بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
وجهان للإيمان بيسوع

        لإيمان بالربّ يسوع وجهان. الوجه الأوّل هو وجه العناية الإلهيّة. الله يعتني بأخصّائه عناية كاملة. لا يكفّ عن الاهتمام بهم في كل تفصيل. لا يتخلّى عنهم ولا للحظة. نعمة الله تشملنا من كل جهّة. الله لا يغيب عن أحبّائه البتّة. يعزّيهم. يشدّدهم. يقوّيهم. يعطيهم روحه القدّوس. مستحيل على المؤمن بالربّ يسوع، على السالك بأمانة معه، أن لا يشعر بدفء الحضرة الإلهيّة، بعناية يسوع، بمحبّته الرقيقة العميقة.

        ولكن هناك وجه آخر للإيمان بالربّ يسوع. يسوع وإن لم يتخلّ عن أحد منا ولا للحظة، فإنّه يعطينا أن نختبر الضعف البشري، كما هو، في كل مناسبة. نختبر لاشيئيّتنا، عجزنا. يعطينا أن نختبر واقعنا كبشر. لا يلغي هذا الواقع. هو حاضر دائماً ولكن في ضعفنا، في آلامنا، في ضيقاتنا. نعرفه فيها. الإنسانُ يُتعبُه هذا الواقع. يُقلقه. يعرِّضه للشكّ. يتوهّم، في قرارة نفسه، أنّ عناية الله تلغي الضعف. ثمّة شيء فيه، في كل حال، يشتهي هذا الأمر. وقد يعثر آخرون ويسقطون لأنّهم يجدون أنفسهم، بعقلهم وحسّهم، غير قادرين على التسليم بهذا التضاد. كيف يختبر الإنسان عظمة الله في ما هو منتهى الضعف، في المرض والموت؟! أليست العظمة والشقاء نقيضين؟! أليست الحياة والموت ضدّين؟!

        يوحنّا المعمدان كان مثالاً لهذا التقابل بين ما لله وما للإنسان، بين اليقين والشكّ. هو الذي قال فيه الربّ يسوع إنّه ليس في مواليد النساء أعظم من يوحنّا المعمدان. وهو المرسَل من الله ليهيِّئ طريق الربّ. وقد أُعطي من فوق أن يميِّز مسيح الربّ. ومع ذلك، لما كان في السجن، أرسل اثنين من تلاميذه إلى يسوع يسأله: "أأنت هو الآتي أم ننتظر آخَر؟"

        بإزاء هذا الواقع التناقضي الذي يتولّد عن الإيمان بيسوع فينا يحاول إبليس أن يستغلّ الظرف. يعرف حدودنا كبشر ويعرف ضعفنا. لذا حين يملأنا يسوع من تعزياته، يحاول إبليس أن يوقعنا في الاستكبار. "لقد صرتَ قدّيساً!". وحين يعطينا الربّ الإله أن نختبر ضعفنا، يحاول إبليس أن يلقي الشكّ في نفوسنا. يحاول أن يوقعنا في اليأس. ولكنْ، إذا كان الربّ الإله قد ارتضى أن يُظهر قوّته في ضعفنا وأن يُظهر نوره في ظلمتنا وأن يُظهر عافيته في سقمنا، فإنما هذا من أجل خلاصنا. من دون هذين الوجهَين المتكاملَين، من دون هذين البُعدَين الخلاصيَّين، لا طاقة للإنسان على أن يحيا في الإيمان بالربّ يسوع. إنما العمر معطى لنا لننمو، في آن، في نعمة الله وفي الوعي العميق لحقيقة وجودنا كبشر. هكذا كلّما ازداد وعي الإنسان لهشاشته ولم ييأس، كلّما تجلّت فيه عظمة الله.

        العالم يرى في المؤمنين بشراً عاديّين. غيرُ المنظور، من جهة الإيمان، لا يراه إلاّ المؤمنون. يتألّمون كما يتألّم سواهم. يعانون كما يعاني غيرهم. يموتون كما يموت الآخَرون. لذا لا يصدِّق العالم أنّ الله فيهم. أما المؤمن فله وربّه غير حكاية. كلّما كان إحساس الإنسان العميق أنّه مفرَغ من الوجود الذاتي كلّما كان ربّه مالئاً له بصورة سرّية تفوق مدارك البشر. الشعور الكياني بأنّنا لا شيء هو منتهى الواقعية. فلا نعجبنّ إذا كان أخصّاء الله محسوبين كلا شيء في العالم. على أنّ وجع أحبّة الله الأكبر ليس اعتبار العالم لهم نكرة. وجعهم، بخاصة، آت من المعاناة الدهرية للكنيسة. هذا أعظم الخطر عليهم. في الكنيسة الدهرية يختبرون أفظع العداوة. الكنيسة الدهرية شبه كنيسة المسيح ولكنْ في الشكل. تُعتبر بيت أحبّة الله، والحقيقة غير ذلك. حقيقتها أنّها مضطهِدة المؤمنين وممرمرتهم. هذه كامنة في النفوس أولاً. لها مظاهرها في مؤسّسة الكنيسة ولكنّها واقع روحي كياني. روح الكنيسة الدهرية غير روح كنيسة المسيح. الكنيسة الدهرية روحُها روح العالم، فيما كنيسة المسيح روحُها روح الربّ القدّوس. الكنيسة الدهرية تتكلّم باسم الله ولكنّها دائماً ما تعمل على قتل الله في نفوس عباد الله. من هنا القول "تأتي ساعة يظنّ فيها كلّ مَن يقتلكم أنّه يقدِّم عبادة لله".

