيّة، إلى حبّ الحياة والخلاص.

   النّفسانيّات تميل إليها النّفس بصورة تلقائيّة، فيما لا يدخل المرء في الرّوحيّات إلّا بمخالفة الهوى التّلقائيّ للنّفس وضبطها وغصبها بالجهاد والتّعب في اتّجاه الأحكام الرّوحيّة. النّفسانيّات تختبرها النّفس لأنها ترغب فيها بقوّة السّقوط، أي بأمرَين: بدافع طلب الإنسان ما لذاته، وبرفضه إئتمان أحد على نفسه!. الجهد الّذي يبذله الإنسان في تعاطي النّفسانيّات، إن بذله ومتى بذله، مردّه ما تشتهيه نفسه، ما تطلبه أناه، ما يرضي غروره، ما يُشبع كبرياءه، ما يرسّخ عبادته لذاته... إرادته، والحال هذه، إرادة نفسانيّة. همّه فيها نفسه، أوّلًا وأخيرًا، وللآخرين الفتات الّتي تسقط من موائد الأرباب. أمّا الرّوحيّات فتختبرها النّفس لأنّها ترغب فيها بقوّة الإيمان بالرّبّ يسوع المسيح. إذا كان الإنسان في تعاطي النّفسانيّات يطلب ما لذاته ولا يأتمن أحدًا على نفسه، فإنّه لكي يتعاطى الرّوحيّات يحتاج لأن يطلب ما لله أوّلًا، وما للآخر بعامّة، كما يحتاج لأن يأتمن الله بالكامل على نفسه!. هذا هو الإيمان بالرّبّ يسوع المسيح. في النّفسانيّات، في نهاية المطاف، القضيّة قضيّة حبّ ذات. في الرّوحيّات القضيّة قضيّة حبّ لله. النّفسانيّ لا يحبّ إلّا ذاته. حتّى إذا أحبّ غيره أحبّ ذاته فيه، أحبّه كمَن هو له أو لقضاء حاجة له فيه!. لذلك النّفسانيّ لا يؤمن إلّا بنفسه ولا يأتمن أحدًا على نفسه. هذا، في عمقه، في كيانه!. في الظّاهر، يُسبغ على مَن يعتبره "حبيبه" عواطف ومشاعر وكلامًا جميلًا معسولًا، ولكن، هذا، وعى أم لم يعِ، يكون للاستهلاك، لأنّه ينشغف بما هو له، كما ينشغف الطّفل بلعبة يريدها لنفسه!. في العمق، يغار النّفسانيّ على غيره كما يغار على مقتنياته، على سيّارته الجديدة... لا يعرف النّفسانيّ أن يحبّ الآخرين، يعرف أن يحبّ الأشياء!. ولأنّه كذلك، يتعاطى الله والآخرين كأفكار، كأدوات... يمكن أن يكون الله في أفقه موجودًا لكنّه يتعاطاه نفعيًّا. لذا إيمانه نفعيّ نظير إيمان البرص التّسعة الّذين شفاهم الرّبّ يسوع ولم يعودوا ليشكروا. لذلك، فقط للسّامريّ، الّذي عاد شاكرًا، قال يسوع: "اذهب، إيمانك قد خلّصك"!. هناك إيمان يُغيّر قلب الإنسان ويملؤه من محبّة الله، وهناك إيمان يبقى معه قلب الإنسان على حاله لأنّ صاحبه يبقى ممتلئًا من محبّة ذاته!. الإيمان الّذي لا يُغيّر عمق الإنسان إيمان ميت، حتّى لو شفاه يسوع من مرض عضال. الإيمان الحيّ الحقيقيّ هو الّذي يُطلق الإنسان في معارج محبّة الله والنّاس. من هنا أنّ الإيمان الحيّ هو إيمان كيانيّ فيما الإيمان الميت، إذا وُجد، هو إيمان دماغيّ أو مشاعريّ. بالقياس عينه، هناك إلحاد كيانيّ وإلحاد فكريّ، ما يجعل أنّ الإنسان يمكن أن يكون مؤمنًا بالرّبّ يسوع المسيح، في فكره، ملحِدًا في كيانه؛ كما يمكن أن يكون ملحِدًا بالفكر، من باب ردّ الفعل الرّافض لممارسات ملتوية خبرها في المؤسسة الكنسيّة، ويتمتّع بحالة كيانيّة إيمانيّة حيّة فذّة!.

