إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
نقاط على الحروف
قانون للباطل وقطار يصفر!

     القانون مشروع فاشل، إنسانيًّا فاشل، ولكن... لا غنى عنه!

     نظريًّا، القانون، في الظّنّ، أداة لحفظ ما يُعرف بـ"حقوق الإنسان": الحقّ في الحياة، حقّ الملكيّة، حقّ العمل، حقّ التّعبير... ولكن، هذا كلام مُلتبس ولو اعتُبر من المسلّمات، وأُحصي في عداد البديهيّات! لماذا؟ لأنّ القانون، في المضمون، أداة لتشريع وحماية حقّ(!) النّاس في أن يكونوا أنانيّين، وفي أن يتعاطوا أنانيّاتهم بحرّيّة، على هواهم، وبحمى القانون والسّلطة الّتي تضمن تنفيذ القانون!

     في الممارسة القانونيّة، لكلٍّ قضيّةٌ يطالِب فيها بما لنفسه. "هذا حقُّه" يقولون! الفسحة الّتي تجري ضمنها ممارسة القانون تتراوح بين أن تتمكّن من تحصيل ما هو، فعلاً، لك، كحدٍّ أدنى؛ وما ليس لك، لأنّك تطمع فيه، كأنّه لك، وبالادّعاء أنّه لك، كحدًّ أقصى؛ إذا ما نجحت في "الاحتيال" على القانون، أو "تسخيره"، من خلال مَن وراءه ومَن قدّامه، بما أُوتيت من ذكاء وقوّة ونفوذ ولباقة، في تزوير الأمور، لخدمة مراميك الخاصّة!

     لهذا، القانون، بكلّ بساطة، فاشل، نطاقه فاشل، لأنّ الأفق الّذي يتحرّك فيه هو، في العمق، وفي كلّ حال، أنانيّات النّاس؛ ولو لم نَسْتَسِغْ أن نسمّي الأشياء بأسمائها في هذا الشّأن!

     ولكن، لا غنى عن القانون، والممارسة القانونيّة، لأنّ الهمّ الأساسيّ، المسلَّم به، ضمنًا، للمجتمع، بكلّ أسف، إلاّ بعض الإستثناءات، ليس أن يَخرج من أنانيّاته، بل أن يكرِّسها ويعتبرَها بديهيّات إنسانيّة، وأن يقيم فيها دونما تسآل... مرتاحًا مَصونًا! على هذا، يكون القانون مشروعًا – تدبيرًا مجتمعيًّا القصدُ منه تنظيمُ أنانيّات النّاس، فيما بينهم، بإرساء القواعد المبدئيّة للأنانيّات المشتركة، ووضع الضّوابط للحؤول دون تصادم الأنانيّات المجتمعيّة بما يشكِّل خطرًا على حقوق(!) الأفراد والحياة العامّة، بإعلاء "دستوريّة" الأنانيّة لجميع المواطنين! كلّ هذا حتّى لا يستحيل المجتمعُ غابةَ وحوش متفلّتة تتناهش حتّى إفناء بعضها البعض! ولكنْ مهلاً! الخيار ليس بين أن تكون وحشًا أو أن لا تكون. في هكذا سياق، إلاّ بالنّسبة للقلّة العزيزة، الخيار، في أحسن الحالات، هو بين أن تكون وحشًا همجيًّا مُدغِلاً ووحشًا متمدِّنًا مهذّبًا! في كلّ حال، الأنانيّة هي أن تكتفي بفردانيّتك، قيمةً، أن تقيم في عزلتك الدّاخليّة، في وحشتك؛ أي، عمليًّا، في حالة من الوحشيّة "الأهوائيّة"، وترتاح إليها وتكتفي بها لأنّها نصيبك؛ وأن تقيم على سلاحك، داخليًّا، دفاعًا عن حقّك(!) تجاه مَن تشعر بأنّه يشكِّل تهديدًا لمناخك الفردانيّ الأهوائيّ الخاصّ بك؛ أقلّه بـ"أنيابك" و"مخالبك" الغضبيّة؛ أقول حقّك(!) في أن تسكن مَلِكًا في "عرين" عزلة نفسك وتأليه ذاتك... حتّى الموت!

