<
اليوم، عدنُ آدم الجديد تستقبل الفردوس الرّوحي الّذي فيه أُبطل الحكم القديم وفيه غرست شجرة الحياة وفيه سُتِر عرينا.(القديس يوحنّا الدّمشقي). إن والدة الإله هي الوحيدة التي بتوسّطها بين الله والجنس البشريّ جعلت من الله ابنًا للإنسان وحوّلت البشر إلى أبناء لله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس). يحتفل بعيد انتقال العذراء كفصح ثان سرّي يُعظّم فيه منذ الآن وقبل نهاية الأزمنة مجدُ مريم الإنسانة المؤلّهة الأولى.(الأب الياس مرقص).إنّ العذراء المباركة هي أمّنا الحنون ولكنّ حنوّها ليس هو إلاّ اشتراك في حنوّ الرّب الّذي هو أعظم لأن في المسيح فقط الحنوّ الكامل المطلق.(الأب ليف جيلله).إن السيد قَدَّم لنا هدّية. أعطانا والدته الكلية القداسة. هذا عطاؤه لنا، فهي فرحنا وأملنا، وهي أمنا بحسب الروح، وهي قريبة منا بالطبيعة بحسب الجسد كإنسان وكل نفس مسيحية تنشدّ إليها بحب. (القدّيس سلوان الآثوسي).
نقاط على الحروف
الموت وحضارة الموت!.

"أنت ضرورة لي، لا لأجعلك مساعدًا لي أو خادمًا، بل لأنّي أُريدك أن تكون محور اهتمامي وخدمتي. أنت ضرورة لي لأستعيض عن حاجتي إلى نفسي بالحاجة إليك والاهتمام بك، لأجعلك محلّ ذاتي".
المعترف الرّومانيّ دوميترو ستانيلوي (+1993).


   ما لا أريد أن أسمعه هو، أوّلًا وقبل كلّ شيء، أنّ الثّابت الوحيد في حياتي هو موتي!. يأتي يوم ينحلّ فيه جسدي ويصير رمادًا. هذه حالي وحالك وحال كلّ إنسان، كان وكائن ويكون. لا توهم نفسك أنّ العِلم كفيل بحلّ مشكلة الموت. فقط الأبله المغرور يظنّ ذلك. تأليه العِلم شأن الأغبياء!.

   لا فقط، سأموت أنا وستموت أنت، أكثر من ذلك أنّي لا أعرف ساعة موتي. ولا يمكنني، مهما فعلت، أن أضمن حياتي ساعة واحدة، حتّى لا أقول دقيقة واحدة. طبعًا، أعمل ما في وسعي لاتّقاء غوائل الدّهر، لكنّ ما في وسعي أقلّ، بما لا يُقاس، من أن يشكّل ضمانة لحياتي. لا التّمنّي ولا التّوقّع ولا التّكهّن ولا الاحتمالات ولا التّرجيحات تبلّغني حدّ اليقين.

   هذا أنا عارف به، في قرارة نفسي، وأنت أيضًا. رغم ذلك أميل إلى تناسيه. أسلك، بعامّة، كأنّه لا موت، أو، بكلام أدقّ، كأنّي لن أموت. ربّما، إذا رأيت جنازة، أو رقد أحد أقربائي أو معارفي، أشعر بغصّة في نفسي، ثمّ تذهب. وإذا طالت فيّ وأزعجتني، أعمل على إزالتها بالانخراط في العمل أو المسرّة أو اللّهو أو الاجتماعيّات. وبعامّة، هذه الأيّام، حتّى الشّعور بالغصّة يَضمر. السّبب؟. منظر الموت صار مألوفًا جدًّا. اعتدتُ عليه من كثرة ما يطالعني منظر القتل والدّم عبر وسائل الاتّصال والأفلام. مشاهد الخراب والعنف، ولو نقلت وقائع جرت، تصبح، لأنّها لا تعنيني مباشرة، كأنّها مشاهد من فيلم!. عالم الواقع يختلط لديّ ولديك بعالم الوهم!.

