صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
نقاط على الحروف
لتكن مشيئتك!
هذا أهمّ ما في علاقة الإنسان بالله، كما عبّرت الصّلاة الرّبيّة. في مجتمع اليوم، إنْ يُطِعْ أحدٌ، أي، تمامًا، من يطلب مشيئة الله في الآخرين، يُحْسَبْ ضعيفَ الشخصيّة! قلتُ: "في الآخرين" لأنّ الحاجة هي إلى طاعة أحدنا الآخر، في المسيح. "أطيعوا بعضكم بعضًا". ليس أنّنا نُذعن، أحدُنا للآخر، بل نطيع اللهَ في الجميع، أي نطوِّع ذواتنا لسماع صوته، لإتمام وصاياه، للسّلوك في محبّته، في كلّ أحد. ليس ربُّنا بمحصور في إنسان ذي موقع محدَّد. يمكن أن يكلِّمنا بأيٍّ كان، حقيرٍ، معتبَرٍ، صغيرٍ، كبيرٍ، قريبٍ، بعيدٍ، مِنّا، من غيرنا... الحكيم، بحكمة الله، هو مَن يطلب سماع صوت ربّه في كلّ امرء، في كلّ مكان، في كلّ حَدَث... كذلك، كلّ مُحِبّ، بمحبّة الله، هو مَن يقارِب كلّ وجه كحاملٍ لوجه الرّبّ يسوع المسيح. "كنتُ جائعًا فأطعمتموني... الحقّ أقول لكم بما أَنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فبي فعلتموه..." ليس الأمرُ، إذًا، أن نستسلم لأهواء النّاس ونزواتهم، بل أن نتعامل معهم كإيقونات للرّبّ يسوع. مهما تجرّحت الإيقونةُ أو اتّسخت فإنّها تبقى إيقونة. لذا عينُنا عليها، كإيقونة، بحاجة إلى تنظيف وترميم، لا على ما عَلِق فيها من سُخام لنهملها!

     على هذا، فإنّ الكلام على طاعة الله، وإتمام مشيئته، بالنّسبة لقناعات عالم اليوم، ذو مضمون سالب، فيه انتقاصٌ من حرّيّة الإنسان، وتعدٍّ على فردانيّته! اللهُ يغيَّب أبدًا! وجودُه في حياة النّاس، في الأفهام، غير ضروريّ! كأنّي بالله – هذا إذا ما كان النّاس ليسمحوا بأن يكون له دورٌ في حياتهم!- بَرَأ الخليقة، وجعل فيها نواميس محدّدة تَحكمها، ثمّ توارى، ولمّا تعد له علاقة بعالمه إلاّ على نحو عجائبيّ، كَمِن خارجِ مدار هذا العالم! ما يتضمّن أنّ للعالم كفايتَه، وهو قابلٌ وقادرٌ على النّماء والاستمرار من دون الله، ومن دون أيِّ تدخّل من قِبَله! لذا الكلام على مشيئة الله ومحبّته، في المسيح، جهالةٌ للعالم. حكمة هذا العالم حكمة بشريّة دهريّة تغيِّب مسيح الرّبّ. أمّا لنا فحكمة العالم جهالة عند الله. والعالم، في كلّ تفصيل من تفاصيله، مَصونٌ ومضبوط ويسير في إطار مقاصد الرّبّ الإله كضابط للكلّ. حتّى نواميس الطّبيعة خاضعة وخادمة لمحبّته ومخطّطه لخلاص العالَمين! على هذا لا نتعاطى أيَّ شيء ولا أيَّ حدث إلاّ من حيث إن إصبعَ الله فيه وله منه قصدٌ لا يعرفه إلاّه ومَن يشاء أن يكشف له. كلُّ وجه مَطَلٌّ لمسيح الرّبّ، ولكلّ حَدَثٍ مرمًى إلهيٌّ. لذا لا نقرأ أمرًا ولا نتعامل وإنسانًا إلاّ إلهيًّا. همُّنا الله في الكلّ. خارج الله لا قيمة لشيء، وخارج مقاصده العالمُ ثرثرة!

     إذا ما كان الدّهريّون همُّهم، بالله ومن دون الله، عبادةُ الإنسانِ ذاتَه وخدمةُ أهواءِ نفسِه، فإنَّ هاجس المؤمنين، بالرّوح والحقّ، هو التّنكّرُ للذّات – كأنّ لا شيء لنا – والتماسُ اللهِ وما للهِ في كلّ شيء!