        صورةٌ عن الكنيسة الدهرية كانت أمّةَ إسرائل في زمن يسوع. ولكنْ هذه صورة من صور في تاريخ علاقة الله بالإنسان، خصوصاً في تاريخ علاقة يسوع بالمؤمنين. الشجرة تُعرف من ثمارها. الكنيسة التي لا ترون فيها محبّة أصيلة هي كنيسة دهرية. لذا أوصى يسوع تلاميذه: "أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم". هذه ركيزة الإيمان، ركيزة كنيسة المسيح. الكنيسة التي ترى فيها الناس يبذلون أنفسهم بعضهم من أجل البعض الآخَر، هذه تكون كنيسة المسيح. أما الكنيسة التي تسود فيها الأنانية والفردية والحسد، الكنيسة التي همّ الناس فيها أمجاد العالم، ويستغل البعضُ فيها البعضَ الآخَر، والكبارُ الصغار، وتُهمَل فيها تعاليمُ الآباء القدّيسين، ويصير فيها مامون (أي حبّ المال) سيِّداً، هذه تكون الكنيسة الدهرية.

        ما حصل ليسوع مع اليهود إنما حصل على امتداد تاريخ الكنيسة ولا يزال إلى اليوم. الأشخاص تغيّروا أما الروحيّة فواحدة. الكنيسة الدهرية تُفرِغُ كنيسة المسيح من مضمونها. التمييز، طبعاً، غير ممكن إلاّ بروح الربّ. تتطلّع فيها، في الكنيسة الدهرية، بحثاً عن إيقونة حيّة للمسيح فلا تجد، مع أنّ الشكل الخارجي يوحي بحضور كنيسة المسيح فيها. تلقاها باردة، نفسانية، ميتة، بلا روح. حين دخل يسوع الهيكل وصنع سوطاً من حبال وطرد الصيارفة وباعة الحمام وتجّار الهيكل إنما أراد أن ينقّي كنيسته من الدهرية. الذين قتلوا يسوع، في نهاية المطاف، كانوا أهل بيته. في الكنيسة الدهرية قُتل المسيح ويُقتل المؤمنون بالربّ يسوع كلَّ يوم. هذا علينا أن نعيه جيّداً. هذا علينا أن نتوقّعه في كل حين. الصراع مستمر مع الدهرية في كنيسة المسيح. ليس الذين في العالم هم أعداء المسيح بل الذين فيهم روح العالم. الأنبياء الكذبة والمعلِّمون الكذبة والرؤساء الكذبة والمؤمنون الكذبة هم الذين يُفسدون كل ما هو أصيل في كنيسة المسيح. الصراع مستمر ليس بين قوم وقوم وحسب بل في كل نفس أيضاً. لذا على كل واحد أن يحذر أولاً في نفسه روح الدهرية، منحى الشكلية. إذا لم يتغيّر القلب، إذا لم يتطهّر، إذا لم يكن الهاجس كلُّ الهاجس، المسيح وكلمة المسيح وإرادة المسيح فما المنفعة؟! وعلينا، أيضاً، أن ننتبه وننبّه من سريان روح الدهرية بين المؤمنين. هذا بحاجة إلى يقظة، إلى صحو، إلى جهاد، إلى تضحية. هذا بحاجة إلى بذل دم. المؤمن يبذل نفسه من أجل أن يتنقّى ومن أجل أن يساعد الآخَرين على التنقية. هذا عمله.

        يبقى أنّ مَن يسيرون في هذا الطريق يختبرون ما اختبره يسوع. "تتركوني وحيداً، لكني لست وحدي لأنّ الآب معي". كثيراً ما يجد المؤمن الحقّاني نفسه وحيداً. طبعاً لله شهود. هؤلاء نتعزّى بهم. لكنّهم جميعاً يختبرون رفض العالم لهم وحرب الكنيسة الدهرية عليهم. يختبرون الغربة، غربة يسوع في خاصّته. وإلى ذلك يختبرون هشاشتهم. المهم ألاّ تخور عزائمنا، أن نثبت إلى المنتهى، أن نعرف أنّه ليست لنا ههنا مدينة باقية، أن لنا هذا الكنز في آنية خزفية، عن قصد، ليكون فضل القوّة لله لا منّا، حاملين في الجسد كل حين إماتة الربّ يسوع لكي تُظهَر حياة يسوع في جسدنا المائت (2 كو 4).


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

6 أيار 2007
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share