الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
نقاط على الحروف
رعيّة ونبيّ

      لا تستقيم الرّعيّة بلا نبيّ ولا تُجدي النّبوّة في رعيّة ميتة، لكنّها تبقى صوتًا هادرًا إلى جيل بعد جيل على مثال صوت إرميا. على أنّه إذا كانت الرّعاية والنبوّة متلازمتَين متكاملتَين فلكلّ منهما مسراه.

       الرعاية احتضان متواتر ابتغاء وجه العليّ في كلّ حين. فيها الأبوّة والعطف وفيها الأمومة والحنان. اتّخاذ شخصيّ، للصغير والكبير، للمرأة والرجل، للرضيع والفتى والشّاب والرّجل والكهل والمسنّ، كلّ وفق حاجته. لذا كانت الرعاية ذا نَفَس طويل وعلى متابعة للجميع، فردًا فردًا. في الرّاعي القِوامُ قداسةٌ وصبر وتواضع ودموع وصوم وصلاة ولطف وتأديب. لا هناء للراعي ولا استكانة، في الوجدان، إلاّ بالتّعب لحفظ الرّعيّة واستعادة الخرفان الضّالة إلى الحظيرة ولو كان الضّال واحدًا. الرّاعي، كحبقوق النبيّ، واقف أبدًا على محرسه، لا ينام حتّى تكون للرعيّة راحة وأمان من غدر الذّئاب العقليّة. الرّاعي شهيد مستديم يرعى النّاس على الشّهادة، على ما عرف وخَبِر. يغرف من فوق ويقدّس ويوعب مَن هم في عهدته. الكلمة، في امتداده، معطَّرة بطيب الحضرة الإلهيّة في ثنايا نفسه. يحيا ويموت ليرعى وقد لا يعرف ما أنتج طالما بقي على قيد الحياة. نصيبه السّعي الدّؤوب لحضن خراف المسيح، ويجهل، إلى حدّ بعيد، ما يجرى بيديه لأنّ الرّوح هو المريد والفاعل فيه إن صدق واستقامت رعايته، وثمار الرّوح ليست، دائمًا، بيِّنة. لكنْ تكون له دموع ورجاء وسلام في القلب.

       على أنّ في الرّعاية خشية ومخافة. الخشية أن تبرد محبّة العليّ في القلوب، خدّامًا وشعبًا، وأن تتشوَّش الأذهان وتُعتم النّفوس، فتجنح الخراف وراعيها إلى البلادة والخمول ويُغويها تعظّم المعيشة وتستهويها إنجازات هذا الدّهر وطموحاتُه وأفكارُه وتتعطّل البوصلة الرّوحيّة. لهذا الدّهر خِلابتُه متى فترت الهمم في توثّبها إلى المعالي والتماس وجه العليّ. الخطر الكبير، إذ ذاك، أن يتحوّل القلب من كون الشّعب شعباً لله إلى كون الرّبّ الإله ربًّا وإلهًا لهذا الشّعب. المحور، ساعتذاك، يتحوّل من الله الكائنِ الشّعبُ إليه إلى الشّعب الذي يضحى الإله إلهًا لديه. هذا يجعل، في الوجدان، الأهواءَ ما يدور الإله في فلكه عوض أن يدور الشّعب في فلك الحضرة والكلمة الإلهيّتَين. الله يمسي، والحال هذه، خادمًا لمرامي الشّعب ومقاصده، وتاليًا وهمًا، وثنًا. الإلهيّات، إذ ذاك، تتصنّم. لا تعود للحياة الجديدة بل لتزكية العتاقة في النّفس البشريّة.

       متى بلغت الرعاية هذا الحدّ من التحوّل والانحراف، تتكلّس. تمسي، في واقعها، شيئًا من تدابير هذا الدّهر. تموت. تصير ابنة هذا الزّمن. لا تعود لها صلة بالزّمن الآتي هنا. لا تعود من الحياة الأبديّة. تمسي الرعيّة منتدى اجتماعيًّا ثقافيًّا. ويمسي المقياس فيها دورانها حول ذاتها، في أنشطة وإنجازات تفاخر بها. الحجارة تمسي المقياس وكم جمعت الرعيّة من المال، وما أفرعت من مؤسّسات وما أتت من حفلات وحقّقت من مرام دهريّة تُعطى، في سياق التحوّل، بُعدًا إلهيًّا. يختلط، في الأذهان، ما هو من هنا في ما هو من هناك. تُفتقد الرؤية القويمة. وفي الخلط والتحوّلات، جيئة وذهابًا، بين ما هو من هذا الدّهر وما هو من الدّهر الآتي، يموت الحسّ وتتداعى مقاييس التعليم القويم وندخل في الخواء الرّوحيّ الممكيَج.