     أوّل وأهمّ ما يحتاج الإنسان إلى وعيه أنّه فقيرٌ، كيانيًّا فقير. أنت من التّراب يا أيّها الإنسان وإلى التّراب تعود! ولا إمكان غنًى له، في هذا العالم، ما دام أنّه يأتي إلى ههنا من العدم وهو ذاهب إلى القبر بعد وقت قصير! إذًا، ليس له على الأرض مستَقَرٌّ. الحياة تُعطَى له من معطي الحياة، وكذا الحياة الأبديّة. هنا يموت كلّ يوم. "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلَّه وخسر نفسه"؟! فإذا كان الغنى الحقيقيّ هو الحياة، فإنّ معطي الحياة هو مَن يُعطي هذا الغنى! إذًا منه، ومنه وحده، نلتمس الغنى!

     ثانيًا، متى وعى الإنسان أنّه فقير فعليه أن يفعِّل هذا الوعي، كلّ حين، في يوميّاته. كيف ذلك؟ بألاّ يسمح للشّعور بالغنى بأمور هذا الدّهر بأن يملك عليه. فإن ترك هذا الشّعورَ يستبدّ به فإنّه يدخل عالم الوهم، وتمسي حياتُه، على الأرض، قائمةً على سلسلة أوهام! الوهم يصير، في الوجدان، لديه، كأنّه الحقيقة، والحقيقة كأنّها الوهم! حتّى لو قال الإنسان إنّه سيموت فإنّه يسلك كأنه سيحيا إلى الأبد. ولو قال: إنّ كلّ ما في الدّنيا باطل فإنّه يكون مستعدًّا لأن يقاتل من أجل أتفه الأمور باعتباره حقَّه! للأوهام، في سيرة الخطيئة، خِلابَةٌ! وكيف يحفظ نفسَه من الدّخول إلى عالم الوهم؟ بأن يذكر ساعة موته كلّ يوم. بأن يعمل على ألاّ يتعلّق قلبُه بشيء. بأن يتعاطى العطاء حتّى التّبديد. بألاّ يحبَّ الجمع بحجّة تأمين الغد. بأن يغصب نفسه على اعتبار الآخرين شركاء له في ما عنده بالكامل. بكلمة، بأن يكون مستعدًّا، في قرارة نفسه، لأن يجعل ما عنده، بالكامل، في خدمة ربّه! لنودعْ أنفسَنا وبعضُنا بعضًا وكلّ حياتنا للمسيح الإله!

     ثالثًا، متى أخذ الإنسانُ يسلك كفقير وكخادم لله، في كلّ أمر، فإنّ عليه أن يتروّض على ألاّ يطلب لنفسه شيئًا إلاّ رضى الله ورحمته ونعمته وبركته. لا يطلب غنى ولا يهرب من فقر. لا يطلب صحّة ولا يتذمّر لمرض. لا يطلب نجاحًا ولا يحزن لفشل. يجتهد ليقبلَ كلّ شيء بشكر. يعي أنّ كلّ شيء يعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله. يعي أنّ كلّ ما يرسله الله أو يسمح به هو للتّقديس!

     "لتكن مشيئتك" معناها أن نصل إلى وقت يصير فيه موقفُنا الدّاخليّ العميق، من كلّ ما يأتي علينا، كموقفنا من عكسه. ولو عانينا الألم والضّيق والخوف وشتّى التّجارب علينا أن يبقى لسان حالنا واحدًا كما لو لم نكن نعاني. الله يعين في كلّ حال. على قدر التّجربة تكون النّعمة. ومع كلّ ضيق يُعطَى لنا منفَذٌ فلا نخور! هذا جهاد المؤمنين اليوميّ. شيء متعِب؟! لا مفرّ من التّعب، في كلّ حال! الخيار هو بين أن نتعب باطلاً وأن نتعب من أجل الملكوت! ليس الخيار بين أن نتعب وأن لا نتعب! الخيار هو بين أن نتعب براحة، وأن نرتاح بتعب، من الآن وإلى الأبد. الخيار هو بين أن نقيم في راحة نفسيّة جسديّة، ونحن في فراغ وقلق بشريَّين، وأن نقيم في تعب جسديّ، ونحن في سلام وفرح إلهيَّين! الخيار هو بين أن نبقى في حدود اللّحم والدّم والقبر نحو هلاك أبديّ، وأن نمتلئ روحًا وحياة أبديّة!

     متى بلغ المؤمن، في تعاطيه مع ربّه، حدَّ القول: "في يدَيك أستودع روحي"، يكون قد تمّم وصيّة: "لتكن مشيئتك"! إذ ذاك تصير مشيئة ربّه مشيئته وروح ربّه روحَه وحياة ربّه حياته! هذا هو سبيل التّألّه بالنّعمة!



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

20 تشرين الأول 2013
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share