   عمليًّا، أهتمُّ بدفع ذِكر الموت عنّي قدر استطاعتي. أعمل على إخراج وخز فكر الموت من وعيي بما أُوتيت من طرائق لئلّا ينتابني شلل في نفسي!. ولكن، إذا نجحتُ في تناسيه، فكيف أنجح في إزالة تأثيره وإخراجه من لا وعيي؟!. الخوف من الموت، في قرارة نفسي، يكبّلني، يستعبدني، يحوّل حياتي إلى ردّات فعل على الخوف العميق الّذي فيّ (عبرانيّين2)!. كلّما عملت على تلافي الإحساس بوخز فكر الموت فيّ، استبدّ الخوف من الموت بمواقفي!. تستحيل حياتي سلسلة من المساعي للهرب من الموت!. لماذا يتشاره الإنسان مثلًا؟. لأنّه يخاف على صحّته أو لأنّه يريد أن يمتّع نفسه، من حيث إنّ المتعة تخدِّر الخوف من الموت فينا!. هذا، أكثر الأحيان، لا يعيه الإنسان. يضفي عليه تفسيرات أخرى كالقول بالحياة إنّها للّذّة، على طريقة مذهب الأبيقوريّين، وأنّ كلّ شيء أُعطي لنا لنتمتّع به... ولعلّه يشير إلى قِصر العمر أو إلى أنّ المرء يعيش مرّة واحدة، ولكن لا ليلقى لحياته معنى ساميًا بل ليبرّر إقباله على متع الحياة بشغف، كأنّ الإنسان خُلِق ليلهو!.

   إذ يدفعنا الخوف من الموت إلى حالة كيانيّة هروبيّة يجعل الحضارة الّتي تمخّضت وتتمخّض عنها مساعي البشريّة، جيلًا بعد جيل، حضارة أو حضارات هروبيّة إيهاميّة!. أقول هروبيّة لأنّها، في الحقيقة، محصّلة لا ما يعتلج به فكر الإنسان بل ما تعتلج به نفسه!. وإيهاميّة لأنّ الإنسان يُسقط عليها من الاعتبارات ما يجعله يشعر بالعظَمَة واستمرار الحياة. كلّ حضارة تأتي من هرب من الموت تكذب ولا تعدو كونها حضارة موت مهما لهجت بالحياة!.

   أليست حضارة موت تلك الّتي لا تبالي بالإنسان بل بما يُنتج؟. كأنّ الإنسان ما ينتج!. النّاس، في حضارة الموت، أفكار، أشياء... مَن يبالي بموزار؟. موزار موسيقاه!. إنْ تذكرْه لا تأتي إلّا موسيقاه على بالك!. عظيم لأنّه أنتج موسيقى تعتبرها عظيمة!. مَن يخطر، بعد، بباله أنّ عظَمَته هي من كونه إنسانًا وكفى!. وأنّ العظيم، حقًّا، هو مَن أبدع موزار؟!. العظَمَة، في حضارتنا، للأشياء، والأشياء لا حياة فيها، مهما كانت متناسقة!. لا يهمّنا القلب بل ما يحرِّك النّفس والعقل!. لا يهمّنا الحبّ بل ما يحرِّك المشاعر والأفكار!. بل الحبّ أضحى ما هو من الأحاسيس والعواطف!. عمل آلة عضويّة!. الإنسان آلة جسدانفسانيّة!. مع التّركيز، لا على كونه جسدانفسانيًّا، بل على كونه آلة!. لكن الآلة صمّاء مهما كانت متطوّرة!. إذا كان ما للنّفس والجسد عبارة عن قوى، عن مزايا، فأين الهويّة؟. الإنسان عقل؟. هذا إذا كنّا نتعاطاه كآلة!. يتعطّل عقله فلا يعود إنسانًا!. يستحيل كتلة عضويّة!. هذا ما بإمكاننا أن نراه وأن نقيسه!. ماذا عمّا لا نراه بعيوننا فيه إلّا ما هو أقلّ من الأقلّ من النّذر اليسير!. ومع ذلك نحدّه ببصيص معرفتنا له، الّتي هي أدنى إلى الغرور والجهل ممّا هي إلى المعرفة الحقّ الحلال!. أنا أفكّر، إذًا أنا موجود، قال ديكارت!. ليته قال: أنا أفكّر، إذًا أنا أعي أنّي موجود، إذًا لعلّمنا أنّ الوعي يأتي بالعقل!. لكنّه قال ما يجعل الفكر أساس الوجود، وما يُستنتَج منه أنّه حيث لا فكر لا وجود!. هذه كانت، على مدى الأيّام، لا فقط خطوة أساسيّة نحو تعظيم العقل، بل أيضًا خطوة نحو جعل وجود الإنسان مرهونًا بالفكر، ومن ثمّ تكريس مفهوم الإنسان كآلة فكريّة، متى توقّفت عن العمل كفّ الإنسان عن أن يكون إنسانًا!. هذا كان إيذانًا بابتداع تفسير لوجود الإنسان أدّى تبنّيه إلى تعاطي الإنسان كآلة فكريّة منتجة، ما أدّى إلى تشييء الإنسان، ومن ثمّ إلى تشويهه وإلغائه!. هذا التّصوّر للإنسان، من منطلق قول ديكارت، قوّمَه الأرشمندريت صفروني سخاروف لمّا قال: "أنا أحبّ، إذًا أنا موجود". هذا جعل، دون إغفال ما للعقل من قيمة، أنّ وجود الإنسان رهن بالمحبّة، وأنّ القلب، لا العقل، هو حيث تُلتمس الهويّة، الأنا، الأقنوم، محور الإنسان، النّوس، الكيان... إذًا الإنسان قلب وعمله المحبّة. ثمّ القلب يحرّك العقل وقوى العقل تخدم المحبّة!. هذا هو الإنسان كلّه، وهكذا يحقّق الإنسان إنسانيّته!.