   هذا يجعل أنّ الإيمان بالرّبّ يسوع لا يأتي من فكر دماغيّ ولا من شعور عاطفيّ. القراءة والأخبار الّتي تحرّك المشاعر لا تعطي بالضّرورة إيمانًا مهما تَبحّر المرء في الكتب الكنسيّة وسمِع قصص العجائب والقدّيسين!. هذه ربّما تغيّر القناعات، لكنّها لا تغيّر، بالضّرورة، القلب وسيرة الحياة!. الإيمان الحيّ يأتي إمّا من تنشئة أو من عِشرة قوم يؤمنون أو من ألم يزلزل النّفس. لكنّه لا يأتي بصورة تلقائيّة. الأمر ليس آليًّا. ثمّة حالة كيانيّة في الإنسان، وحده ربّك عارفها، تجعله مهيّئًا لأن يؤمن بالرّبّ يسوع إيمانًا حقّانيًّا. الرّبّ يسوع، في هذا السّياق، يطلب الإيمان ويُعطيه في آن معًا!. هناك إيمان من الإنسان هو هذه الحالة الكيانيّة الّتي أتكلّم عليها، وهناك إيمان من الله يُعطيه نتيجة توفّر مثل هذه الحالة أو ربّما لسبب آخر اللهُ عارفُه وهو حرّ فيه وليس لأحد أن يُسائله في شأنه!. الإيمان مُعطًى إلهيّ بشريّ. هذا لا شكّ فيه. يسوع شفى العديدين لأنّهم آمنوا به، لكنّه قال في آن، إنّه لا أحد يأتي إليه ما لم يجتذبه الآب السّماويّ. الإيمان الحيّ، في الحقيقة، هو أن يُعطي يسوع نفسه بالنّعمة لنا!. المرأة النّازفة الدّم، ما إن قالت في نفسها إنّي إن مسست ولو ثيابه برئت، حتّى خرجت للحال قوّة منه فبرئت من ساعتها!. هذه ليست قوّة غاشمة!. هذه إيّاه، يسوع، روحه!.

   في ضوء ما تقدّم، ثمّة إيمان روحانيّ وإيمان نفسانيّ في الكنيسة. طبعًا هذا كان أبدًا في الوارد في التّاريخ. ولكن كانت الرّوحيّات، إلى منتصف القرن العشرين، بارزة إلى حدّ ليس بقليل. السّبب بخاصّة، كان التّنشئة والفقر وصلابة النّفس بسبب حاجة الإنسان إلى التّعب الجسديّ الحلال ليعيش... بعد منتصف القرن العشرين دَلَفنا إلى تغيير كبير!. دخلنا في مرحلة الغزوة القيميّة الدّهريّة للعائلة، والبحبوحة، والضّعف في النّفس، بسبب نفور الإنسان من التّعب الجسديّ الحلال والتماسه، في المقابل، الرّاحة الّتي تعِد بها علوم الدّنيا وقيمتها واستسهال الكسب الحرام!. الرّوحانيّات باتت كأنّها غريبة عن جو الإنسان وفكره ونمط الحياة المستجدّ لديه، كما باتت صعبة وبعيدة المنال. على هذا أخذت النّفوس تحيد، على نحو متزايد، عن الرّوحانيّات لتستقرّ في الوثنيّات النّفسانيّة، أي الّتي تتعاطى الإلهيّات بصورة شكليّة. المعرفة الكتبيّة أخذت تَحِلّ محلّ المعرفة الرّوحيّة. الفكر أخذ يحلّ محلّ الفضيلة. تزيين الكنائس أخذ يحِلّ محلّ تزيين القلوب. الطّقوس المجمّلة أخذت تحلّ محلّ العبادة بالرّوح والحقّ. النّشاطات الكنسيّة الاجتماعيّة أخذت تحلّ محلّ خدمة المحبّة والموائد. حياة الصّلاة أخذت تضمحل في الممارسة العامّة. صار يُكتفى منها، عند اللّزوم، على الصّعيد الشّخصيّ، بالحدّ الأدنى. الصّوم صار جُلُّه امتناعًا عن أنواع من الطّعام وأحيانًا كثيرة دونما علاقة بتنقية القلب وخدمة الفقير. خدمة الفقير حيثما وُجدت أخذت تتمأسس وتفقد طابعها الشّخصيّ، ومن ثمّ لم تعد لها قيمة محبّيّة شركويّة!. حياة العفّة الّتي هي أمّ كلّ فضيلة تسقط في النّسيان ولا يعود لها محلّ من الإعراب!. الازدواجيّة في المسرى باتت أمرًا عاديًّا. كلٌّ يصير لنفسه. الحياة الكنسيّة تستحيل موضوعًا مزاجيًّا استنسابيًّا. الرّوحانيّات تتمسرح وتصير الكنيسة مدًى مشرّعًا للدّهريّات...

   في الشّكل، في الظّاهر، كلّ شيء يدلّ على أنّ ثمّة نهضةً، ولكن لا نهضة في الرّوح البتّة!. أكثر الكنسيّات الرّاهنة نفسانيّات!. يعلمون أو لا يعلمون؟. ما الفرق؟. طالما يحسبون أنّهم بألف خير، وهم مكتفون بما هم فيه!.

   أَيْنَاك يا إرميا النّبيّ يا بَكّاء أورشليم؟. ما أشبه زماننا بزمانك!. أما تُحدّثنا عنه؟. هذا ما قاله ربّي: "قد نبذت هيكلي وهجرتُ ميراثي وسلّمتُ حبيبة نفسي إلى أيدي أعدائها... رعاة كثيرون أتلفوا كرمي... ها أنا أقتلعهم من أرضهم... ولكن، بعد أن أستأصلهم، أترأف عليهم..." (إرميا 12).


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

5 شباط 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share