     هذا، تقريبًا، هو المناخ الكيانيّ الّذي يُتداول فيه ما يُعرف بـ"حقوق الإنسان". ولكنْ، أحقوق هذه؟ لا أظنّ! أظنّ أنّ هذا هو ما يحسبُه الوجدان المجتمعيّ العامّ، زورًا، "حقوقًا" للإنسان، وما هو من الحقّ في شيء! ما ليس من الحقّ ليس من "حقّ" أحد تعاطيه! له أن يتعاطاه إن شاء. حرّيّته تجيز له أن يتعاطاه لا حقُّه في المجتمع. أمّا نحن، في الإنسانيّة الحقّ، فليس لنا أن نجيزه لأحد ولا أن نشجِّع أحدًا عليه! لا حقّ لنا في أن نجيز لأحد تعاطي ما هو من الباطل! الحقّ هو ما ينبغي أن يكون همَّنا وما نشجِّع عليه! فأمّا الأنانيّات فباطل! وطالما الأنانيّات قِيَمٌ في الباطل فلا يمكن ولا يجوز أن يُشَرَّع الباطل كحقّ عامّ، ولا أن يُنسَب الحقّ إلى الباطل، ولا أن يُسمَّى ما هو باطلٌ حقًّا، ولا أن يُعتَبَر حقًّا من حقوق الإنسان!

     فيما كان يسوع، ذات مرّة، مجتازًا بين الزّروع، أخذ تلاميذُه يقطفون السّنابل، وهم سائرون، جائعين، ويفركونها بأيديهم ويأكلون (مرقس 2: 23). الفرّيسيّون اعترضوا لأنّ ذلك كان في يوم سبت. لم يقل الرّبّ يسوع لتلاميذه: لا تفعلوا! بالعكس تركهم يأكلون ودافع عنهم من جهة ما ليوم السّبت. لست أشاء أن أتعرّض هنا لمناقشة موضوع يوم السّبت. يكفيني التّسآل في معرض هذا البحث: أكان من حقّ تلاميذ يسوع أن يدخلوا بستانًا، أغلب الظّنّ أنّه ليس لهم، وأن يأكلوا من ثماره؟ قانونيًّا، تبعًا للممارسة القانونيّة، اليوم، هذه سرقة وتَعَدٍّ على أملاك الغير! إذًا، كان من حقّ(!) مالك الأرض أن يدّعي على يسوع وتلاميذه، وأن يُغرَّموا، وحتّى أن يُسجَنوا! الرّبّ يسوع يوجد هنا مخالِفًا لمعاييرنا المجتمعيّة! لكنَّ هذا لا يدين يسوع الإله بل القانون!

     للرّبّ يسوع فهمٌ مختلف عن فهم القانون للموضوع، ومقاربة أخرى للأمور المحيطة به. "للرّبّ الأرض بكمالها، المسكونة وكلّ السّاكنين فيها"، قال مرنّم المزامير (مزمور 23: 1)! إذًا ليس أحد مالكًا ولا لحبّة تراب في الأرض! للرّبّ الأرض بكمالها! مَن ادّعى أنّ له مِلكيّة خاصّة به هنا كان موهومًا أو مختلِسًا! عندما أخذ الرّبّ الإله آدم ووضعه في جنّة عدن، شاءه أن "يعملها ويحفظها" (تكوين 2: 15)، لا أن يمتلكها! ولمّا سقط قال له: "بعرق وجهك تأكل خبزًا حتّى تعود إلى الأرض الّتي أُخذت منها" (تكوين 3: 19). إذًا يعمل الإنسان الأرضَ لكي يأكل منها بتعبه؛ لا هو وحسب، ولا ليجمع غلاّته وخيراته المزعومة في مخازن، كالغنيّ الغبيّ الّذي أخصبت كورته (لوقا 12: 16 – 21)؛ طبعًا الفاعلُ مستحقّ أجرتَه (لوقا 10: 7)؛ ولكنْ، أيضًا، بمثابة وكيل أمين حكيم "يقيمه سيّدُه على خدمه ليعطيهم العلوفة في حينها" (لوقا 12: 42). الكلّ خادم! كلّ يخدم السّيّد، ويقيم خادمًا وكيلاً لخدّام السّيّد في نطاق مواهب سيّده. والخادم، في مفهوم ذلك الزّمان، عبد، أي ليس بشيء في ذاته ولا له شيء، بل يستمدد هوّيّته وقيمته بانتسابه لسيِّده؛ وما بين يديه، حتّى في أدنى الأمور، ليس له بل لسيّده. بين البشريّين ليس سيِّدٌ على الأرض ولا واحد! السّيّد واحد وهو في السّماء؛ هو وحده سيِّد السّماء والأرض. الباقي ادّعاءات وأوهام! نظرتُنا إلى أنفسنا، لكي نوجد صادقين، ينبغي أن تكون أنّنا عبيد لديه! ما ينبغي أن نجعله نصب أعيننا هو أنّ علينا أن نحقِّق مقاصده بأمانة كاملة وإلاّ نُطرَحُ خارجًا! فقط، إذا ما نظرنا إلى ذواتنا كعبيد إليه يعطينا، لصلاحه العظيم، كلَّ شيء! يعطينا أن نصير أحبّاء له (يوحنّا 15: 15)! يعطينا ملكوت السّموات (لوقا 12: 32)! نملك كلّ شيء (2 كورنثوس 6: 10)! ويعطينا أن نصير آلهة (يوحنّا 10: 34)!