   أليست حضارةَ موت تلك الّتي يتهافت فيها البشر على جني المكاسب وتكديسها وحرمان المحتاجين إليها منها ومن ثمّ تبذيرها وتبديدها وحتّى إتلافها، وإيهان البيئة وتلويثها، ما يدفع النّاس إلى استغلال بعضهم البعض والتّضحية ببعضهم البعض والتآمر على بعضهم البعض وإثارة الفتن والحروب على بعضهم البعض؟. لو كانت حضارتنا حضارة حياة لكنّا نتهافت على خدمة أحدنا الآخر، وإعالة أحدنا الآخر، وبلسمة جراح أحدنا الآخر، وإكرام أحدنا الآخر، واحتضان أحدنا الآخر، والفرح مع أحدنا الآخر والبكاء مع أحدنا الآخر... في حضارة الموت كلّ لنفسه. في حضارة الحياة كلّ للآخر. في حضارة الموت كلٌّ يطلب ما لنفسه في الآخر. في حضارة الحياة كلٌّ يحقِّق نفسه في احتضان الآخر. أخي حياتي، على قولة القدّيس سلوان الآثوسيّ!. في حضارة الموت، الآخر جحيمي. في حضارة الحياة، الآخر نعيمي. في حضارة الموت، القوي هو مَن يسخّر الضّعيف لخدمته. في حضارة الحياة، القوي هو مَن يسخِّر نفسه لخدمة الضّعيف. في حضارة الموت، البقاء للأقوى، وفي النّهاية الكلّ يفنى. في حضارة الحياة، البقاء للمحبّة، وفي النّهاية للكلّ الخلاص. في حضارة الموت، الإنسان هو ما يأخذ. في حضارة الحياة، الإنسان هو مَن يعطي. في حضارة الموت، إن تأخذ تكن لك متعة. في حضارة الحياة، إن تعطِ تكن لك غبطة. في حضارة الموت، حياتك ممّا تجمع. في حضارة الحياة، حياتك ممّا توزّع. في حضارة الموت، ما تنفقه على نفسك ينقص ما لك. في حضارة الحياة، ما تنفقه على المحتاجين يزيدك. في حضارة الموت، نقايض ما هو حيّ (ضميرك)، بما هو ميت (المال). في حضارة الحياة، تشتري بما هو ميت (المال)، ما هو حيّ (فرح المعوزين ودعاءهم لك). في حضارة الموت، تحيا بما هو مائت، إلى أن تؤخذ إلى القبر. في حضارة الحياة، تحيا بالبَرَكة، إلى أن تؤخذ إلى حياة أبديّة.

   حضارة الحياة يصنعها روح الحياة في القدّيسين، في المؤمنين. لا هي نصوصًا ولا أبنية ولا طقوسًا ولا موسيقى ولا عادات ولا شيئًا مثل ذلك. هذه كلّها تعابير لتندثر!. حضارة الحياة هي قلب إنسان امتلأ من روح الله!. حيث تلقى قلبًا صار كقلب الله، هناك تلقى الحياة وحضارة الحياة. هناك تلقى الكنيسة. النّصوص كانت ليصير الإنسان هو النّصّ، والهيكل ليصير الإنسانُ الهيكلَ... الكلّ كان لتنادي اللّجّةُ (قلبُ الله) اللّجّةَ (قلب الإنسان). حيث لا قلب امتلأ من محبّةِ الله ومحبّةً لله، وفاض على العالمين، لا كنيسة، بل أطلال كنيسة، مهما حكت الأطلال من حكايا غابرات!. الرّوح هو الّذي يحيي، الجسد لا ينفع شيئًا (يسوع)!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

12 شباط 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share