       هذا يأتي تدريجًا ولكن بثبات حتى لتجدنّ سعيك الرعائي في اتجاه هذا الدّهر قناعة بديهيّةً. هكذا تجدك من الموت الرّوحيّ على قاب قوسين وأدنى. ماذا تعمل إذ ذاك؟ كيف تخرج من التفاف خيوط العنكبوت عليك؟ كيف تخرج من أسر ما أضحى في اعتبارك ذروة الإنجاز؟ الخلاص لا يمكن أن يأتي من تحت، بالتغيير الشكليّ - النفوس تمسي مضروبة - بل من فوق. تمسي الرّعيّة بحاجة إلى نبيّ على صورة مَن قيل عنه: "قد وكّلتك هذا اليوم على الشّعوب... لتقلع وتهدم وتُهلك وتنقض وتبني وتغرس" (إر).

       النبيّ يأتي كجلمود صخر من الصّخرة التي خرج منها الماء السّماويّ. النبيّ مرسَلاً يجيء. "صوت صارخ في البرّيّة". "ها أنا ذا أُرسل ملاكي أمام وجهك". يأتي كغريب عمّا آلت إليه الرعيّة من رغائب ومقاصد. همّه من الحقّ. هواه الحقّ. سعيه الحقّ. لا يتغنّى إلاّ بالحقّ. وحده الحقّ يقبض على أحشائه ويعصرها حتّى إلى الوجع المميت. دوره عَمَلان: أن يزعج وأن يعزّي. والإزعاج يأتي أوّلاً حتّى اليأس والتهديد، ثمّ تأتي التّعزية إن تابت المآقي إلى باريها بالدّمع وتجلببت النّفس بالمِسح وتسربل القلب الرّماد. يأتي النبيّ والفأس في يده على أصل الشّجر. لسان حاله: "كلّ زرع لم يزرعه الآب السّماويّ يُقلَع". يأتي كإرميا مبغَضًا. يلقونه في بئر النّسيان. يَصرّون عليه بالأسنان ويرغب الذين لا يرومون تغييراً تمزيقَه. يعرف أنّه مرذول ويشاء الصّمت، لكن الكلمة فيه تكون أكثر حدّة وإزعاجًا من إقلاق الرّاتعين في خطاياهم له. يتكلّم رغمًا عنه وويل له إن لم يتكلّم! آية يكون لمَن لا زالت لهم بقية سَمْع ولمَن سوف يأتون. هو ليس لزمن ولا لمكان حصرًا. كلمته على مدى الأجيال حيثما عادت النّفس إلى قيئها. الوجوه، في المدى، تتغيّر أمّا النّفوس فتستعيد رتابتها في دوائر تتردّد كلّما برزت وتاقت الأكباد إلى أهوائها، لتلوك ما لها. ولا يكون النبيّ للقلق وحده بل وراء كلّ صدمة ووجع تكمن التّعزيات لأنّ إلهك ودود لا يستأنس وجعًا يلقيه على النّاس إلى أن يرفعه عنهم ويريحهم.

       هكذا يأتي النبيّ كغريب ويرتحل كغريب، غالبًا مقطوعًا من شعبه، إلى أن يستفيق الشّعب من سباته ويستعيده في الحشا إن استقامت مسيرته وتاب.

       ويل لرعيّة لا نبيّ لها ولنفس لا تشاء أن تسمع كلمة الحقّ أو تكره القائل به. كلّ بحاجة إلى مَن ينبّهه ويوبِّخه ويؤدّبه إن ضلّ، فإن اتّضع كان له ثواب وإن استكبر مات في خطيئته. ابحث عمّن يصدقك القول ولا يحابيك بَحْثَك عن لؤلؤة ولا أثمن! ولكنْ هكذا مصير الكثرة أنّه إن كانت الرّعيّة توّاقة أبدًا إلى سقوطها فالنبيّ نصيبه أبدًا السّيف مسلّطًا فوق رأسه. إن ماتت الرّعيّة فبخطاياها وإن مات النبيّ فمكروهًا! مِن ذا عظمتُه في عين ربّه وديمومة الرّعيّة إلى قيام السّاعة!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

10 كانون الثاني 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share