     على هذا متى جاع إنسان فبديهيّ أن يكون له أن يأكل من كلّ ما في الأرض يؤكل، هنا وهناك وهنالك. مثلُه مثل العصافير. ليس هناك قانونٌ ولا من حقّ أيّ قانون أن يمنع إنسانًا من تناول الطّعام متى جاع والطّعام أمام عينيه! حتّى لو أكل من طعام لا يُعتبر له، وفق مقاييس هذا الدّهر، لا يُعتبَر، عند ربِّه، مخالِفًا! ما يفعله بديهيّة وناموسٌ من فوق! بالعكس فارضو القوانين البشريّة الاستنسابيّة هم المخالفون والمتعدّون والمغتصِبون! ما في الأرض هو لمَن يحتاج إليه لا لمَن يضع يده عليه ويصادره! لك، من عند ربّك، أن تسدّ جوعك من خيرات الأرض بفرح واطمئنان وشكران حيثما حللت! ليس لأيّ قانون الحقُّ في أن يحمي مَن يكدّسون تلك الخيرات لأنفسهم، وما لهم حاجة آنية إليها؛ بل أن يحمي الطّالبين قضاء الحاجة من أن يَحرمهم أحدٌ إيّاها! السّارق هو مَن معجنُه طافح والجيّاع، في الخارج، لا يجدون ما يسدّون به رمقهم! هذا مَن على القانون الحقّ أن يلاحقه، ويصادر ما زاد على حاجته، ويعطيه أصحابَ الحقّ فيه ويؤدّبَه! القانون الحقّ يفتح مخازن المحتكِرين ليأكل المحتاجون مجّانًا؛ ولا يحمي التّجّار الّذين همّهم تكديس الذّهب الّذي يحصّلونه من بيع ما هو، في المبدأ، لمَن يتضوّرون جوعًا، ويرتجفون بردًا في الخارج! القانون الّذي يحمي الغنيّ من العاجز، والقويّ من الضّعيف، ومَن يلبس الحرير مِن العريان، هو قانون متوحِّش، ويكرِّس وحشيّة الإنسان!

     إذًا لك أن تأكل ما دمت جائعًا، ولا حقّ لقانون في الأرض أن يمنعك من ذلك! ولكن حذار! لك فقط أن تقضي حاجتك الآن، ولا تمدّ يدك لتحفظ للغد! فإن فعلتَ كنتَ سارقًا، من جهة ما للآخرين، في مجتمع القانون والمِلكيّات الخاصّة؛ وكنتَ جاحدًا من جهة سيّد الأرض كلّها. فإنّ الّذي يطعمك، اليوم، جائعًا، يطعمك، غدًا، متى احتجت! ولعلّك تسأل وتتساءل، ولك ملء الحقّ في أن تفعل: ألسنا كلّنا، سالكين في حقّ الله وغير سالكين، نَجمع في مخازننا ونودع أموالاً في المصارف؟! بلى! هذا من تأثير فساد الوجدان العامّ علينا! الحالة الفضلى ليست كذلك! الحالة الفضلى هي حالة ذاك الّذي تكلّم عليه بستان الرّهبان أنّه كان يعمل كلّ يوم ليأكل، وما زاد على حاجته ما كان ينام قبل أن يوزّعه على مَن يحتاج إليه إلى آخره، لكي يبدأ، في اليوم التّالي، من جديد، تمامًا! وإذا ما افتقده سيِّده بمحتاج، حتّى إلى طعامه هو، كان يعطيه إيّاه بالكامل، ويقيم، جائعًا، إلى اليوم التّالي، ملقيًا رجاءه على القادر على كلّ شيء، مؤمنًا مسلِّمًا بالقول الإلهيّ: "أعين الكلّ إيّاك تترجّى وأنت تعطيهم طعامهم في حينه. تفتح يدك فيمتلئ الكلّ خيرًا..." (مزمور). وما أقول ذلك تنظيرًا. طوبى لمَن يسلك كذلك. بأذيال أمثال هؤلاء نتبرَّك! ولكنْ، لا نكتفينّ بالإشارة إلى المرتجى! علينا، نحن الّذين حملنا اسم يسوع، ولو جَمعنا، أن نعي أنّ ما نجمعه ليس لنا، حصرًا، بل كلّه لنا ولكلّ محتاج إليه. وما نجمعه نتعاطاه كمؤتمنين عليه، كوكلاء على علوفة المحتاجين. وإذا ما امتحننا السّيّد بمَن يحتاج إلى ما لدينا أكثر منّا، فعلينا أن نكون مستعدّين لأن نعطيه إيّاه ونُلقي رجاءنا، بصورة أكمل، على مَن اصطفانا، لكي لا نُحسَب وكلاء ظلم! علاّم القلوب، في كلّ حال، يعرف ما في القلوب ويدين! فقط إذا ما سلكنا بالأمانة في الرّوح والحقّ نقدر أن نحوِّل ما أفسده السّقوط فينا إلى ما أصلحه الرّبّ يسوع في جسده، بسلوكنا في جدّة الحياة الّتي أمّننا عليها، لسرورنا والمساهمة في خلاص العالمين!

     لذا نتشوّف، أبدًا، إلى قانون يحمي المحبّة في المجتمع لا أنانيّات النّاس؛ يشجِّع على العطاء لا على الإمساك؛ يعوِّض عن النّقص في المبادرات المحبّيّة للبشر فيما بينهم. ليست حقوق الإنسان أن تصون مِلكيّة الأفراد، بل أن تصون حقّ أهل الأرض قاطبة في خيرات الأرض وفق الحاجة. وما هي أن توفِّر لكلّ إنسان فرصة التّعبير عن نفسه على هواه، بل أن توجِّه حرّيّة التّعبير إلى ما فيه بناء الآخرين، وخيرُهم وصلاحُهم. تعبيرُك، في الحقّ، عن نفسك، لا يمكن ولا يجوز أن يكون بمعزل عن بنيان الآخرين، أو لإفساد النّاس أو لاستغلالهم. إفساد النّاس أو استغلالهم جريمة. ومَن يعبِّر عن نفسه ولا يبالي بوَقع تعبيره على النّاس، كلامُه لغوٌ ويؤذي ولو عُدَّ، في هذا الزّمن الفاسد، سياسة ذكيّة أو فنًّا عظيمًا أو أدبًا مرموقًا!

     أهذه أحلام وتمنّيات في مجتمع ازدوج الأكثرون بعشق ذواتهم؟ ربّما! قناعتنا أنّ العالم المُغوى بنرجسيَّته يدين باستمراره وثباته، لا لتماديه في وحشيّة المسرى ومغالاته في الاعتزال الكيانيّ، بل لحفنة من المجانين لا زالوا متمسّكين بالمحبّة والصّلاة مسرًى وأفقًا. هؤلاء هم ملح الأرض. وهؤلاء باقون، غير منظورين، إلى قيام السّاعة. أمّا القطار الّذي عدّه الأكثرون من بنات أحلام هؤلاء، فالسّاعة آتية وسيصفر لا محالة وسيسمع كلّ الأمم صفيره! نتطلّع إلى الآتي لأنّنا نذوقه منذ الآن. "الّذي رأيناه وسمعناه نخبركم به" (1 يوحنّا 1: 3)!

     "أيّها الرّبّ يسوع تعالَ"!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

27 أيار 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share